Photo fouadhamdan.blog

بما تتحدد المعارضة ؟ تتحدد المعارضة(التي تمثل أطياف سياسية واسعة من النخب السياسيّة المستقلّة الكفيلة بأن تؤمّن بديلاً عن الحكم القائم وأن تؤسّس عمليّة التحوّل إلى نظامٍ ديموقراطيّ)؛ بالسلطة ذاتها( و الحال هذه الحكومة الإسلامية التي تمثل حركة النهضة عمودها الفقري )، وتحمل أهم خصائصها، وإلا لما جاز أن تكون سلطة بالقوة. ويؤكد لنا التاريخ السياسي الحديث في العالم العربي أمثلة عديدة على إنتاج السلطات الاستبدادية الحاكمة معارضات من نوعها، أو على صورتها وشاكلتها. ولكن بم تتحدد السلطة ؟ لكي نفهم المعارضة يجب أن نفهم السلطة. إن فهمنا للسلطة هو الذي يزيح اللثام عن وجه المعارضة القائمة في تونس.

تتحدد السلطة السياسية( الحكومةالإسلامية ) سلباً وإيجاباً بثلاثة عناصر أساسية:

1-بمستوى تقدم المجتمع أو تأخره، أي بمستوى نمو المجتمع المدني أو ضموره.
2-وتتحدد بالنظام الدولي الجديد، لا سيما في عصرنا الراهن، حيث لا سلطة خارج هذا النظام.
3-وبنسبة القوى الاجتماعية السياسية.

هذه العناصر التي تحدد السلطة هي التي تحدد كذلك المعارضة، وبقدر ما تعي المعارضة هذه المحددات، ترتقي إلى مستوى معارضة حديثة وعقلانية، أي معارضة تضع برنامجها وتحدد مهماتها بدلالة المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، وليس بدلالة السلطة فحسب.
وفضلاً عن ذلك فإن السلطة السياسية(الحكومةالإسلامية )، بحصر المعنى، لا تستمد شرعيتها من أي مصدر أقوى وأهم من شرعية المعارضة. فليست السلطة والمعارضة تعبيرين متكاملين عن المجال السياسي المجتمعي فحسب، بل هما قطبان جدليان في وحدة تناقضية، يحمل كل منهما إمكانية أن يصير الآخر. فالمعارضة هي معارضة بالفعل وسلطة بالقوة. والسلطة هي سلطة بالفعل ومعارضة بالقوة. وجدلهما هذا هو جدل الكينونة الاجتماعية ذاتها، جدل تعارضاتها الملازمة، وقد اتخذت شكلاً سياسياً سلمياً مُتمدناً أو متحضرا، يكاد لا يلحظ فيه العنصر الاجتماعي الطبقي المباشـر.

إن العلاقة بين السلطة والمعارضة مفهومة فهماً جدلياً سليماً تقر بأن قوة المعارضة هي قوة السلطة الفعلية، كما أنها تتطلب وجود مجال سياسي مفتوح تتطابق حدوده مع حدود المجتمع التونسي المنفتح، الذي عرف أول تجربة برلمانية جنينية في العالم العربي في عام 1861، وخرج مواطنوه في تظاهرات عارمة معرضين صدورهم لرصاص المستعمر في عام 1938، رافعين مطلبا واحداً يتلخص في كلمتين » برلمان تونسي «. وفي مثل هذا المجال السياسي المشترك الذي ينتجه المجتمع، والذي تتجابه وتتقاطع فيه تيارات واتجاهات وأحزاب سياسية مختلفة ومُتخَالِفة، تتحقق الوحدة الجدلية بين السلطة والمعارضة على قاعدة التعدد والاختلاف والتعارض، ويتحقق في الوقت عينه الاستقرار السياسي، والتداول السلمي للسلطة، باعتبارهما من أهم المداخل السياسية إلى بناء ديمقراطية فعلية في تونس.

