مدينة بوسالم 25/02/2012

ماذا تعني لعنة الانتماء إلى مدن الداخل؟ تعني أنك إن كنت أحد المنتمين إلى مدن داخل الجمهورية فأنت ملعون بباسطة لأنه لا تتوفر لديك نفس حظوظ العيش المتوفر للمنتمين إلى المناطق الساحلية. و اللعنة التي تصيب هذه المناطق المغضوب عليها هي لعنة مزدوجة فمن جهة هناك لعنة الطبيعة و من جهة أخرى هناك لعنة الحكومات التي تتداول عن السلطة و إن إختلفت فهي دائما تفتقر إلى النظرة الاستشرافية للواقع و المتغيرات و لكنها تتشارك نفس سياسة التهميش و الامبالاة.

من أكثر المناطق الملعونة اليوم، معتمدية بوسالم من ولاية جندوبة التي تمثل في هذه الفترة أكثر مناطق الداخل تجسيدا للعنة ذلك لأنها تتألم من قسوة الطبيعة أولا،و هو ليس بالأمر الجديد، و من قسوة مسؤولينا السامين ثانيا، و هو كذلك ليس بالامر الجديد.

لعنة الطبيعة

الشمال الغربي، كنموذج لمناطق الداخل الملعونة و المحرومة، يعاني كل شتاء فهو أكثر مناطق الجمهورية برودة، إضافة إلى نزول الثلوج بكميات هائلة مما يشل حركة السير كما يتسبب في عزل المنطقة و العجز عن التزود بالمواد الأولية و الغذائية، و نقص وسائل التدفئة. أما بعد ذوبان الثلوج، يواجه الأهالي الفيضانات الناجمة عن هذا الذوبان التي تتسبب بدورها بانزلاقات أرضية، تسببت، هذه الفترة، في انهيار بعض المساكن في مدينتي طبرقة و عين دراهم.

في هذه الفترة، تضررت مدينة بوسالم من فياضانات وادي مجردة، حيث و صلت المياه إلى 3 أمتار داخل المنازل و هناك بعض المنازل التي غمرت بالكامل. حصيلة هذا الوضع الكارثي كانت حالة وفاة شيخ، عزل المدينة لبضعة أيام، إتلاف المحاصيل الزراعية، إضافة إلى الخسائر على مستوى البنية التحتية، و تضرر الأهالي الذين غمرت المياه مساكنهم، إنقطاع الكهرباء و الماء الصالح للشراب…

تضامنا مع أهالي بوسالم المنكوبين من الفيضانات وصلت عديد المساعدات و الإعانات من مواد غذائية و حشايا و أغطية صوفية و لكن “يا فرحة ما تمت” فكما جرت العادة مؤخرا، عند إرسال المساعدات مع حدوث كارثة طبيعية، فبعض المواد الغذائية التي وصلت المدينة كمساعدات تبين أنها مواد منتهية الصلوحية بعبارة أخرى فاسدة كفساد عقول من أرسلها، حيث لم يأخذوا على عاتقهم حتى التثبت منها قبل ارسالها.

” الحمد الله على كل شيء” فقد قدَر الله فقضى و لكن ماذا نفعل أمام ما يقدره لنا من يسعى لاهثا ليحكمنا و ما تقتضيه مصلحته العليا و أهواءه القيادية العمياء؟

لعنة الحكومة

فياضانات وادي مجردة لم تكن مفاجئة للحكومة، فقد عرف الوادي ارتفاع منسوب مياهه منذ بداية فصل الشتاء، و وقع تحذير متساكني بوسالم و المدن المجاورة لها، منذ ما يزيد عن الشهر، من إحتمال فياضانات كارثية حيث بدأ تزويد المدينة بالتجهيزات اللازمة لمواجهة الأزمة و وضعت في الملعب البلدي بما أنه ذا مساحة كبيرة و معروف أنه خارج مسار المياه في صورة فياضانها، كل هذا و الحكومة لم تتحرك إلا عندما أصبح البوسالمية و ما يملكون يسبحون في المياه الملوثة ( الميلوسي باللغة المحلية الشعبية) هذه المياه قد تخلف أمراض خطيرة و معدية إن لم تتم الوقاية فهي تجرف في سيلانها جثث الحيوانات و المنتوجات الفلاحية الفاسدة و الفضلات و الأوساخ…

