تونس في 18 ماي 2011

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحية عطرة وبعد،

نحن مجموعة من الديبلوماسيين التونسيين العاملين بوزارة الشؤون الخارجية نكتب لكم هذه الرسالة للإصداع بجملة من الحقائق المزعجة المتعلقة بالتعيينات التي تمت مؤخرا لعدد كبير من رؤساء البعثات الديبلوماسية والقنصلية الجدد لتونس بالخارج والتي بإمكانكم التثبت من صحتها بوسائلكم الخاصة إن رغبتم في ذلك.

تعتبر الحركة التي جرت حديثا ذات أهمية بالغة نظرا لعدة اعتبارات أبرزها الظرف الخاص والتاريخي الذي تعيشه تونس حاليا بعد ثورة 14 جانفي وما يمكن أن تشكله هذه التسميات من مقياس لمدى جدية الرغبة في القطع مع الأساليب البالية التي كانت سائدة في ظل النظام السابق في اختيار ممثلي تونس لدى البلدان الأجنبية.

وإذ تلقى موظفو وزارة الشؤون الخارجية بارتياح الحرص على إعادة الاعتبار للكفاءات التي تزخر بها الوزارة من خلال التعويل شبه التام في التعيينات على أبناء السلك الديبلوماسي خلال حركة السفراء والقناصل العامين والقناصل، فإنه يسود جو من القلق والتململ الواسع داخل الوزارة حاليا إزاء الطريقة التي تمت بها هذه التعيينات والمعايير المعتمدة في هذا الصدد والتي لا تختلف عما كان جار به العمل قبل ثورة 14 جانفي، بل لربما تعتبر أسوأ من سابقاتها. فقد جرت المشاورات الخاصة بالتسميات في كنف الانعدام التام للشفافية وفي تكريس مطلق لنفس الممارسات السابقة في المحسوبية والمحاباة والكيل بمكيالين وعدم الأخذ بمقياس الكفاءة في المقام الأول. والأدهى والأمر في هذا الشأن هو كيفية تشكيل اللجنة الساهرة على النظر في ملفات المرشحين والتي كانت بعيدة كل البعد عن المصداقية والديمقراطية والرغبة في الإنصاف، حيث أنه من أبجديات المهنية والعدل والنزاهة أن تتشكل هذه النوعية من اللجان عادة من أعضاء يكونون غير معنيين بالتسميات قصد احترام مبدأ الحيادية والشفافية، إلا أن العكس هو الذي جرى حيث أن أغلبية أعضاء اللجنة كانوا هم أنفسهم من الأشخاص الذين شملتهم التعيينات مما حدا بكثير من الديبلوماسيين إلى التعليق بتهكم بأن المسألة كانت بمثابة تقسيم تركة أو غنائم حرب بين أطراف كانت الخصم والحكم في نفس الوقت.

ومما يدعو للاستغراب أيضا أن تتضمن القائمة مجموعة من الموظفين الذين عرفوا بدفاعهم المستميت عن النظام البائد واستفادتهم منه وانخراطهم في ممارساته الدنيئة عوض أن تعطى الأولوية للإطارات الأكثر مصداقية ونزاهة. كما أن بعضا ممن شملتهم التسميات، وإن كانوا ينتمون لوزارة الشؤون الخارجية، فإنهم لا يمتون بصلة للعمل الديبلوماسي والقنصلي نظرا لأن مهامهم كانت إدارية ومالية بحتة ولا تخولهم الرصيد المهني اللازم لتمثيل تونس كأحسن ما يكون في الخارج.