إن الإصلاح الديمقراطي في تونس يتقدم بتوافر الشروط الأساسية التالية:

1-وحدة قوى المعارضة الديمقراطية ، ومِن ثُم الوحدة الجدلية للمعارضة والسلطة، التي أسلفنا الحديث عنهما.
2-تحويل الدولة البوليسية التونسية التي كانت قائمة في العهد السابق ، إلى دولة وطنية هي تعبير حقوقي وسياسي عن هوية المجتمع.ولا يتحقق ذلك إلا و بناء نظام انتقالي انتقالي قوامه:سيادة القانون والحرية، وفصل السلطات، واستقلال مؤسسات المجتمع المدني، على قاعدة حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.
3-نمو الحركة الشعبية في مناخ الحرية الفكرية والسياسية. فلا يمكن التقدم في مجال الإصلاح الديمقراطي من دون القوى الحية في المجتمع المدني، واحترام حقوق المواطنين بوصفها أهم واجبات الدولة، واحترام حقوق المعارضة بوصفها أهم واجبات السلطة.

1 – فماهي المعارضة الجدلية للسلطة :
يبدو الوعي السياسي العربي محكوماً بعنصرين أساسيين هما:

أولاً – اللاشعور السياسي: يقول محمد عابد الجابري في هذا الموضوع «إذا كانت وظيفة » مفهوم «اللاشعور السياسي» كما أشار ريجيس دوبريه ( في كتابه نقد العقل السياسي ) هي إبراز ما هو عشائري وديني في السلوك السياسي في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، فإن وظيفته بالنسبة إلينا ( العرب ) ستكون بالعكس، من ذلك: إبراز ما هو سياسي في السلوك الديني والسلوك العشائري داخل المجتمع العربي القديم منه والمعاصر.فاللاشعور السياسي المؤسس للعقل السياسي العربي يجب أن لا ينظر إليه فقط على أنه «الديني » و«العشائري» اللذان يوجهان من خلف الفعل السياسي بل لا بد من النظر إليه أيضاً على أنه السياسي الذي يوجه من خلف التمذهب الديني والتعصب القبلي »( ).
ثانياً – المخيال الاجتماعي: الذي هو « جملة من التصورات والرموز والدلالات والمعايير والقيم التي تعطي الأيديولوجيا السياسية في فترة تاريخية ما، ولدى جماعة اجتماعية منظمة بنيتها اللاشعورية »( ).
إن اللاشعور السياسي والمخيال الاجتماعي اللذين يربطان العقل السياسي بمحدوداته، يتغذيان من بنية أيديولوجية لا تزال مسيطرة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، من أبرز سماتها محاربة الفكر الحر، وطردها كلّ ما هو جديد. فالتاريخ العربي الإسلامي فيه ظواهر إيجابية، كانت تتخللها صراعات دموية عنيفة. فمقولة الفرقة الناجية، هي تعبير مكثف عن التقليد السياسي العربي الإسلامي، بصرف النظر عن القوى المتصارعة في المجتمع العربي.

وليس غريباً أن تظهر حركة التكفير والهجرة، وما يماثلها على الصعيد العربي، وهي صورة عن الحركات السياسية العربية، ولكنها مدفوعة إلى الحد الأقصى على مستوى التطرف. ويدل تشظي المجال السياسي في معظم البلاد العربية دلالة قاطعة على أن اللاشعور السياسي الذي أنتجته عهود الاستبداد الطويلة ما يزال قائماً على مبدأ العشيرة والغنيمة والعقيدة، كما أشار إلى ذلك محمد عابد الجابري في كتابه المهم « العقل السياسي ».

