بقلم صلاح المصري

سيدي بوزيد هي الولاية التي اندلعت منها شرارة الثورة التونسية ذات يوم (17/12/2011) واستمرت بها انتفاضة عفوية عظيمة لمدة 20 يوما تقريبا وقدمت الشهداء من مختلف مدنها المحرومة (منزل بوزيان، الرقاب، المكناسي وسيدي بوزيد المدينة …) وخاضت مواجهات دامية مع آلة القمع. وطيلة هذه الانتفاضة لم تكن العريضة قد ولدت ولم يكن لقناة المستقلة أي حضور بل كان باعثها يشتغل على الخط الآخر حيث يخصص المساحة الكبيرة لأمين عام التجمع “محمد الغرياني” …
فكيف استطاع بعد 10 أشهر تقريبا أن تكون عريضته الشعبية هي القائمة التي تكتسح مدن الانتفاضة الشعبية؟ وتطرح بذلك أسئلة كبيرة على الملاحظين والباحثين.
للإجابة على هذا السؤال الذي يتردد في حديث الكثيرين أقدم هذه المقاربة التي تحاول الجمع بين عوامل كثيرة تراكمت لتفاجئ التونسيين:
أولا: إن فارقا أساسيا لا بد من النص عليه بين مرحلة زمن الانتفاضة وزمن الانتخابات. بين مرحلة ما قبل الثورة وما بعدها. فما جمع صناع الانتفاضة غير كاف مطلقا ليجمعهم في مرحلة ما بعد الثورة وخاصة الانتخابات.
ثانيا: إن عنصر المفاجأة في الثورة التونسية كان عاملا إيجابيا لصالحها من جهة قدرتها على إسقاط الطاغية وكان عاملا سلبيا لأن قوى الثورة عاشت لحظات إرباك كبيرة بعد 14 جانفي.
ثالثا: إن فراغا كبيرا تركه حل التجمع الدستوري الديمقراطي.. وقد عجزت أغلب الأحزاب السياسية عن بناء تواصل حقيقي مع غالبية المواطنين. على عكس ذلك انفجرت عدة انقسامات وصراعات داخل المشاركين في الانتفاضة.
رابعا: في مارس وأفريل 2011 كنت من الذين اقترحوا على نشطاء الثورة تقديم مبادرات شعبية تحقق منافع واضحة للفلاحين في سيدي بوزيد .وذلك تواصلا مع حركة الاحتجاجات التي قام بها المناضلون في خريف 2010 .وقد أكدت أن النواة الصلبة للانتفاضة والثورة محدودة العدد وان المهمة التي لا تقبل التأجيل هي العمل الجاد للتواصل مع القاعدة الواسعة من الشعب.
خامسا: إن غياب العقلية الواقعية الثورية التي تقوم بترتيب دقيق للأولويات أدى إلى انشغال مرضي بصراعات لم تكن قادرة على جذب فئة كبيرة من الناس. بل أحدثت نفورا عند الكثير من الشباب الذي شارك بفعالية قبل 14 جانفي في المواجهات الدامية ضد الطاغية. وهذا هو مقتل الحراك الثوري الذي أطلق رصاصة الموت على ذاته. كان سلاح الثوار يطلق إلى الخلف بدل التصويب على العدو.
سادسا: كنا نتقدم نحو الفراغ الذي الذي يخشاه الوجود ولا يقبل به… بينما كان الفارس القادم من وراء البحار يتقدم تدريجيا ليكتسح شرعية الثوار والمناضلين ويبني شرعية جديدة… شرعية الخطاب الواضح والقريب من الناس والذي يقدم برامج سهلة… ويبني شرعية مرتبطة بعلاقة مباشرة بين الزعيم والناس.
سابعا: هذا الزعيم الجديد يوظف فضائية خاصة تدخل إلى كل بيت ويفسح المجال للمواطنين للحديث عبرها في حوارات مطولة على الهواء… واستمر هذا الوضع طيلة شهور عديدة ولا نتصور حزبا توفر على هذه الوسيلة الفعالة في حملته الانتخابية.. وأعطى لنفسه مساحة كبيرة من الوقت.
لقد وظف الزعيم الجديد قناته لتأسيس “حزب” وتكوين قائمات والدعاية لها وتقديم وعود شديدة الوضوح والبساطة للمواطنين.
ثامنا: لا ينكر أحد توظيف السيد الهاشمي الحامدي للمسألة الجهوية في سيدي بوزيد التي اعتمدها قاعدة لانطلاق مشروعه. ثم توسيع دائرة الجهة لتشمل فكرة الداخل مقابل الساحل ودائرة الفئات المهمشة في مقابل الدوائر التقليدية.(البلدية و المثقفين)
وقد حاول إبراز نفسه ضمن صورة التماهي التام مع غالبية الشعب التونسي الفقير ..ان السيد الحامدي و ظف اللهجة و لغة الخطاب و رغبة الشعب التونسي في تغيير عميق يتجاوز أي حدود للعقل و الحساب
تاسعا: هذا الزعيم تجرأ على أن يعد الناس بخطوات عملاقة ..بل بمعجزات اقتصادية و اجتماعية ..و ذهب الى حدود يعجز أي حزب على المغامرة بالحديث فيها .و كان لهذا الاسلوب أثره السحري حيث جلب له السخرية من قبل البعض و جلب له الولاء المطلق من قبل آخرين .
عاشرا :لم ينشغل أحد بتوجيه النقد الى السيد الحامدي و الى مشروعه الوهمي و لم يجتهد احد في كشف ماضيه المتقلب ..فعمل في هدوء و بعيدا عن أي تشويش أو نقد أو مضايقة .
استطاع السيد الحامدي توظيف الحالة الثورية العظيمة التي عاشها الشعب التونسي و التي ارتبطت بالعاطفة الجامحة و خاصة في سيدي بوزيد ليتقن توجيهها و استثمارها لتحقيق مفاجأة كبيرة .
و هكذا بدا للملاحظين أن سيدي بوزيد انتقلت من موقعها الذي أخذته طيلة أيام الانتفاضة و الثورة و فاجأت الجميع مرة ثانية … ..في تصوري أن العكس هو الذي حصل حيث استطاع السيد الحامدي الانتقال من موقع السلطة و الولاء بن علي و زوجته التي وصفها لمرات بالحاجة ليلى .. الى الموقع المتقدم في الثورة و عرض نفسه على انه الفارس القادم من وراء البحار لينجز التحول الاعظم في تاريخ تونس كلها و تمكن من تمرير هذا الانتقال في غفلة من الثوار و في عجز منهم و انشغال و في اطار نقص واضح في الخبرة الميدانية لصناعة رأي عام وطني
…ما ذا بقي ؟
ظاهرة محمد الهاشمي الحامدي تأكيد جديد على عمق الرغبة في تغيير عميق عند اغلب التونسيين يمكن أن يختلط في هذه الرغبة الخيال بالواقع ..و يمكن ان يوظف فيها ما هو حق و ما هو باطل ..