بقلم عماد محنان،

عبارة “ما بعد الثّورة” عبارة يتداولها الإعلام التّونسي بكثرة وترد على ألسنة كثير من المتحزّبين في تونس. ويدور الحديث عن “تونس ما بعد الثّورة” بوصفها تونس الرّاهنة. العبارة مبهمة ولا يضبطها إلاّ تواضع غير دقيق. فلا نكاد بهذا الفهم الغائم نميّز حيّزا زمنيّا للثّورة لكي نعلم متى بدأ زمن “ما بعد الثّورة”. من الواضح أنّ المقصود هو تحقيب اعتباطي يفصل الفترة الممتدّة من 17 ديسمبر 2010 إلى ما بعد 14 جانفي 2011 بشهر واحد أو شهريْن على أقصى تقدير عمّا تلاها. ولكنّنا إذا دقٌّقنا النّظر وجدنا أنّ العبارة تُستعمل دالّة على الفترة التي كان منطلقها تقليد حكومة الباجي قايد السّبسي مقاليد الحكم بصفة مؤقّتة. وإذن تنطبق عبارة “زمن الثّورة” بصفة غير رسميّة وغير دقيقة على ما سبق ذلك ابتداء من 17 ديسمبر 2010. المشكلة التي هي في مركز اهتمامنا ليست متمثّلة في الجانبين التّوثيقي أو التّأريخي، بل إنّ ما يهمّنا هو انطواء هذا التّعبير على تصوّر محدّد لــ”الثّورة”. فبكلّ بداهة عبارة “ما بعد الثّورة” تعني أنّ الثّورة بدأت وانتهت، وصارت من الماضي. وأنا استبعد أن تكون العبارة اُطلقت في البداية عن قصود يتخفّى وراءها إغراق اللاّوعي الجمعي بفكرة نهاية الثّورة أو موتها. بل إنّ التّسمية كانت عفويّة في البداية بدليل أنّ بعض من لا يُشكّ في إخلاصهم للثّورة يستعملون هذه العبارة. لنتذكّر أنّ هذا التّصوّر قد وقع التّشبّع منه وهُضم وصار من أبجديّات الخطاب السّياسي في تونس. آية ذلك أنّه في غمرة أحداث ما عُرف بـ”القصبة 3″ أطلق الشّباب المحتجّ شعارا يؤكّد هذه الحقيقة وهو : “الشّعب يريد الثّورة من جديد”. هذا ما يمكن، بل قل ما يجب أن نسميه أزمة في الوعي الثّوري. وهي أزمة تُستثمر على أوسع نطاق اليوم سعيا إلى مزيد تعميقها لكون ذلك إحدى السّبل السّالكة إلى إنفاذ مخطّطات يصطلح عليها السّياسيّون في تونس بأنّها “التفافيّة”. لنقل إذن إنّ هذه العبارة عفويّة كانت أو مبطّنة بنوايا غير بريئة فهي من سموم الخطابيْن الإعلامي والسّياسي في تونس اليوم.

تصوّرنا الشّخصي للثّورة أنّها : “تجدّد المجتمع ذاتيّا تجدّدا يكون مصدره الرّئيسي الإرادة الذّاتيّة ويمسّ جميع الوظائف الاجتماعيّة ويتّخذ ثلاثة أوجه : الإلغاء والاستحداث والتّعديل.” بحسب هذا التّصوّر لا يمكن أن تكون الثّورة فعلا ناجزا أو كما يقول اللّغويّون “منقضيا” إلاّ في حالتيْن:

ـــــ الفشل المجتمعي في عمليّة التّجدّد لأسباب تتعلّق بالتّناقضات الدّاخليّة أو بالتّدخّلات الخارجيّة

ــــــ النّجاح في عمليّة التّجدّد والبناء والعبور إلى مرحلة جديدة بعيدة زمنيا تتّضح فيها معالم الحاجة إلى ثورة جديدة ويبدأ التّحضير لها ثقافيّا وسياسيّا.

ولمّا لم يكن واقع الحال في تونس إحدى هاتيْن الحالتيْن فليس هنالك من تفسير لتداول عبارة “ما بعد الثّورة” وما في معناها في الخطابيْن الإعلامي والسّياسي في الظّرف السّياسي التّونسي الرّاهن غير التّفسيريْن التّاليين:
ــــــ أن يكون تداول هذه العبارة نابعا من أزمة وعي ثوريّ، بمعنى أنّ استعمالها يعبّر عن تصوّر مستعملها لمفهوم الثّورة بصفته تصوّرا لا يميّز بين الانتفاضة والثّورة ويحصر حيّز الثّورة الزّمني في مرحلة العنف الثّوري أي مرحلة الهدم الممهّدة لمرحلة البناء.

ـــــــ أن يكون تداولها معبّرا عن انخراط المستعمل ضمن برنامج سياسي محدّد يكرّس في الأذهان التّصوّر الأوّل لتماشيه مع مصالحه السّياسيّة مع علمه مسبقا بأنّ الثّورة صيرورة ولا تتوقّف عند حدود مرحلة الانتفاض والاحتجاج والخلع والنّقض وحلّ المؤسٍّسات القديمة، بل تتعدّى كلّ ذلك إلى مرحلة البناء والتّأسيس. وهي مرحلة متطلّباتها كثيرة وحيّزها الزّمني أكبر بكثير من حيّز سابقتها.

يعبّر التّفسير الثّاني عن خلط متعمّد بين الثّورة بوصفها مشروع تجدّد مجتمعي أي بوصفها مسارا ورهانات منسجمة فيما بينها، والانتفاضة بوصفها هبّة شعبيّة رافضة لواقع رديء لتجاوزه دون مناشدة الوصول إلى تحقيق شروط الانقطاع النّهائي عن مولّداته وفق مخطّط مجتمعي منهجي. ولئن كنّا اعتبرنا تداول هذا التّعبير اجتماعيّا عاكسا لأزمة في الوعي الثّوري فإنّنا نعتبره أخطر من كلّ توظيف مقصود، لكونه تعبيرا عن قصور ذاتي في أداء النّخب السّياسيّة والثّقافيّة ونقصا حادّا في تحليل الخطاب السّياسي وخللا في الوظيفة النّقديّة.

عماد محنان
أستاذ جامعي من تونس