هذا التشظي السياسي عندنا، وهذه البنية السياسية الاستبدادية، مرتبطان بثلاثة عوامل أساسية:
أولاً :البنية الاجتماعية التقليدية، الناجمة عن التأخر التاريخي للمجتمع العربي بوجه عام.
ثانياً :انهيار الفئات الوسطى التي تؤلف أكثرية الشعب، بسبب سياسة الخصخصة والاندماج في نظام العولمة الرأسمالية المتوحشة.
ثالثاً :طابع العلاقة بين المثقف والسلطة، ذلك أن المثقف هو كلمة السر لأي تقدم سياسي. غير أن المثقف العربي الذي هو في حال خنوع وتصالح مع الواقع الآن، فيما يتعلق بالسياسة والثقافة، لا يمكن أن يكون مفكراً نقدياً يقدم مشروعاً مجتمعياً بديلاً، يتخطى جدلياً، السائد من القيم والمفاهيم.

ولذلك، فإن السياسة – بوصفها نفياً للحرب، والمعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة، ووحدة الحكم والشعب، ووحدة السلطة والمعارضة، والتعبير عن ما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين – والفكر، والمنطق، والعقل، والمجتمع المدني، ودولة الحق والقانون، مقولات تتقدم معاً وتتراجع معاً، لأن مقولة السياسة ومقولة المنطق تنتميان إلى جوهر واحد، والى أصل واحد. وعلى الرغم من أن السياسة العربية المعاصرة استخدمت مفاهيم حديثة، إلا أنها ما زالت محكومة بالمحددات الآنفة الذكر.

إن السياسي الراديكالي في بلادنا المتأخرة تاريخياً، يجب أن تتوافر فيه ثلاث مواصفات متلازمة لا غنى عن إحداها: السياسي الراديكالي، والمحلل الاجتماعي، والمفكر العقلاني.
ونعتقد أن هذه الصفات لا تتوافر في الأحزاب المعارضة، ولا في الحكومة الإسلامية في تونس. إننا بحاجة إلى سياسة تمارس بالمعنى اليوناني للكلمة، أي مجموعة من المسؤوليات، والحقوق، والواجبات السياسة كفاعلية اجتماعية ومجتمعة، لا كفاعلية سلطوية بوليسية ولا كفاعلية حزبية فقط، سياسة بوصفها مرآة المجتمع ، إنها اعتراف بإفرادية الواقع ومعقوليته، وإنطواء كليته ووحدته الجدلية على التعدد والاختلاف والتعارض، وسياسة بما هي مشاركة إيجابية في الشأن العام، هي حق من حقوق الإنسان والمواطن.فلا مشروعية لأي حزب معارض ولا مشروعية للسلطة القائمة حاليا في تونس ،أو لأي سلطة محتملة إلا بتوافر هذه المواصفات في السياسة، وتأسيسها.

غير أن الدولة البوليسية التونسية وورثتها من الحكومة الإسلامية الحالية، التي ربطت مصيرها بالرأسمالية المحلية والعولمة، وأنتجت أوضاعاً مخالفة للقوانين والأعراف والمعيارات السياسية الديمقراطية والأخلاقية، ودمرت المجال السياسي إلى درجة التشظي والتذرر، لا تعرف هذه الوحدة الجدلية بين السلطة والمعارضة، ولا تعترف بها، وتستهجنها الطبقة السياسية الحاكمة ومثقفيها أيضاً، علماً بأنها تفضي إلى الاستقرار الفعلي وإلى تداول السلطة السلمي.
وحدها المعارضة العقلانية، هي التي تؤمن بالتداول السلمي للسلطة من داخلها، وذلك أساس ضمان أن تقبل هي تداول السلطة
السياسية في المجتمع. ولكن في مواجهة الحكومة الإسلامية الحالية ، ماذا تفعل المعارضة العقلانية هذه ؟

أمام هذه المعارضة العقلانية ذاتها خياران أساسيان على الأقل:
أولاً – أن تختار أسلوب السلطة ذاته، فتنفي السلطة كما نفتها، وتُنتج خِطاباً سياسياً مغلقاً ومتوتراً، وهو أقرب إلى الهجاء منه إلى لغة السياسة، ويؤدي في الغالب إلى ضرب من العصاب السياسي. ويسترضي هذا الخطاب المخيال الاجتماعي لجمهور المقموعين، من دون أن يضيف هذا إلى الجمهور شيئاً، أي أنه يوقد فيه نزعة العنف الغريزية، مثل هذه المعارضة على اختلاف الأسماء، التي يمكن أن تسمى بها، والأزياء التي يمكن أن ترتديها، ليست سوى مشروع سلطة استبدادية، قمعية فهو خيار السلطة ذاته.

