بقلم عبد الرزاق قيراط،

في أحدث تصريح للفنان المصري حسين فهمي قال “إن تمويل الأفلام العربية من جانب أوروبا كان دائمًا ملوثًا حيث لا تموّل إلا الأفلام التي تسيء للمجتمعات العربية، سواء أكان في مصر أو تونس أو المغرب أو الجزائر”.

واتهم الفنان المصري، بشكل صريح، في مقابلة مع قناة “سي بي سي” وزارة الثقافة الفرنسية بتمويل بعض الأفلام في دول المغرب العربي، لأنها تمجد فرنسا مقابل إساءتها للعرب بشكل عام. و أضاف فهمي “أن الأفلام المسيئة للمجتمعات العربية يتم دفعها إلى المهرجانات لتحصل على جوائز”.

ليس من الممكن تكذيب ما ذهب إليه هذا النجم السينمائيّ، فلا هو من الدخلاء المتحاملين على ميدان الفنّ السابع.

و لا هو من الإخوان المسلمين الذين قد يعارضون بحكم توجّهاتهم تلك الأعمال المسيئة بما تقدّمه عن وطننا العربي من أفكار منحرفة.

لذلك نميل إلى التعامل مع هذه الشهادة بجديّة لأنّها تأتي من نجم سينمائيّ مخضرم له تجربة طويلة في ميدانه و يظلّ متابعا قريبا لكلّ جديد بحكم مهامّه في رئاسة مهرجان القاهرة السينمائيّ لسنوات.

كما لا ننكر عليه الإشارة إلى تونس بخصوص السياسة التمويليّة التي حكمت علاقات التعاون الثقافي بين الجهات الفرنسيّة و السنمائيّين التونسيّين الذين قبلوا الدخول معها في شراكة لتحقيق أهداف بعينها. و الأمثلة التي تدلّ على ذلك كثيرة و كلّها حافلة بمشاهد الحمّام و النساء العاريات يمارسن الجنس في البيوت المتوارية خلف أزقّة المدينة “العربي”.

كان للمخرجين صولات و جولات في هذا اللون من الأعمال و ما شابهها، و أبدى البعض منهم مخاوف من وصول الإسلاميين إلى السلطة، فأخفّ الأضرار حرمانهم من الدعم الماديّ و المعنويّ الذي كان يأتيهم من وزارة الثقافة فكيف سيكون مصيرهم في المشهد الثقافي الجديد.

هل سيفلسون؟ أم سيغيّرون ثوبهم كما تفعل الثعابين؟ مع المعذرة على التشبيه الذي أوحى به سلوك مماثل يخصّ بعض الصحفيين الذين صاروا ثوريين بعد أن كانوا من الممجّدين للنظام السابق.

إمكانيّة الإفلاس لدى البعض واردة و من مؤشّراتها ما أعلن منذ أيام في صحيفة جزائريّة عن أزمة في قناة نسمة قد تؤدّي إلى إفلاسها، و هي القناة التي روّجت للفكرة التي عبّر عنه حسين فهمي في شهادته، بعرضها لفيلم فارس بوليس و هو فيلم إيرانيّ حظي بالتمويل الفرنسي و سعى إلى الإعلاء من شأن الثقافة الفرنسيّة مقابل تشويه المشهد الإيرانيّ و تعميمه على نطاق العالم الإسلامي برمّته. و نشاهد في نهاية الفيلم البطلة و هي تغادر طهران و تحلّ بباريس فتتغيّر الصورة من ثنائيّة الأبيض و الأسود القاتمة إلى الألوان الزاهية، و الفاهم يفهم!

