By Achraf Chouchane

،

مثلما يتم القبض على قيادات فكرية أو سياسية في بلاد كثيرة دون جرم وبشكل استباقي كذلك يتم وأد بعض الأفكار وأدا احتياطيا، أو قتلها دون رحمة برصاص الاتهام والتخوين والتكفير كي لا تلقى أذنا واعية أو يسمع بها عقل رشيد…

قسم العلوم السياسية في أحد أعرق الجامعات العربية ليس فيه أستاذ واحد يعرف العبرية (لغة العدوّ الإستراتيجي)، أو الصينية أو الإسبانية أو غيرها من اللغات التي تفتح على حضارات ونماذج تنمية بديلة.

هناك ثلاث نماذج إسلامية خارج بلاد العرب هي ماليزيا وإيران وتركيا، وهناك نماذج أميركا اللاتينية المهمّة جدّا من الناحية التنموية وعلاقة الدين بالمجتمع وإنتاج فكر يساري خاص بها، من مدرسة التبعية إلى لاهوت التحرير… ونموذج الصين الذي لا يمكن تجاهله في رؤى وتجارب التنمية والتي مازالت تتمسك بمنظومتها الثورية على رغم التحول لاقتصاد السوق، وفي كلّ هذه النماذج هناك قيادة حاسمة وفاعلة وعلمية، تضمن ديمقراطية توافقية والسلام الاجتماعي والسياسي، وضعت بذكاء مشاريع التنمية في سياقها الإقليمي والعالمي، والقيادة في هذه النماذج ليست بالمعنى القبلي العشائري الذي اعتدناه في بلادنا، عشيرة الدم أو عشيرة الحزب أو عشيرة نخبة النهب والفساد، ونرى في كل هذه النماذج مجتمع مدني قوي بشكل لافت، حتى في الحالة الصينية، وفي كل هذه الحالات قضايا النهضة لم تك مسألة فكرية أو مشاحنات عقائدية حول العلاقة بين الأنا والآخر وقضايا التغريب، بل صنعت أدوات فقه الأولويات ونظرية المصلحة والنظر لخريطة العالم بشكل مركب ولخيارات التنمية بأبعادها المتنوعة والمتشابكة في الواقع المعاصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مع توفير الإمكانيات العلمية والمالية والبشرية للمجال العسكري وللتطوير الذاتي للقدرات في مجال العلوم والتكنولوجيا.

مع تنامي عولمة الرأسمالية وهيمنة الرؤى الليبرالية الجديدة لم يعد يشغل الفكر المعاصر السؤال البسيط، مواطنة أم لا مواطنة، حداثة أم سلفية ؟ بل أيّ مواطنة ؟ هذا هو سؤال مرحلتنا التاريخية حسب واقعنا الذي نعيش وإنسانيتنا : مواطنة تنويرية تحترم المواطن الفرد وتؤسس لمجتمع يتجاوز قوى الطبيعة والحظ ويبني إنسانية الإنسان على مفهومي الرحمة والتعاون، أم مواطنة رأسمالية مدينية حداثوية ؟ مواطنة ديمقراطية مركّبة عادلة اجتماعيا وثقافيا أم مواطنة قانونية شكلية لا تحضر إلاّ وقت الحملة الانتخابية ؟ مواطنة تحترم الميزان بين الحرية والعدل الاجتماعي، بين المساواة وحرمة الجسد، بين الحق والواجب، أم مواطنة تختزل القيم السياسية في حرية الجسد وتفكيك المجتمع لصالح الربح المالي، وإعلاء سياسات الاستهلاك على حساب الجسد السياسي والخير العام والقيمة الإنسانية ؟ مواطنة في أي هندسة للمدينة ؟ مواطنة في مدينة اجتماعية ذات هوية ثقافية ومسافات إنسانية، أم مواطنة المدن الرأسمالية السرطانية المعادية للمجتمع والقائمة على حسابات الاقتصاد وتدويل الربح المالي قبل حساب إنسانية الإنسان والجماعة والثقافة ؟ مواطنة التدافع نحو النفع العام والعمران في الأرض أم المواطنة الافتراضية في واقع الشاشات وهيمنة الرأسمال الهلامي والمتعدد الجنسية ؟

لا نثق في الهيئات العليا التي لا تسمع أصلا، وإذا سمعت لا تنصت، وإذا أنصتت لا تفهم، وإذا فهمت أنكرت وقررت ما أعدّته بليل، ولا نؤمن بمسخ جديد لفرعون الذي استخفّ قومه فأطاعوه فنالهم العنت والهوان، ولن نقبل بعد الثورة بمعادلة الترهيب والترغيب لا في السياسة ولا في الاجتماع، ولن نسمح بتفريغ النخب وسحق المعارضة والقضاء على رجال ونساء الحق والكرامة أو تهجير الشباب ونفيه نحو الخارج أو نحو القاع، ولا يمكننا مجاملة أحد على حساب مستقبل الوطن ومصالح المجتمع الأهلي العليا.