ثانياً: وإما أن تختار المعارضة خياراً آخر هو خيار العقلانية، وتغيير المجتمع راديكالياً، وصوغ المستقبل. فتعمل أولاً على تأسيس وعي ماهية السلطة، وأساليب عملها، وتناقضاتها الداخلية على أن يكون لدى هذه المعارضة وَعْيٌ برسالتها، وبدورها التاريخي المشتق من اسمها كمعارضة. وتعمل ثانياً على تحقيق وحدة المعارضة – على ما بين أحزابها وتنظيماتها وتياراتها (والماركسية والليبرالية و القومية ) من تباين واختلاف إيديولوجي و سياسي يعبران إلى هذا الحد أو ذاك عن
التعارضات الملازمة للمجتمع التونسي – على الأسس التالية:

1-اعتبار المصلحة العامة الوطنية / القومية، مرجعية واقعية مشتركة لكل أطراف المعارضة.
2-الالتزام بمبادئ الحرية والعدالة والمساواة.
3-اعتراف كل أحزاب المعارضة وتنظيماتها بالآخر وبحقوقه وحريته.

إن وحدة المعارضة على قاعدة الحرية بوصفها وعي الضرورة وموضوعية الإرادة وحرية الاختيار، هي التي تعبر عن وحدة المجال السياسي للمجتمع التونسي، وتطلق جدله الداخلي بإعادة إنتاج تعارضاته في المجال السياسي، والعمل على حلها بالطرق السياسية المتحضرة. المعارضة العقلانية من هذه الزاوية ، تعني في أحد معانيها الجدل السياسي الاجتماعي، وهو الانشقاق الذي يولد الوحدة، والشر الذي ينتج الخير، والصراع الذي ينتج التقدم، وليس ذلك النوع من » الصراع على البقاء « كصراع الحيوانات في الغابة.
إن المعارضة العقلانية هي التي تضمن دورها السياسي والتاريخي، وتوجه جل نضالها السياسي من أجل القيام ببناء النظام الديمقراطي الجديد المنشود في تونس.لأن الدولة البوليسية التونسية أوصلت الشعب والمجتمع التونسيين إلى مفترق طرق، إما الإصلاح الديمقراطي، وإما الكارثة.

2-فماهي مهمات المعارضة الديمقراطية

أولاً : التثقيف أو الإسهام في التثقيف، لأن المثقفين غالباً مُستَقِيلُون من مهمتهم. ومع ذلك يجب على الأحزاب السياسية أن لا تكون بديلاً عن الأنتليجنسيا، شريطة أن تملك وعياً بمخاطر الثقافة الحزبوية الضيقة، والدوغمائية الأيديولوجية الكفاحية.هذا مع التأكيد على مسؤولية المثقفين الذين ينبغي عليهم صياغة سياسات جديدة مستوحاة من حاجات المجتمع، وليس من قوانين العولمة، أو الليبرالية الأميركية المتوحشة، التي تعتبر أنها » المحطة النهائية« في مسيرة تطور » «المنظومات « الاقتصادية و الاجتماعية الإنسانية.

