في تونس تتسارع وتيرة الأحداث منذ خروج الطاغية و تتداخل، و هذا شيء جميل و إن كان لا يخلو من بعض القبح، و أجمل ما فيه أنّه تعبير مفاجئ عن الحريّة قولا و فعلا بعد أن كان كلّ ما يحدث في الماضي القريب متوقّعا و معروفا ومفروغا منه باعتباره يصبّ في مصلحة بن علي و لا يذكر من الأعمال إلاّ صنيعه و لا يزكّى من الأفعال إلاّ ما يعلي من شأنه و من شأن عائلته الموسّعة حتّى و لو كان ذلك على حساب الوطن و اقتصاده و تقدّمه و سمعته.

لكنّ الغليان الذي يحدث الآن من حولنا و إن دلّ بشكل عامّ على نعمة الحرّيّة التي كنّا نتعطّش لها و لم نستطع التمتّع بها كما نفعل اليوم، فإنّه يعكس في الآن نفسه صورة قاتمة و مفاهيم مشوّهة سنحاول بمنطق العقل، قراءتها بتريّث للوقوف على الأسباب التي أدّت إليها.

و القضيّة التي نريد الخوض فيها قراءة و تحليلا و علاجا تهمّ التداخل الذي بات يرافق المشهد التونسيّ بين ما هو فنّي و ما هو دينيّ و ما هو سياسيّ و ما يثيره من جدل و تصادم. و سنعتمد في رصدنا لهذا المبحث على عدد من الأمثلة حتّى لا يكون حديثنا من قبيل التنظير المتعالي عن شؤون الناس:

المثال الأوّل: مغنّي الراب بسيكو أم.
المثال الثاني: المنصف الوهايبي و قصيدته و مسّها بالمقدّس.
المثال الثالث: نادية الفاني و شريطها الوثائقي.

و تذكيرا بالمثال الأوّل، اتهم المخرج التونسي النوري بوزيد، مغنيَ الراب محمد الجندوبي المعروف بكنية “بسيكو آم” بالتحريض على قتله خلال غنائه في تظاهرة ثقافية لحركة النهضة. و قال إن الفنان ردّد أغنية تحمل كثيرًا من الإساءة له ولفنّه، وتدعو إلى قتله بكلاشنكوف ما جعل الحاضرين يهتفون “الله أكبر “. وطالب بوزيد حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، باتخاذ موقف صريح وتقديم الاعتذار إلى الفنانين والمبدعين التونسيين.

المثال الثاني لا يختلف عن الأوّل بل يتشابه معه بشكل تامّ: و الفنّان الذي أثار الجدل هذه المرّة هو الشاعر المعروف المنصف الوهايبي الذي أثّث تظاهرة ثقافيّة لحزب التجديد بقصيدته تمرين على كتابة يوم الجمعة 14 جانفي 2011،
و التي وجّه فيها الحمد و الشكر للشمس بعد أن أمر بإسكات كلّ شيء و نهى عن رفع الأذان و عن الصلاة و عن قراءة الفاتحة في تلك الجمعة التي خرج فيها الطاغية. و كانت تلك الصور المجازيّة كافية لاستفزاز مجموعات عبّرت عن اشمئزازها ممّا قاله الشاعر و قادت حملة ضدّه على صفحات الفايسبوك قبل أن يطفئ الحوار “التوضيحيّ ” الذي خصّ به جريدة الفجر لهيب الغضب الذي أحاط به شاعرا و عضوا ناشطا في حزب التجديد.

المثال الثالث و هو الأخطر على خلفيّة العنف الماديّ الذي انجرّ عنه أو رُتّب له، يتّصل بالعمل السينمائي للمخرجة نادية الفاني التي نجحت في استفزاز شريحة أكبر من المجتمع التونسيّ و هي تذكّرنا بصاحب فيلم – فتنة- الهولندي “جيرت فيلدرز” رئيس حزب الحرية اليميني حين نشر عمله على الانترنت و حاول أن يثبت من خلاله أنّ الإسلام دين يدعو إلى العنف و الكراهية. و قد أثار الفيلم موجة عارمة من الغضب في العالم الإسلامي و عارضه حتّى رئيس الوزراء الهولندي قائلا: ” أعتقد أنه (الفيلم) لا يخدم أيّ هدف ما عدا الإساءة “.

و من هذا التصريح نلتقط تحديدا كلمة ” إساءة” لنمرّ من مرحلة استعراض الأمثلة إلى محاولة فهم الأسباب التي تجعل عملا فنّيّا يؤدّي إلى الغضب بمختلف تعبيراته بداية من مجرّد الامتعاض و وصولا إلى العنف اللفظيّ أو الجسديّ.

إنّ الإساءة أو ما يماثلها من اعتداء هي بالفعل السبب الرئيسيّ لذلك، و الإساءة لا يقبلها أحد، لا المواطن العاديّ و لا الفنّان و لا رجل السياسة و لا رجل الدين…

رفضها الفنّان النوري بوزيد في تصريحه المذكور و هدّد برفع شكواه إلى القضاء، و فعل ذلك الصحفي محمّد كريشان الذي أنصفه القاضي بعد الثورة و انتقم له من الشخص الذي كان يتحامل عليه قبلها (عبد العزيز الجريدي) فحكمت بسجنه و تغريمه. و في نفس السياق انتصر القضاء الإيطالي للسيّد راشد الغنوشي من الإساءة التي وردت في كتاب نشره أحد النوّاب هناك و اتّهمه فيه بالتشدّد و بثّ الكره العنصريّ دون إثباتات…

لا أحد يقبل الإساءة، و لكنْ، هل سيذهب الجميع إلى القضاء؟ بالتأكيد لا! و الأفضل ربّما هو تجنّبه قدر المستطاع، فليس القضاء خيارا مناسبا أو كافيا لحلّ كلّ خلافاتنا، بل قد يكون سببا لتعقيدها. إنّها ورطة أخرى يجدر الابتعاد عنها و عن سببها الرئيسيّ: الإساءة المجانيّة (أي بدون دليل) للأشخاص الماديّين أو المعنويّين، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالارتقاء بخطابنا إلى مراتب النضج و المسؤوليّة. لا نقصد تكميم الأفواه كما كان يراد بهذا الشعار، و لكنّنا ندعو إلى نقد بنّاء يكشف الأخطاء و التجاوزات إن وجدت و يُدعم بالوثائق ليختلف بذلك عن شبهة الإساءة و الاعتداء المجانيّ.

