بقلم عماد محنان،

تفقد المرأة أو تكاد كينونتها الواقعيّة بين منزلتيْ المرأة المفهوم والمرأة المشروع في ثقافتنا وواقعنا. فمن جهة ما هي مفهوم ظلّت المرأة مجال محاولات فهم وتعريف لا تنتهي في التّواصل الاجتماعي وخصوصا في شرائح الشّباب وفي الصّحافة. ومن جهة ما هي مشروع فإنّ المرأة أشبه بمخطّط أو مجسّم بناء يختلف المهندسون في تبرير نجاعته جماليّا ووظيفيّا. ومنذ أن اكتشفت ثقافتنا هذا “المفهوم الجديد” وهي تفرغ تنويعاتها النّظريّة والتّشريعيّة احتذاء لنموذج حضاريّ ثقافيّ أو تشريعي أو سياسيّ ما. ورغم ذلك ظلّت المرأة في مرتبة الموضوع أو القضيّة أي بين منزلتيْ المفهوم والمشروع. فليست المرأة ـــ إلاّ في سياقات محدودة ـــ تستمدّ توصيفها ولا تقويم أدائها السّلوكي من حيث هي ذات مفردة ولكن من حيث هي جنس. فخطيئتها “الجنسيّة” تُحمل على أنوثتها التي تشترك فيها معها جميع النّساء وليس على انحرافها أو اختيارها أو ضعفها أو مرضها أو أيّ شيء آخر لا يشاركها فيه أحد. فخطيئة امرأة ورجل تترجم قيميّا وعرفيّا إلى خطيئة امرأة وجميع النّساء. تماما كما تفعل اللّغة في لعبة الضّمائر التّصريفيّة حيث ترجّح كفّة ذكر واحد على كفّة نساء العالمين. بقيت المرأة مأخوذة بالإجمال دون تفصيل. لذلك فإنّ جريمة الزّنا لا توزّع في العرف الاجتماعي ـــ رغم المساواة في الجزاء الشّرعي ـــ توزيعا متساويا، فتدفع المرأة ثمنا معنويّا وجسديّا أفدح بكثير ممّا يطال الرّجل شريكها في الجريمة. وما يزال لباس المرأة أحد أكبر شواغل حراكنا الثّقافي والسّياسي، دون أنْ يبدو ذلك الشّاغل مولّدا لنتيجة حاسمة تنهي الجدال أو تفصل المقال. ولباس المرأة ليس شأنا ذا علاقة بالمرأة في ذاتها أو بتعبير أدقّ، لذاتها، وإلاّ لما كان شاغلَ الرّجل أصلا. ولو كان شاغلا للمرأة في الأساس لانفردت به في الطّرح كغيره من شواغل الأنوثة مثل العوارض البيولوجيّة. إنّه قضيّة الرّجل بامتياز والمدخل إلى رؤية الرّجل لنفسه. فالاحتشام المجسّم في شكل اللّباس وهيأته يختم بطابعه على الشّخصيّة الذّكوريّة حين يفرض عليها الإرجاء والتّشويق لكي يكون التّواصل الشّرعيّ في إطار المؤسّسة الاجتماعيّة ضربا من المعراج النّفسي الذي يعيشه الرّجل وكالنّبع الصّافي الذي يشرب منه “شرب الهيم”. وهو تنميط للشّخصيّة الذّكوريّة اقتضته ضرورات المعاش الرّعويّ القبليّ القديم. ذلك أنّ احتشام المرأة مظهرا وجوهرا يدخل في دائرة التّأهيل الذّكوري في منحيين لا مقام للحياة من دون إحكامهما عنيت التّأهيليْن الجنسيّ والدّفاعيّ. فالأوّل يستند إلى تنظيم مخصوص وضبط للرّغبة بما يجعل إطلاقها مَعينا لوتيرة مطلوبة من النّسل والخصوبة التي قد يعضدها العنصر المناخيّ والتّكوين الثّقافي. والثّاني يعضد الحميّة الذّكوريّة التي مناطها بحفظ النّفس ومغالبة أسباب المعاش بحميّة سندها الغيرة الجنسيّة وقوّة وشائج القربى والدّم والنّسب. لذلك فاحتجاب المرأة واحتشامها هو عين منعتها وأهمّ مولّدات استبسال الرّجل فِداء لها تحت وطأة التّهيّب من لوثة الشرف الرّفيع. هكذا يكون سفور المرأة في المقام الأوّل كشفا لعورة ذكوريّة.

