بعد تعذّر معرفة تاريخ الانتخابات التي قد تتأجّل في رحلة مع الفصول صيفا و خريفا و شتاء، زفّت لنا وزارة الثقافة البشرى بأنّ المهرجانات الصيفيّة ستحلّ في موعدها.
و ما العيب في ذلك و نحن شعب يحبّ الرقص بطبعه و قد أنهكتنا الثورة التي أخذت حظّها من الاهتمام و آن لنا أن نشتغل بما هو أهمّ منها.

أرجو أن لا يسيء الفنانون الكبار و الصغار فهمي فأنا أتمنّى مثلهم أن تعود جميع الأوضاع إلى طبيعتها و جميع القطاعات إلى سالف نشاطها بما يحدث الحراك الاقتصاديّ المفيد لنا جميعا. و لكنْ هل يمكن أن تكون المهرجانات شأنا عاجلا للشعب التونسيّ و هل سيجد للرقص و الغناء طعما قبل أن يطمئنّ على مستقبله.
الصيف للمهرجانات ، لعلّ في ذلك حكمة بليغة، و لكن متى ستكون الانتخابات؟ سؤال نوجّهه ابتداء إلى الحكومة و وزرائها المحترمين. فقد تشكّلت أو شُكّلت على حدّ علمنا لتصريف العاجل من الأعمال و التركيز على سبل المساعدة لإنجاح الانتقال الديمقراطيّ، و يحقّ لنا أن نستغرب حين نراها مهتمّة بالآجل من المسائل و القضايا.
فأيّهما أكثر ضرورة للوطن اليوم: الإعداد للانتخابات أم الإعداد للمهرجانات؟

أليس غريبا أن يُدعى الفنانون إلى تقديم ملفّاتهم قبل موفّى شهر جوان لضمان مشاركتهم في شتّى المهرجانات الدوليّة و المحلّيّة ، بينما لم نسمع دعوة تشبهها لتقديم الترشّحات و تنظيم الحملات الانتحابيّة وتوفير جميع الظروف لإنجاح ما نريده موعدا تاريخيّا مع أوّل انتخابات ديمقراطيّة شفّافة بمراقبة دوليّة و محلّيّة. أكاد أجزم أنّ أكثر التونسيّين في انتظار معرفة أصوات الناخبين قبل أصوات المغنّين. فلماذا أصبح هذا الموعد المنشود لغزا موكولا إلى هيأة عليا انتخبتها هيأة أخرى لم ينتخبها أحد.

وأمام حيرتنا بين هذه الهيئات و التهيّؤات سنحتاج ربّما إلى تنبّؤات تجيب عن أسئلتنا.
لذلك، و في انتظار ما سيفسر عنه موسم الرقص و جهد الراقصين و المنظّمين و المتعهّدين الذين نفتقر إليهم في مجال السياسة، و لأنّني أخشى أن تبقى أسئلتي دون أجوبة شافية، سأغامر بتقديم مقترح قد يخرجنا من هذا المأزق و هو أن تكون مهرجانات هذا الصيف سياسيّة لا غنائيّة تقدّم فيها جميع الأحزاب – الكبيرة المحترفة و الصغيرة الهاوية – مواهبها و برامجها للجماهير الغفيرة التي ستغصّ بها مسارح الهواء الطلق دون سواها، فقد سئمنا المسارح السياسيّة المغلقة و لم نعد نطيق إطفاء الأضواء و ترتيب الأمور خلف الستار أو في غرفة الكواليس المظلمة. ليس بإمكاننا بعد الثورة أن نتحمّل المزيد من الاختناق السياسيّ، فنحن أحوج إلى أن نتنفّس هواء نقيّا قوامه الحرّية و الكرامة و الديمقراطيّة.

أمّا الرقص و الغناء فما أكثر المواعيد التي حفلت بها في الماضي و ستحفل بها في المستقبل!