ثانيا ً: التسييس،أي تسييس الشعب، رَدّاً على واقع عزوف كتلة من الشعب عن السياسة، ولاسيما النساء والفلاحون والأميون.وتتصل هاتان المهمتان بالبعد التاريخي للمعارضة السياسية الديمقراطية أي الاقتصاد والنظام الدولي الجديد، ولا ينهيان إمكانية الفعل السياسي، وأن الفئات الأكثر فقراً لا تتحرك، فقط عبر الثورة الاجتماعية ضد الدولة البوليسية القائمة، وإنما أيضا عبرالمطالبة بحقوقها، ولاسيما الثقافية منها، مؤكدة بذلك أنها تملك مفهوماً تحديثياً و ليس نقدياً « فقط للمجتمع.
إن المعارضة الديمقراطية مطالبة باستبدال منطق النضال الحقوقي الذي مارسته طيلة العقدين الماضيين ، بمنطق الفعل الاجتماعي و السياسي، لتقديم الرّد المطلوب على ممارسات الحكومة الإسلامية. فالبؤس الموضوعي الذي أفرزته الخصخصة الرأسمالية في الواقع التونسي الراهن، أدّى إلى تكوّن قوى فاعلة جديدة، الحركة الشبابية ، والنقابات العمالية، ومنظمات المجتمع المدني ، والحركة الطلابية، التي أسهمت جميعها في صنع الثورة التونسية بأبعادها التاريخية و السياسية ، باعتبارها عملية تغيير جذرية شاملة في بنية المجتمع.

ثالثاً
:النضال السياسي اليومي بمستوييه، الدعوة الأيديولوجية والدعائية، أي التحريض السياسي، وملاحقة الأحداث اليومية، وتحليلها وتعبئة المواطن، وهذه المهمة تتصل بالبعد العملي، أي السطح السياسي. وأي معارضة سياسية تتخلى عن إحدى هاتين المهمتين، تواجه خطر التحول إما إلى نخبة مثقفة معزولة عن الشعب، وإما إلى معارضة تعيد إنتاج التقليد والتخلف.
رابعاً: أن تنطلق المعارضة الديمقراطية في رؤيتها وبرنامجها، وممارستها، من المثلث الجدلي، أو «الثالوث المقدس: الوطن والقانون والحرية »، والمساواة الحقوقية وليس الأخلاقية بين المواطنين، ومن مفهوم الحقوق وليس الواجبات. فللمواطنين حقوق متساوية بصرف النظر عن الواجبات، فالواجبات تنتمي إلى دائرة الأخلاق، وليس إلى دائرة السياسة، على ما للأخلاق والسياسة من علاقة. فالمواطنون يطالبون باعتماد مزيد من الشفافية والمساءلة، وبناء أطر قانونية، تدعم هذه التوجهات من أجل مساءلة المسؤولين الحكوميين في شأن الفساد وسوء التصرف.

كما أن الدولة الوطنية يجب أن تتأسس على قاعدة احترام الحريات العامة والفردية، ومبادئ العدالة، والحقوق المطلقة للمواطنين التي لا يجوز التصرف بها، فليس للدولة أن تَفرُض أيّاً من الواجبات على مواطنيها، وليس للسلطة أن تَفرُض أيّاً من الواجبات على المعارضة. ذلك لأن قوام الدولة والسلطة الممسكة بزمامها هو القانون ، والسهر على حسن تطبيقه، فهما أي الدولة والسلطة تعبيران مباشران عن الكلية العينية، كلية المجتمع والشعب. والقانون لا يقوم إلا على قاعدة الحقوق، وهذه تنتمي إلى دائرة الموضوعية، أما الواجبات فتنتمي إلى دائرة الذاتية. القانون لا يعنى بالواجبات لأنها جزء من الحياة الأخلاقية الفردية والاجتماعية، ومبدؤه هو الحرية أو الإباحة.