وإضافة إلى ذلك، فإن الأغلبية ممن شملتهم الحركة هم من المتقدمون في السن والقريبون من السن القانونية للتقاعد، عوض إعطاء الفرصة للكفاءات الشابة التي تزخر بها الوزارة والتي تنتظر بشغف وحماس فرصتها في أن تحظى بشرف تجسيم صورة تونس الجديدة والناصعة على المستوى الدولي. والأخطر من ذلك هوالمساعي المحمومة التي يقوم بها المستفيدون من أجل إدخال تعديل على النظام الأساسي للسلك الديبلوماسي بإضافة بند جديد ينص على تمديد السن القانونية للتقاعد بالنسبة لرؤساء البعثات الديبلوماسية والقنصلية لتونس بالخارج إلى ما قد يصل لخمسة وستين سنة حتى يتسنى لهم إدامة تعيينهم إلى أقصى حد ممكن بعد تجاوز السن القانونية للتقاعد والمتمثلة في ستين سنة وهو ما يمكن أن يعلق عليه بشكل ساخر برغبة هؤلاء في تأمين فترة تقاعد زاهية ومريحة لهم في المستقبل. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن اللجنة المكلفة بمراجعة النظام الأساسي للسلك الديبلوماسي تعمل هي أيضا في كنف السرية التامة وفي مناخ من الغموض بعيدا عن الشفافية مما يزيد في حدة الشكوك افي وجود مخطط ا يطبخ حاليا على نار هادئة لتمكين هؤلاء من تحقيق ضالتهم في الإبقاء على مدة بقائهم بالخارج لفترة أطول. هذا التصرف يعتبر استفزازا كبيرا لبقية الإطارات السامية بالوزارة، فضلا عن أنه من الإجحاف تعيين إطار كسفير أو قنصل عام أو قنصل وهو الذي لا تفصله عن سن التقاعد سوى سنة أو سنتين وحتى بضعة أشهر فيما يستثنى منه من بلغ مؤخرا بالكاد سن التقاعد القانونية والحال أن الفارق في السن يعتبر ضئيلا جدا بين الطرفين.

كما أنه من المفروض أن يكون لتونس الثورة، حتى في ظل هذه المرحلة الانتقالية، توجه منسجم للسياسة الخارجية يعبر عن توجهات معينة للبلاد في علاقاتها مع الخارج، إلا أنه يستشف للأسف الشديد من حركة التعيينات الأخيرة أنها لم تراع في مجملها هذا المبدأ حيث أن التسميات لم تخضع لهذا المقياس ولا لمعيار الكفاءة أيضا، بل هي تعطي الانطباع وكأنها حيكت على مقاس أشخاص معينين ونافذين أمكن لهم بحكم قربهم من أصحاب القرار في الوزارة الاستئثار بأماكن التعيين التي تروق لهم دون مراعاة لمتطلبات المرحلة وخصوصيات بلد الاعتماد ولا لما يجب أن تتوفر في السيرة الذاتية للشخص المعين من مؤهلات تسمح له بالقيام بواجبه على أحسن ما يرام من خلال تطابقها مع مقتضيات العمل الديبلوماسي في بلد التعيين.

وإذ بارك الديبلوماسيون إشراك المرأة في التعيينات على رأس البعثات القنصلية والديبلوماسية بالخارج، فإن ذلك أيضا لم يخل من بعض الشوائب والتي من بينها تغييب مقياس الكفاءة والخبرة المهنية كشرطين أولين للتعيين في كثير من الأحيان.

وتقوم ثلة من الديبلوماسيين المستائين من هذه الوضعية حاليا، وبمساندة من النقابة المشكلة حديثا والتي تضطلع بدور هام في إبلاغ تطلعات العاملين بالوزارة لأصحاب القرار، ببعض التحركات الرامية إلى إبلاغ عدم رضاها للمسؤولين ومحاولة تدارك النقائص والهنات العديدة المسجلة في قائمة التعيينات. والرجاء في أن تأخذ ملاحظاتهم بعين الاعتبار حتى يقع تدارك الإخلالات المسجلة وتكون النسخة النهائية لحركة التسميات مستجيبة لتطلعات أغلبية إطارات الوزارة.

وإضافة للمشاغل المعبر عنها ذات الطابع الداخلي، فإن العديد من أبناء الوزارة تنتابهم الحيرة إزاء التجاوزات المذكورة إذا ما أخذت في السياق العام للبلاد وما تطرحه من تساؤلات عن مدى توفر التوجه والرغبة الحقيقيتان في تجاوز مخلفات الماضي والبدء بالفعل في صفحة جديدة في واحد من الميادين السيادية الحساسة للبلاد وهو الحقل الديبلوماسي الذي عانى الأمرين من سياسة التهميش وهضم الحقوق إبان العهد البائد، سيما وأن تونس تعول كثيرا على السياسة الخارجية حتى تساهم في النقلة النوعية المنشودة التي يرنو إليها كل التونسيين في النهوض بصورة البلاد في الخارج وخدمة مصالحها الحيوية.

عاشت تونس حرة أبية أبد الدهر وعاش ديبلوماسيوها ذخرا لهذا الوطن العزيز والرحمة لشهدائنا الأبرار .

مجموعة من الديبلوماسيين