على إيقاع خبر بداية مُحاسبة بقايا آلة القمع في وزارة الداخلية كان البارحة 10 جانفي 2012 يوما تاريخيا للشعب التونسي عموما و لأهالي تالة خصوصا، فبعد أن أمضيت أياما في مدينة تالة منذ 6 جانفي الماضي كان لي شرف مُعاينة تفاعل الأهالي و أمّهات الشهداء مع قرار وزير الداخليّة علي العريّض إقالة المدير العام لوحدات التدخّل منصف العجيمي الذي تطاول على عائلات الشهداء في المحكمة العسكرية بالكاف والمتهم الرئيسي في جرائم مقتل شهداء القصرين وتالة و قمت بتوثيق رسالة من السيّد كمال الجملي والد الشهيد مروان الجملي، أوّل شهيد قتلته وحدات التدخل في تالة إلى مُحافظ شرطة أعلى سمير الفرياني و إلى كافة الضباط النزهاء في وزارة الداخلية و رسالة من أمّهات الشهداء مروان الجملي، غسان الشنيتي و أحمد ياسين الرطيبي إلى وزير الداخلية





في ذات السياق أستسمح القُرّاء لأعرض عليهم بإختصار نقاطا في غاية الأهميّة و لي عودة مفصّلة لتحليلها :
شاهدت على شاشة القناة الوطنيّة الأولى ومضة تُقدّم للنقل المُباشر ليوم 8 جانفي 2012 و لاحظت مُغالطة تدلّ مرّة أخرى أنّ الإعلام التقليديّ لم يرتق بعد إلى مستوى الثورة، تحتوي الومضة على تصريح لمُواطن من تالة يدعوا فيها لعودة الأمن لتعود الإستثمارات، هي كلمة حقّ وُُضعت من طرف القناة الوطنيّة في إطار باطل، فقد وُظّف التصريح للتلميح و الإيحاء أنّ الوضع الأمنيّ في تالة مُتدهور و أنّ المدينة تناشد الشرطة لتُخلّصها من براثن عدم الإستقرار، وهذا غير صحيح إطلاقا، فالمدينة آمنة منذ هربت منها وحدات التدخّل بقيادة العقيد منصف العجيمي يوم 12 جانفي 2011، إنخفض معدّل الجريمة إلى أقلّ مستوى له منذ عقود، و قام الأهالي بإدارة شؤونهم الأمنيّة إدارة ذاتيّة كأروع ما يكون، لم تحتج تالة حتى إلى تشكيل لجان أحياء فالجميع يد واحدة يسود علاقاتهم الإحترام المُتبادل و العفويّ، هو نموذج ثوريّ رائد تجسّد على أرض الواقع.

في تالة و ببساطة عندما يدخل أحد الشّبان بيت أي شابّ آخر في المدينة زائرا يُنادي والد صديقه أو جاره `بابا`، إضافة إلى إحترام خاص للنّساء دون إقصائهنّ، فالنساء في تالة يُشاركن في الحياة العامّة بحضور و فعاليّة تفوق معدّل ذلك في `أرقى` الأحياء الأرستوقراطيّة في العاصمة.

لا أُبالغ إن جزمت أنّ تالة حاليّا أكثر المُدن أمنا على مستوى الجمهوريّة، و خير دليل على ذلك إحتضانها منذ أشهر لمهرجان هرقلة السينمائي الذي أُلغي في هرقلة لأسباب أمنية.

ألم يكن أحرى إذا بالقناة الوطنية التي يُموّلها دافع الضرائب التونسي أن تحترم ذكائه و تنقل له الواقع بموضوعية و تجرّد وأن لا تُحرّف الحقائق، ألم يكن أحرى بوريثة قناة سبعة أن تجول شوارع تالة لتتأكّد من كلّ وصف لواقع الحال عوض مُحاولة التوجيه الإعلامي الخشبيّ. أم أنّ الإعلام التونسي التقليدي لا يزال في خدمة بقايا نظام بن علي ؟ إنّ تاريخيّة اللحظة تُحتّم على الجميع أن يكونوا في حجم المسؤولية و لا يجب على الإعلام التونسي أن يقع في نفس الخطأ مرّة أخرى بعد تماديه في طمس الحقائق و الإنبطاح حتى 14 جانفي 2011. إنّ خطورة اللحظة الحاليّة تفوق أضعافا لحظة هروب بن علي، فالمُحاسبة التي بصدد التجسّد على يد السجين السياسي السابق، وزير الداخلية الحالي علي العريّض شرط أساسي لتحقيق المُصالحة مع رجل الأمن و لإنجاح الثورة التونسية.