خامساً: لما كان مصدر قوة ومشروعية ومبرر وجود المعارضة الديمقراطية هو الوطن والقانون والحرية، فلا بد لمشروع بناء النظام الديمقراطي الجديد الذي تطرحه المعارضة من أن يستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة إلى التعددية والديمقراطية، ويواكب التطورات الإقليمية والدولية التي جعلت من الديمقراطية المدخل الأسلم للمحافظة على استقرار البلد وتماسكه المجتمعي. إن قوام الديمقراطية هو فصل السلطات، فعندما لا يكون استقلال السلطة القضائية مضموناً، لا يستطيع الناس أن يتمتعوا بحماية قانونية.ويعتبر وجود سلطة تشريعية مستقلة في الديمقراطية الفتية،وتشكل حرية التعبير عن الرأي، وضمان الحقوق المدنية والسياسية، وتأسيس الأحزاب السياسية والجمعيات والانضمام إليها لتمكين الفقراء من المطالبة بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أمراً حيوياً للديمقراطية الشاملة.

سادساً: ولما كانت القوانين وحدها لا يمكن أن تضمن حقوق الإنسان، فلا بد من بناء مجتمع مدني مفتوح بالتلازم مع دولة الحق والقانون، ووجود وسائل إعلام حرة ومستقلة، يدعمان القانون، وثقافة وأعراف وأخلاقيات اجتماعية ترسي دعائمه، وبيئة اقتصادية تعززه، وتدريب أجهزة الأمن على احترام حقوق الإنسان للحؤول دون ممارسة الوحشية بحق المواطنين. وتشكل حماية حقوق المعارضة، وتحقيق الفصل بين السلطات، واعتماد مبدأ المساءلة العامة ضماناً لحقوق الإنسان، خصوصاً وأن اعتماد مبدأ الانتخابات لا يكفي وحده لتحقيق هذه الغاية. ولكي تفي الدولة الوطنية بالتزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان، لا بد لها من الالتزام بتنفيذ سياسات تضمن تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأشد حرماناً ولمشاركتهم في عملية صنع القرار. فالنمو الاقتصادي وحده لا يكفي، بل لا بد من أن يَقترنَ بإصلاحات على صعيد السياسيات تُفضي بتوجيه الأموال للقضاء على الفقر، وتنشيط التنمية الاجتماعية، وبناء المؤسسات، وإصلاح القوانين لتعزيز حقوق الإنسان، واعتماد الشفافية في وضع السياسات. لأن وضع السياسات الاقتصادية، وراء أبواب مغلقة يشكل انتهاكاً للحق في المشاركة السياسية، وغالباً ما يكون عرضة للتأثيرات المفسدة التي تمثلها السلطة السياسية والأموال الضخمة، مما يؤدي إلى بيئة غير قادرة على الإنتاج، ومهيأة لانتهاك حقوق الإنسان. وليس القضاء على الفقر غاية إنمائية فحسب، بل يمثل تحدياً أساسياً لحقوق الإنسان في القرن الحالي. وبما أن حقوق الإنسان في عالم مندمج تتطلب عدلاً عالمياً، لذا يجب توسيع نموذج المساءلة المتمحور حول الدولة لتشمل التزامات العناصر والمنظمات غير الحكومية، والتزامات الدولة التي تتجاوز الحدود الوطنية.

سابعاً: وفيما يتعلق بمضمون مشروع المعارضة السياسي، لا بد من عودة جديدة إلى مفهوم الواقع. فللواقع أي واقع على الإطلاق بعدان عالمي أو كوني، وتاريخي، ويضيف بعضهم بعداً ثالثاً مهماً هو البعد العقلاني، وكل ما هو عقلاني هو واقعي حقاً. لذلك لا يمكن أن تضع المعارضة برنامجاً مطابقاً، مناسباً أو مقارباً للواقع، إلا إذا فهمت المعارضة التونسية العالم الذي نعيش فيه، والصراعات، والتناقضات التي تولد حركة تطوره، والقوى التي تؤثر فيه الخ.. لاسيما وأن العالم يتوحد بوتائر سريعة فلم يَعد ثمة مشكلات أو قضايا أساسية محلية خالصة خارج سياق عملية العولمة الرأسمالية الجديدة، أو الهيمنة الإمبريالية الأميركية.