موجة الإحتجاجات

بوسالم عشية اليوم 25-02-2012: إغلاق الطريق في مفترق الهادي خليل

منذ أيام خرج أهالي بوسالم في مسيرة سلمية شبه عراة و حفاة، غير مبالين بشيء سوى إيصال أصواتهم المنهكة بالألم، مطالبين الحكومة بضرورة التدخل العاجل و الجدي لإيجاد حل لهذه الكارثة الموسمية، رافعين شعارات تطالب بفتح تحقيق حول نهب الأموال التي كانت من المفترض أن تكون لإنجاز القنال، حيث عبروا عن ذلك بـ ” 17 مليار لإنجاز قنال لا يتجاوز طوله 20 صم” كما اشتكو من تهميش منطقتهم سياسيا و اقتصاديا و اجتماعي و حتى إعلاميا.

زيارة رئيس الحكومة حمادي الجبالي، زادت الطين بلة حيث تحولت التحركات السلمية إلى موجة إحتجاجات و ذلك لأن الجبالي زار بوسالم و لكنه لم يتجاوز بوابة الملعب المعشب، الذي نزلت فيه طائرته المروحية، تخوفا من موجة الإحتجاجات. هذا التصرف حز في نفس المحتجين الذين صعدوا الموقف لأن الوزير الأول لم يزر الأحياء المنكوبة ليرى بأم عينه كارثية المحنة و ليستمع إليهم.

لا أعرف لماذا يصعدون الوضع لهذا السبب؟ فالجبالي يؤمن بالمثل الشعبي القائل ” يا بخت من زار و خفف”، أجل إنه يؤمن به، فعندما زار مدينة جندوبة عندما تكاثفت طبقات الثلوج في الجهة ذهب إلى مقر الولاية و لم يغادره إلا عائدا إلى العاصمة و لم يكلف نفسه عناء التقدم قليلا ليشهد بنفسه ما يعانيه المواطن المسكين المضطر إلى التنقل وسط الثلوج.

موجة الاحتجاجات التي عرفتها مدينة بوسالم و صلت إلى حد احتجاز المعتمد منذ يومين في مقر البلدية، و الاعتداء بالحرق على كل من المعهد الثانوي شارع البيئة، و القباضة المالية، و مركز الشرطة، كما تم خلع مقر حزب حركة النهضة و نهبه إضافة إلى الاعتداء على محكمة الناحية بالنهب.

من تعليقات مستعملي الانترنات على الاحتجاجات

على شبكات التواصل الاجتماعي خاصة الـFacebook هناك من يتهم المحتجين بالتامر على الحكومة معللين ذلك بعدم وجود أعمال حرق و إتلاف للمرافق العمومية في فيضانات 2000 و 2002 و 2003 عندما كان بن علي في الحكم. أقول لكل من يردد هذه العبارات و يستعرض وطنيته و يمارسها من خلالها ” اسفة جدا لأنك لا تعلم شيئا عن تاريخ الجهة” لأنه في تلك الفترة كانت هناك حركة احتجاجية سرعان ما كتم صوتها عندما تم إيقاف المحتجين، إضافة إلى إيقاف ناشط على الأنترنيت أراد تنبيه الرأي العام لما يحدث في بوسالم، ليس هذا فقط بل حتى غير المسيسين شاركوا في الاحتجاجات فقد طردوا المشرفين على الانتخابات البلدية و حطموا صناديق الاقتراع عندما ارادت سلطات الجهة اجراء هذه الانتخابات أيام الفيضانات. فرجاءا لا تكونوا قضاء ثالثا من خلال اتهاماتكم الجارحة ففي النهاية كلنا توانسة.