و كانت الورطة التي وقعت فيها قناة نسمة و باتت تهدّد مستقبلها أنّ الفيلم المدبلج إلى اللهجة التونسيّة عُرض في سياق انتخابيّ أجمع الملاحظون أنّه لا يمكن أن يكون بريئا، فكان بمثابة الإسقاط المستفزّ على الواقع التونسيّ الجديد بعد الثورة. و بغضّ النظر عن خطورة ما جاء فيه من تجسيد للذات الإلهية، دافع الفيلم عن الحرّيات التي تتعلّق أساسا بمعاقرة الخمرة  و ممارسة الجنس وكأنّها أصبحت في تونس حقوقا مسلوبة تستدعي النضال و إعلان صافرات الإنذار لمحاصرة من يتربّص بها. و مع الجدل الذي أعقب عرض الفيلم، تساءل الكثيرون عن المغزى من تقديمه بنسخة ناطقة  بلهجتنا التونسيّة ليفهموا في النهاية – ربّما- الرسالة التي وجّهت إليهم و التي تدعوهم إلى حماية ثورتهم من “أعداء الحريّة و الحداثة”. و لكنّ النتيجة جاءت عكسيّة ففاز الإسلاميّون في الانتخابات و خسرت نسمة قسما كبيرا من جمهورها. و بدأ المعلنون يهجرونها لأنّها لم تعد تستقطب عددا كبيرا من المشاهدين. فإنّا لله و إنّا إليه راجعون!

أمّا المؤشّر الثاني الذي يهدّد بإفلاس بعض الخيارات الفنيّة فجاء من خلال الموقف الجديد لوزارة الثقافة في تونس ما بعد الثورة من الفيلم المثير للجدل “حكايات تونسيّة” فقد أعلن المدير العام للفنون الركحيّة و البصرية بالوزارة أنّ ‘حكايات تونسية ‘ ليس فيلما لذلك لم يتحصل على الدعم. كما اقتصرت الوزارة على منح الفيلم رخصة عرض خاصة ضمن فعاليّات مهرجان الفيلم الأوروبيّ الذي نظّم بتونس بداية الشهر الجاري، ما يعني عدم السماح بعرضه في القاعات التجارية. ويتناول الفيلم، قضية اللواط في تونس، و يتضمن عدة مشاهد ساخنة. و هو الفيلم الأوّل للمخرجة  التونسية الشابة ندى حفيظ، فإلى أيّ مدى وفّقت في اختيار الموضوع الذي أطلّت به لأوّل مرّة على الجمهور؟

الواضح أنّه قوبل بجفاء على الأقلّ من الجهات الرسميّة التي  تلقّنت درسا من فيلم فارس بوليس حين سمحت بعرضه في السابق و قرّرت تغيير توجّهاتها لتنسجم مع الواقع الجديد، ما يعني أنّ بعض الخيارات التي كانت تحظى بالدعم والجزاء ستحاصر مستقبلا مادّيّا و معنويّا. و قد يكون المعنيّون بهذه السياسة الجديدة من المبدعين السينمائيين مطالبين برؤية إبداعيّة مخالفة لما ساروا عليه في الماضي ليضمنوا استمرارهم في العمل و نجاتهم من الإفلاس.

و من الإشارات أو الرسائل التي قد تنفعهم ما يفهم من نتائج المسابقة في مهرجان الفيلم الأوروبي، فالأفلام الفائزة تنخرط بقوّة في تغيير الصورة النمطيّة للمرأة باعتبارها جسدا أو مصدرا للذّة لتدافع عنها بوصفها ضحيّة مازالت تتعرّض للاعتداء على أبسط حقوقها، فقد أسندت الجائزة الثانية إلى الفيلم الوثائقي الألماني الإيراني “كرة القدم من تحت الحجاب” لكلّ من المخرجين دافيد اسمان وآيات نجفي وهو عمل سينمائي يتناول مسائل متعلقة بالحريّة في اللباس والمعتقد . ونوّهت لجنة التحكيم بالشريط المغربي الفرنسي “منبع النساء” الذي تدور أحداثه في قرية صغيرة في المغرب حيث تقرّر مجموعة من النساء مقاطعة معاشرة أزواجهن إلى أن يستجيبوا لمطلبهنّ المتمثل في جلب الماء من المنبع وهي عملية شاقّة تسبّب لهنّ العديد من الأضرار النفسية والجسديّة.

و على العموم، نعتقد أنّ المبدعين قادرون على الاستفادة من الثورة و التكيّف مع نتائجها، و من أراد البقاء فعليه أن يقنع الجمهور الذي يخاطبه، و بذلك يخلّد التاريخ أعماله لتبقى جزءا من الذاكرة الجماعيّة و مرجعا للقادمين من أبنائنا و أحفادنا.

عبد الرزاق قيراط