لا بدّ من تجاوز مشاكساتنا الفرعية التي تعوق نهضتنا ونَنفر للتفكر في العالم، كيف نُصلح واقعنا ونتعلم في نفس الوقت من خبرات المجتمعات الأخرى، وكيف نحمل رؤيتنا للعالم فيكون عندنا ما نقدم له عبر الاختلاف والتنوع. الانغلاق على الذات سهل، لكن الوعي بثقل أمانة الاستخلاف والسير بها لأقصى أطراف العالم مهمة عسيرة لا يقدر عليها إلا من يحملون القرآن على بصيرة ويرفضون القعود خاصة في زمن التبست فيه الأمور… أن نسير وننظر ونتفكر أمرٌ إلهيّ نسيناه.

فوائض الثروة والقوة والوهم، فائض الوهم السياسي، الذي تملؤه السلطة بالأكاذيب ويملؤه أعوانها ومرتزقتها بالخوف والتنكيل، وقد يملؤه تجار الدين بفتاوى، أو يملؤه القاعدون بالجبن والصمت والخنوع. فائض القيمة أي المسافة التي تخلقها الرأسمالية بين العامل وأجره الذي يستولي صاحب رأس المال على معظمه. فائض القوّة للشركات المتعددة الجنسية والعسكريتاريا الغربية وفرض الهيمنة على العالم. المعركة الأساسية، بهدف استعادة الإنسانية التي افتقدناها، تدور رحاها حول فائض الوهم وفائض القيمة وفائض القوة… (أنظر للفائدة مقترحات د. هبة رؤوف حول التيار الرئيسي، ومقال د. عزمي بشارة، أفكار ميثاقية لأيّ ثورة عربية ديمقراطية).

الحرية مركزية في الإسلام، تتأسس على وعي قوي، وتربية وتزكية طويلة، وجدل مجتمعي مفتوح، واستعادة الحوار الحر بشأن قواعد السلوك والخصوصية، واليوم التبس الأمر على الناس وقلّ العلم وانتشر الجهل والترهات، وساد الغلوّ والتشدد فصدّ الناس عن سبيل الله، وهو أخطر على هذا الدين من تحلّل يدرك الناس فساده، لكن ترويعهم بمقارع الغلظة سيدفعهم للخروج إلى أي مساحة للتنفس ولو في باطل. ولا تبديل لسنّة الله : الرحمة هي الأساس والإحسان هو السبيل. الآية الكريمة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) توضح لنا أن الحكمة تسبق الموعظة، وأن الإحسان شرط الجدل، وأن الله أعلم بالعباد.

الديمقراطية هي المجال العام الذي يحتفي بالأسئلة والمراجعات، والاستجابة للقضايا الأكثر إلحاحا وجدوى، وتقريب المسافات وتجسير الفجوات بين قطاعات النخبة وبين هذه الأخيرة والمجتمع الأهلي. والحق أننا نحتاج تشجيع القيادات الفكرية والسياسية ودفعها لكي تتجول وتشارك وتتحدث، وتجديد الزخم الذي شهدناه في السبعينيات والثمانينيات حين دارت نزاعات مثمرة بين القوى العلمانية والقوى الإسلامية وبين الليبراليين وغيرهم، ونحتاج ثورة فكرية لنخرج من حالة الاستقطاب حول النيّات والهوس بالشعارات الرّخوة… فلا أحد يدرك الواقع أو يصل للحقيقة وحده، ولعلّه من المفيد التذكير بأنّ المجتمع الأهلي في حاجة للجميع، ومعارك الشاشات قد تخفي أنّ الآخر إنسان.

كيف نجدّد أفق المعنى ؟ كيف نعيد بناء ما تهدّم ؟ كيف نغرس جذورا للحريات في أرضنا لتنمو وتزهر ؟ كيف نحمي النور المقدّس لانتفاضة المواطن الفاعل لكي لا يخبو مرة أخرى في “الأغلبية الصامتة” ؟