غالبا ما تكون الارقام جوفاء لانها تخالف دلالة العدد ولكن تعود لها هيبة رمزيتها عند ارتباطها بالذاكرة الجماعية, هذا هو الحال في تونس اليوم, فبعد احياء ذكرى شهداء 9 افريل وما رافقه من قمع اذهل الجميع, كان للشعب التونسي موعد جديد مع لغة الارقام ليؤكد ان العدد رمز و الرمز حياة مليئة بأهازيج ثورة لم تكتمل بعد, هذه ملامح غرة ماي في مشهد إحتفالي اختلفت فيه الالوان والحساسيات السياسية والمدنية لتلتقي على ارضية واحدة و لتبرهن ان عيد الشغيلة في عمقه منظومة قيم مفادها ان الشغل والحرية هما مقومات الكرامة الوطنية .
لفتت انتباهنا عقب احداث ٩ افريل شهادة الناشط الحقوقي والكاتب العام لفرع منظمة العفو الدولية بتونس زهير مخلوف
حيث لم يتردد في ادانة القمع البولسي ساردا فصول الاحداث بدقة و نشر شهادته تحت عنوان :”رسالة مفتوحة قد تُغضب السيد علي العريض”

التقيت أحد مساعديك سيدي الوزير الذي كان يتواصل معك مباشرة وأعلمته بانّ سلوك البوليس اليوم كان قمعيّا بشكل مرعب وشديد وقد أعلمته باني تعرّضت الى أشدّ عنف وُجّه ضدّي منذ بدأت العمل الحقوقي من 16 عشر سنة ولم اتعرّض في عهد بن علي الى مثل ذلك الانتهاك حيث اعتدى عليّ أكثر من4 أعوان من قوات التدخّل في مستوى جنبي الايمن ووسط عمودي الفقري بأحذيتهم العسكريّة وقد ضربني أحدهم بمؤخرة بندقيّة القنابل المسيلة للدموع ولم يخلّصني منهم الا أحد أعوان أمن الدولة أو كوادرها الذي كان يعرفني جيدا منذ عهد” بن علي ” وقد فوجئت من ردّة فعل صديقي المحامي المسؤول الاداري بوزارتكم الذي حكيت له عن حجم القمع الذي سُلّط عليّ وعلى المواطنين على السواء في هذا اليوم المشهود . وقد تعاطى صديقنا مع الموضوع بشكل استغرابي وكانت الصدفة( بمعنى القدرة )كبيرة اذ وبمجرّد تجاذبنا الحديث في نفس السياق شاهدت أحد الشبان ممن كان يُعتدى عليه من طرف مجموعة من الأعوان بالهراوات والعصي وقد ناديت بكل قوّة على مستشارك الخاص وتوجهنا معا الى مسرح الاعتداء حيث وضعنا حدّا له تحت الطلب والالحاح وحُمل الشاب على السيارة عدد18312 وقد هاتفك مستشارك الميداني حينها مباشرة ويا خيبة المسعى اذ استمرّ القمع بنفس القوّة ونفس درجة العنف. فعلى الساعة الثالثة والنصف شاهدت مشهدا مرعبا حيث انهال مجموعة من الأعوان بالضرب على شابين وقع اعتقالهما وقد طالبت الأعوان بكل لطف بان يوقفوا تعذيبهما وانتهاك حرمتهما الجسديّة وقد سلمت بطاقة تُثبت صفتي ككاتب عام منظمة العفو الدوليّة لاحد كوادر الأمن وما راعني الا انه يمزّق البطاقة ويوجّه لي كل النعوت القذرة والسب والشتم مستهدفا امي ووالدي ومنتهكا عرضي ومتهجّما عليّ كالوحش الكاسر وكان يرغب في الاعتداء عليّ لولا انّي انسحبت بهدوء . وبالصدفة التي اأكّد انها القدرة التقيت من جديد بصديقي المحامي الذي يعمل مراقبا ميدانيّا ومستشارا خاصّا لك والذي أظنّه قد شاهد الحادثة وقد تجنّبت الارباك والتشنّج الحاصل بطلب من مستشارك الميداني وانسحبت غير مصرّ على متابعة المعتدي الذي قام بتوجيه غليظ الكلام وأقذعه اليّ وتمزيق بطاقة هويّة منظمة العفو الدولية….

