كانت مدينة المتلوي بالجنوب التونسي (ولاية قفصة) مرة أخرى مسرحا لانفلات أمني خطير وصف بأنه أعمال عنف عروشيّة و قبلية. بعد أن تناقلت صفحات الفايسبوك بعض الفيديوهات التي تعرض مشاهد لم يعتد عليها التونسيون لأعمال قتل على الهوية صدمنا جميعا بوقائع تنكيل و تمثيل بالجثث أعادت للذاكرة أحداث البوسنة و الهرسك لبشاعتها. 

بين الصّدمة و موجات التّنديد ضاع أهم سؤال: من المسؤول (أو المسؤولون)؟ توقّعنا بيانات شديدة اللّهجة من الأحزاب… لم تأت. توقّعنا تصرّفا حازما منذ البداية من طرف الحكومة و السّلط الأمنيّة… لم يحدث. توقّعنا تغطية اعلاميّة على قدر هول الأحداث و .خطورتها… لم تحصل.

ما أتانا و ما عاينّاه هو التعاليق التقليديّة عن الهمجيّة المزعومة لعروش المتلوّي. ما حدث هو ذهول عام لم يتجاوز الذّهول الى التحليل. ما حصل هو تساؤل ليس في محلّه عن أهليّتنا و أحقيّتنا بالثّورة و الحريّة.

وصل الى نواة شريطا فيديو يصوّران بعضا من وقائع المتلوي!
الفيديو الأوّل يصوّر أعمال عنف و شغب و اتلاف ممتلكات بحضور عناصر من وحدات التدخّل و الحرس الوطني و الجيش. الفيديو يظهر عدم تدخّل عناصر الأمن و الجيش في تقاعس يرقى الى درجة التواطئ بل و نلاحظ وجود عناصر مدنيّة (مواطنون) مسلّحة بصحبة عناصر الأمن. و في المقابل يتم استهداف حي سكني (حي السوافة وهو حي يقطنه أغلبيّة من عرش الجريديّة ) بالغاز المسيل للدموع في حين أنّه ما من داع لذلك فكل السكّان لجؤوا لمنازلهم و في نفس الوقت يتجاهل عناصر الأمن أحداث الشغب و النّهب الحاصلة من الجهة الأخرى. حسب المصادر التي تلقّينا منها الشّريط هذا الفيديو ليوم السّبت 4 جوان صباحا و قبل وصول التّعزيزات من العاصمة, علما و أنّ التعزيزات و حسب نفس المصادر هيّ مبادرة فرديّة من ضابط تأثّر بفظاعة ما كان جاريا في المتلوّي

الفيديو الثاني يصوّر عمليّة قتل شنيع لمواطن مع عدم تدخّل عناصر الجيش و الشرطة المتواجدين على عين المكان و الشاهدين على الحادثة .

الحكم على الشيء فرع من تصوّره لذا وجب فهم حقيقة ما حصل في المتلوّي اذا أردنا لبلدنا أن يتجاوز خطر تداعيات مثل هاته الأحداث. لن نتمكّن من الوصول بمرحلتنا الانتقاليّة الى بر الأمان ما لم نتعلّم طرح الأسئلة الصّحيحة ووضع الجميع (بدون استثناء) أمام مسؤولياتهم.

انّنا لم و لن نبرّر استباحة الدم التونسي و نعتبر الفظاعات التي أرتكبت جرائما لا تغتفر وجب محاسبة مرتكبيها ولكنّنا لا نتكتفي بذلك و نتجاوزه للتّنديد بأي طرف تقاعس في واجبه الأخلاقي و القانوني و الوطني لمنع حصول ما حدث و نطرح تساؤلا حول الأطراف الخفيّة و الظّاهرة التي قد تكون ظالعة في أحداث المتلوي.

في دولة مدنيّة ذات هيبة فعليّة، الاطار الايديولوجي أو الجهوي أو الطّائفي أو القبلي لأي عنف لا يهوّن من طابعه الاجرامي. في دولة مدنيّة ذات هيبة فعليّة، الحساسيّة الايديولوجيّة أو الطائفيّة أو القبليّة لأيّ فوضى لا تتبرّر وقوف مؤسّسات الدّولة ساكنة دون حراك.
في دولة مدنيّة ذات هيبة فعليّة، العنف الذي لا داعي له مثل ذلك الذي راح ضحيّته متظاهرون سلميّون (أحداث 6 ماي 2011) جريمة، التغاضي على العنف كما حصل في المتلوّي جريمة!

ولنا أن نطرح سؤالا تفرضه المعادلات الحاليّة: هل يحصل التفريط ليستعمل كتعلّة للافراط؟؟

فريق نواة