السبب الثاني الذي قد يساهم في إثارة تلك التعبيرات الغاضبة هو التداخل بين الفنّي و السياسيّ، و قد عبّر الفنّان النوري بوزيد عن ذلك المعنى في تصريحه السابق حين أضاف: “لو كان ما بادر به المغني المعروف بـ”بسيكو – آم” متعلقًا بموقفه الشخصي فحسب لما اهتممت بالمسألة، لكن الغطاء السياسي المنظم لسلوكياته أرعبني”.
و إذا صحّ هذا الرأي و ما فيه من رعب، فإنّ شعورا من جنسه ينطبق ربّما على قصيدة الوهايبي التي أُلقيت في احتفال لحزب التجديد و هو غطاء سياسيّ أيضا مع العلم أنّ الوهايبي ألقى نفس القصيدة في المسرح البلدي في احتفال نظّمته الإذاعة الثقافيّة و لكنّه لم يثر ردود أفعال تذكر، و هذا يؤكّد الفرق بين جمهورين أحدهما جاء للثقافة و الآخر جاء للسياسة، لنقول في الخلاصة إنّ السياسة أو الفنّ أحدهما قد يسيء للآخر فينتج المزيد من الإساءات و قد يكون الأفضل للفنّان أن يسمو بفنّه و مقاله إلى المقام الذي يناسبه فينأى به عن متاهات السياسة و حساسيّة جمهورها.

السبب الثالث و الأخير هو التداخل بين الدينيّ و الفنيّ لغرض الاعتداء على معتقد أو مقدّس أو مجموعة من الناس يجمعها ذلك المعتقد، و قد أثبتت الأحداث في الماضي القريب خطورة النتائج التي قد تثيرها تلك الأعمال “الفنّيّة” من أنواع الفتن و أعمال العنف و مظاهر التشنّج التي تتجاوز في أحيان كثيرة البعد المحليّ إلى البعد الإقليميّ و العالميّ بحسب ما لذلك المقدّس من انتشار في الأرض شرقا و غربا. و لعلّ مثال الرسوم المسيئة للرسول محمّد، صلّى الله عليه و سلّم، يختزل ذلك المشهد بما يغني عن أمثلة أخرى. و ما قدّمته الفاني تحت غطاء الفنّ، استفزّ المؤمنين في تونس من شمالها إلى جنوبها فخرج الناس يعبّرون عن غضبهم، و مازالت ردود الأفعال تتوالى، و ينتظر أن يكون للقضاء رأي بعد أن رفعت إليه شكوى عاجلة.

و عليه، لا يمكن لنا أن نواجه تلك التداعيات متجاهلين أسبابها الحقيقيّة، فالذين يعلون شعار”ارفع يديك على مبدعينا” لهم كلّ الحقّ و لكن عليهم كلّ الواجب في رفع أيديهم عن تناول المقدّسات بطرق لا تخلو من استفزاز و إساءة و اعتداء.

و حريّة التعبير تبقى مكفولة للجميع، و لكنّ الحريّة هي مسؤوليّة قبل كلّ شيء. و عليه فكلّ من يمارسها كتابة أو تمثيلا أو رسما …، لا بدّ أن يراعي في قوله و عمله حقوق الآخرين ممّن يسمعونه أو يقرؤون له أو يشاهدون أعماله الفنّيّة، فلا يسيء إليهم و لا يخدش كرامتهم و لا يتطاول على أفكارهم و معتقداتهم بشتّى النعوت القبيحة أو التهم الجائرة.

يستطيع طبعا أن يختلف معهم و أن يعبّر عن ذلك بحريّة و لكن بذكاء لينأى بنفسه و بفنّه عن المهاترات المجانيّة التي لا ينخرط فيها إلاّ ذوو المستويات الثقافيّة المحدودة.

و عموما، قد لا نرى مانعا من تداخل الفنيّ مع الدينيّ و مع السياسيّ لأنّ الإنسان هو محورها و هو الذي يمارس تلك الأنشطة مجتمعة أو متفرّقة حسب هواه أو حسب هويّته فقد يكون الناشط السياسيّ فنّانا أيضا و قد يكون المتكلّم بالخطاب الدينيّ غير بعيد عن الشأن السياسيّ. كلّ ذلك يبقى مقبولا ما دام يخضع للقوانين التي تنظّمه و تضبط حدوده بما يحدّد مسؤوليّة الجميع أمام الجميع.

إنّها ببساطة شكشوكة تونسيّة، و هي الطبق الأكثر عرضا و رواجا هذه الأيّام، تقدّم حارّة أحيانا فتحمرّ لها الوجوه و تسبّب المغص لبعضنا، و الأفضل أن لا تكون كذلك دائما فنحن نريدها لذيذة غير ضارّة حتّى لا ينفر منها النّاس و يضطرّوا للبحث عن أطباق أخرى.