ينشأ الشّاب الذي يحيا بقيم رعويّة تضفي معنى الخصوبة والفحولة والانتخاب النّوعي في الإنتاج أو الإنجاب (ومنه النّجابة في الأنعام والمواليد) على مختلف سياقات وجود الإنسان (إذ الفحولة معيار أو طراز يقوّم ذكورة الحيوان والإنسان ونبوغ الشّاعر) باحثا عن الاتّحاد بمعيار بيئته الاجتماعيّة والثّقافيّة، فلا يتمثّل صورته النّموذجيّة إلاّ من خلال معيار الفحولة الذي شرطه إطلاق طاقات الوصال بعد استنفاد أسباب الشّحنيْن النّفسيّ والقيمي. هذا ما تكون فيه المرأة الأداةَ الغايةَ. ولكون وصول الرّجل داخل إطار مؤسّسة الزّواج إلى الإشباع الجسديّ فإنّه يجد أرقى أشكال التّعبير عن تجربة الشّوق السّابقة في الشّكل الثّقافيّ الشّعري القديم الذي يصوّر رحلة الشّاعر إثر الحبيبة في مجاهل الفيافي طالبا لوصال أو راجيا لنوال. ولَكَم تبدع العربيّةُ حيث تجانس صوتيّا بين الشّوق والشّبق.
لم تقْوَ المرأة في مشروعنا الحضاريّ الرّاهن على أن تفارق تلك المنزلة تمام الفراق، ولا أمكن لها أن تلازمها بل ظلّت متذبذبة متوترة نأيا ودنوّا. ولا تجد المرأة التّعبير الكامل عن ذاتها الفرديّة إلاّ بفضل “الحداثة التّشريعيّة” وتغيّر بنية المجتمع وانتشار التّعليم وتوسّع مجالات العمل. ورغم ذلك فهي تُطلّ باستمرار على العالم من وراء ستار الماضي. وثنائيّة العفّة والمجون ذات الاستتباعات القيميّة والاجتماعيّة فارضة منطقها على منزلة المرأة اجتماعيّا وثقافيّا. ورغم شرعيّة هذه الثّنائيّة من جهة المرجعيّة الأخلاقيّة المخصوصة للثّقافة العربيّة الإسلاميّة فإنّ محاولات توسيع دائرة تصوّرها لتشمل اللّباس إلى درجة الشّطط الذي يماسّ تخوم المحو والتّغييب قد استثمرت أحد ألمع مظاهر الحداثة الفكريّة وأجلّ قيمها عنينا مبدأ الحريّة، ولكن وفق منطق يُخلّ بأبسط أسس هذا المبدأ وهو تكافؤ الفرص في الحريّة. فالخطاب المتحمّس لارتداء النّقاب من داخل الرّؤية السّياسيّة الدّينيّة أخطر من ظاهرة النّقاب لو تُركت خارج دائرة المتاجرة السّياسيّة. وذلك لكونه خطابا إقصائيّا في منحييْن: ففي المنحى الأوّل يطمس معالم الجسد الأنثويّ ويفرغ إنسانيّته من مضمونها ويختزله في أبعاده الهندسيّة أيْ يترجمه إلى مجسّم مادّي. ويصبح اللباس هو حامل سمتيْ الإنسانيّة والأنوثة مجرّدتيْن من كلّ دلالة على الهويّة الفرديّة. وهو في المنحى الثّاني يجمع إلى الإقصاء التّناقض الدّاخلي حين يتّجه إلى تكريس ارتداء النّقاب مبدأ وحيدا للّباس الأنثوي الشّرعي.

هنا يقع الخطاب السّلفي ضحيّة أحد محظوراته وهو صعوبة نشر مبدئه وتصوّره لشرعيّة النّقاب بوصفها الشّرعيّة الوحيدة للباس المرأة المسلمة.وذلك بحكم صدور حكمه مسبقا بمنع الاختلاط والاحتكاك المباشر بالأوساط النّسائيّة لنشر ظاهرة النّقاب والحضّ عليه. ولا يمكنه الإفلات من مأزقه خارج أحد طريقيْن: الأوّل، وهو الجاري في واقع الحال، التّهويل والعنف واقتحام المؤسّسات والاعتصام فيها. فيكون بذلك جانيا على نفسه وأشياعه لكونه صنوا للفوضى والممارسة القهريّة في أجلى أشكالها. والثّاني وهو تسخير المرأة المنقّبة في نشر “مذهب” النّقاب. وهذه إستراتيجيّة تستثمر الضّحيّة المدجّنة في تطويع جنسها . وهي إستراتيجيّة ندعوها : “تدجين الباز لصيد الحُبارى”. لكنّ هذه الإستراتيجيّة، بقدر ما هي موطن قوّة الحراك السّلفي فإنّها أيضا المدخل إلى إفشاله في منحاه الإقصائي مع الإقرار بواجب احترام وجوده في حيّزه الطّبيعي ومجرّدا من منطقه القسري الإكراهي. فلا مفكّ من أنْ يتّجه الفعل التّعليمي والمعرفي عموما في التّأهيل المدني والحضاري إلى تنزيل موضوع لباس المرأة في سياقه الصّحيح. وذلك ما نترجمه إلى ما يلي: لباس المرأة حريّة شخصيّة. وهو شأن المرأة بوصفه أحد مظاهر السّلوك والذّوق. ولذلك يجب إخراجه من دائرة الجدل والعمل السّياسيّيْن.

ويُنظر إلى النّقاب من قبل دُعاته على أنّه أحد مظاهر النّهل من المنابع الصّافية. وذلك رغم خلافيّة شرعيّة النّقاب. فالمرأة المنقّبة تستعيد صورتها من خلال النّقاب بصفتها “الجوهرة المكنونة”. ويجد ذلك التّصوّر الأخلاقويّ بعض مسوّغاته في اعتبارات هي أيضا أخلاقويّة لفرط مجازيّتها شأن فكرة “زنا العين”. رغم أنّها فكرة، عند تحليلها تكشف بوضوح عن أنّها فكرة ممتنعة التّصوّر في واقع يسود فيه ارتداء النّقاب. إذْ ما مشروعيّة قاعدة “غضّ البصر” مع التّنقّب. بل إنّ هذه القاعدة توقع التّبعة الأخلاقيّة والجزائيّة على الرّجل في المقام الأوّل. وأمام جميع ما عرضنا له من تناقضات “فلسفة النّقاب” فإنّ أبرز مظاهر خطورة الموقف الدّاعي إليه والمدافع عنه هو سهولة استثماره في إشاعة قتامة المشهد السّلفي على كامل السّياسي الدّيني، فضلا عن توفّر احتمالات حشر تصوّر المرأة المسلمة لذاتها وجنسها في زازية جنسانيّة خانقة.