ولذلك كان مفهوم البرنامج الوطني الديمقراطي، المنطلق من خصوصية قطرية محلية، لا تربط بين ما هو خاص وما هو عام عربي، أي بين ما هو محلي وما هو عالمي، ولا ما هو ماض بما هو حاضر ومستقبلي، أي بالبعد التاريخي للواقع، هو مفهوماً قاصراً، وغير واقعي، أي بمعنى أنه يقطع جزء من الواقع عن كونه، ويكرس الوضع الذي أنتجه التأخر التاريخي والأوضاع الإمبريالية الناجمة عنه، أي وضع التجزئة القومية. ولهذا فإن الاتجاه الذي يؤكد مقولة البرنامج الوطني بالمعنى القطري المحض، ينطلق من الانتماء لوطن هو «القطر» وليس العالم العربي، باعتباره أحد عناصر تشكل الأمة العربية. ولذلك كان الحديث عن الأمة العربية عند دعاة هذا الطرح سطحياً وشعاراتياً، أما الممارسة فقطرية ضيقة.

ولعل مقولة أو مفهوم المشروع القومي الديمقراطي النهضوي مفهوماً فَهماً جدلياً صحيحاً يتعلق بعلاقة القطري بالقومي، هو برنامج المعارضة العقلانية الأكثر قرباً من الواقع بالمعنى المذكور آنفاً، لاسيما عندما يضع صراع الأمة العربية مع الإمبريالية الأميركية و الكيان الصهيوني في سياقه الكوني والتاريخي، باعتباره جزءاً من الصراع العالمي. إن مشروعية هذا البرنامج، وهذا المفهوم، تنبع من المهام الملقاة على عاتق المعارضة التونسية على الصعيد القومي، وإسهامها في تحرير فلسطين، وتحقيق الاندماج القومي والاجتماعي، وعقلنة الفكر والسياسة، وتحديث الفكر الديني، وتحرير المرأة ومساواتها بالرجل، وتحقيق الوحدة القومية للأمة، وبناء اقتصاد قومي مستقل. أي تجديد بنيان الأمة ووضعها في العصر الحديث، وتلافي تأخرها التاريخي.

في ضوء هذه التحديدات يمكن القول إن نمو المجتمع المدني الحديث في تونس وانبثاق دولة الحق والقانون عنه انبثاقاً سليماً، انطلاقاً من مبدأ سيادة الشعب ومن كونه مصدر المشروعية السياسية، هو الخطوة الضرورية الأولى بل هي السيرورة المفضية إلى الدولة الوطنية التي تنشأ بفعل القوى الداخلية، وهذه الدولة الوطنية هي التي تنفي الدولة القطرية وتفتح إمكانات التوحيد القومي، وإلا سيظل مشروع الوحدة مختزلاً في توافق مؤقت وملغوم بين دولتين قطريتين أو أكثر.
والعلاقة بين الوطني والقومي تغدو علاقة ضرورية وموضوعية وفق التحديدات الآتية، ولنأخذ تونس مثالاً:

1-انطلاق أي مشروع سياسي ديمقراطي من واقع أن جميع التونسيين على اختلاف منابتهم ومواقعهم الاجتماعية واتجاهاتهم وميولهم الإيديولوجية والسياسية.. أعضاء كاملو العضوية في المجتمع والدولة، والعضوية تعني المشاركة الإيجابية والمسؤولة في الوقت ذاته.

2-المشاركة الإيجابية والمسؤولية غير ممكنتين إلا بضمان الحقوق المدنية والحريات الدستورية للفرد. والاعتراف الأولي، المبدئي والنهائي بحرية الفرد وحقوق الإنسان، وبكونه مواطناً له حقوق متساوية مع سائر المواطنين في حدود الدستور والقانون. وضمانة ذلك معرفياً وواقعياً وأخلاقياً، الاعتراف المبدئي والنهائي بإفرادية الواقع ومشروعية الاختلاف.