على ضوء ذلك قررنا مرافقته في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة خلال الاحتفال بعيد الشغل لنرصد ولنوثق قراءته وانطباعه عن سير الاحتفالات. في طريقنا الى زهير مخلوف التقينا ب ضابط الشرطة سمير الفرياني الذي عبر لنا عن احساسه بالمرارة رغم مشاركته عامة التونسيين احتفالهم بعيد الشغل إذ أنه لا يزال موقوفا عن العمل ومحروما من جرايته منذ 2 فيفري 2012 اثر كشفه عن المتورطين في قمع المتظاهرين ايام الثورة, و سالناه عن تقيمه للانتشار الامني في شارع الحبيب بورقيبة فابلغنا ان توزيع الوحدات الامنية عادي رغم ما لاحظه من وجود وحدات متنقلة.
علما انه من ابجديات التخطيط الامني عدم تحرك وحدات الامن اثناء المظاهرات لأنّ ذلك قد يستفزّ فئات من المتظاهرين.
مع بداية وفود الجماهير من ساحة محمّد علي و أنهج العاصمة المجاورة نحو شارع الحبيب بورقيبة قابلنا زهير مخلوف و بدأت رحلتنا معه من أمام المسرح البلدي, حيث كانت اولى الشخصيات التي استدعت وقوفه ليقدمه لنا هو الشيخ صالح بن عبد الله أحد مؤسسي حركة النهضة و الذي أكّد على ضرورة الفصل بين 4 كيانات مستقلّة عن بعضها و هي الدولة, الحكومة, الحزب ثم الحركة. كما أكد الشيخ على وجوب انتقال قواعد حركة النهضة من اطار خدمة التنظيم الي اطار خدمة الدولة و حذّر في السياق ذاته من معظلة اختزال الدولة في الحزب و دعى أعضاء النهضة أن يستنفروا جهودهم لبناء تونس تتّسع لجميع أبنائها.
بعد ذلك تواصلت رفقتنا لزهير مخلوف في خضمّ الإحتفالات و إلتقينا بالمُحامي الأستاذ مراد النوري أحد مؤسسي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أحاطنا علما بتفاصيل ما حصل من إعتداء ضدّ الأستاذ عبد الرؤوف العيادي يوم الأحد الماضي في مدينة قابس و أبلغنا الأستاذ النوري أن الإعتداء الذي نفذته ميليشيا قدمت صحبة عناصر أمن يحمل أبعادا و خلفيات سياسية, مشيرا أن مثل هاته الممارسات تذكّر بأسلوب نظام بن علي في التعامل مع معارضيه.


بعد ذلك التقينا عدة شخصيات نقابية و سياسية أبرزها النقابي جمال السويسي الذي تجمعه بزهير مخلوف مسيرة نضالية مشتركة ثم قابلنا عضو الهيئة التاسيسة لحركة النهضة السيد صلاح الدين العلوي الذي حدثنا عن وقائع احراجه لنظام بن علي عندما نشر اعلانا لبيع ابنائه تعبيرا منه عن رفضه بيع تونس لقوى خارجية . ثمّ التقينا بالمناضل النقابي أحمد الكحلاوي الذي رأى أنّ تحقيق الوفاق الوطني في تونس هوالخطوة الأولى لإنجاح المسار الثوري في العالم العربي. على إثر ذلك حملتنا مسيرتنا لشقيق الشهيد فيصل بركات السيد جمال بركات الذي رجع بنا الى ذاكرة خرساء تحمل مشاهد استفزازية لتعذيب تعرض له شقيقه منذ عشرين سنة و إلى الآن لا يزال المسؤولون عن الجريمة مفلتين من العقاب رغم تأكيد الرئيس المؤقت منصف المرزوقي يوم 26 مارس 2012 في لقاء مع عائلة الشهيد على ضرورة إنصافه ومعالجة قضيته في إطار منظومة العدالة الإنتقالية.
و من صديق الى اخر تعود شخصيتنا في كل مرة لمتابعة الفعاليات من خلال تصوير رقمي يقاطعه في كل مرة سلام حار مع احد مكونات المجتمع المدني أو بعض مساجين الرأي سابقا الذين تجمعه بهم عديد المواقف و الذكريات، و مع كل لقاء يستدعي فضول عديد المواطنين للتوقف و الاستماع لحواراته مع أصدقائه و محدثيه …
يطول الحديث و يتضاعف عدد المنصتين و تتعالي مجددا أصوات المتظاهرين بعديد الهتافات و الشعارات و بين موجات التصفيق أحيانا و التهليل و التكبير أاحيانا أخري و بين تسارع أقدام الصحفيين من هنا و حشحشة بالونات الأطفال من هناك تأكدنا اليوم أن ما يحدث في تونس وهي تحتفل بعيد الشغل العالمي هو فعلا دلالة العدد… هو احتفال بالمواطنة …. هو تأكيد بأن تصحيح المسار معادلة مفادها قبول الاختلاف و هو حق التعبير.