3-الاعتراف بإفرادية الواقع وحق الاختلاف يعني الاعتراف المبدئي والنهائي بحق جميع قوى المجتمع في إنتاج تنظيماتها المدنية الحديثة بحرية تامة، كي تحل هذه البنى محل البنى والتشكيلات ما قبل القومية.

4-إن نمو المجتمع المدني الحديث وأساسه الفرد الحر، وانبثاق دولة الحق والقانون عنه هو في الوقت ذاته إعادة إنتاج الهوية الوطنية / القومية في ضوء حقائق العصر الحديث ومعطيات التقدم، وليس في ضوء الانتماءات الدينية أو المذهبية أو العشائرية أو العرقية ..أو الجهوية. في هذه السيرورة الطويلة والمتعرجة والمعقدة ينمو العنصر القومي الوحدوي طرداً بنمو العناصر الديمقراطية. وتغدو الوحدة العربية حاجة موضوعية لا تمليها التحديات الخارجية فحسب، بل تمليها الحاجة إلى التقدم، فالوحدة العربية شرط لازم للتقدم، ولكنه ليس كافياً.

5-الرهان على إعادة إنتاج الهوية الوطنية القومية معقود على الثقافة والسياسة بصورة أساسية من دون التهوين من دور الاقتصاد والاستثمار العقلاني للموارد والتوزيع العادل للثروة.

6-الوقائع الراهنة التي تنجلي في التنظيمات القومية غير الحكومية كاتحاد العمال العرب والمحامين العرب، والكتاب العرب… تؤكد نمو العنصر القومي من الأطر الوطنية طرداً مع نمو الوعي العلماني الديمقراطي الكوني والتاريخي الحديث.

7-إن لم يكن القومي عنصراً أو عناصر ينمو أو تنمو في الأطر الوطنية، فلا مستقبل لأي مشروع قومي.

8– المثقف والسياسي ينظران إلى الأوضاع المحلية من منظور قومي، ويعملان في سبيل وحدة الأمة انطلاقاً من الوقائع المحلية ومن الأطر الوطنية، إذ يكشفان عما هو قومي في الإطار الوطني، ويعملان على ترسيخه وتعزيزه وإنمائه، وهكذا تكون القومية محصلة غنية لهذا التنوع والاختلاف، وليست فرض عقيدة متعالية واحدية وكليانية على واقع متعدد ومختلف.

9-الأنسية والعقلانية والديمقراطية ثلاثة شروط لازمة لنمو العنصر القومي في الأطر الوطنية. والديمقراطية بشكلها السياسي، والحقوقي بوصفها أفضل وسائل الحكم وأكثرها نضجاً، إذا ما قورنت بما هو سائد من نماذج أخرى في بعض بلدان العالم هي الشرط الحاسم في عملية الاندماج القومي، لأنها السبيل الوحيد لتخطي الأطر الدينية والمذهبية وما في عدادها من أيديولوجيات غير دينية. والديمقراطية اليوم ليست شعاراً لتغيير سياسي إنما هي ممارسة على مستوى المجتمع كله في مجالات العمل والثقافة والأدب والعلاقات الاجتماعية الأسرية.

10-القومي والديمقراطي الممتلك وعياً تاريخياً وكونياً وحديثاً لا يخاف على المشروع القومي ولكنه يأسى للفرص الضائعة، ويأسى أكثر لحقيقة أن تقدم العالم من حولنا يزيد في تأخرنا ويعمقه. وينفر من السياسات العربية التي تفرق، بل تدفع إلى تفجير الأطر الوطنية ذاتها.
ما فائدة الوحدة العربية إن لم تكن في مصلحة الإنسان العربي أولاً، وفي مصلحة أكثرية الشعوب العربية ثانياً ؟ فالعلاقة بين الوطني والقومي يجب أن تنطلق من مبدأ يستمد مشروعيته ومسوغاته وقيمته من ذاته، هذا المبدأ هو الإنسان تحت مقولة التاريخ وفكرة الديمقراطية والتقدم.