رويترز - تصوير زهير السويسي

بقلم عبد الرزاق قيراط،

تتعرّض تونس هذه الأيام لهجمتين شرستين واحدة من السلفيّين و ثانية من التجمعيّين. خطران يهدّدان مستقبل البلاد و العباد، و نجاح أحدهما كاف لنسف أساسات الانتقال الديمقراطيّ و تقويضها.

التجمّعيون بكلّ أطيافهم يكافحون للعودة إلى السلطة من باب الديمقراطيّة الذي فتحته الثورة على مصراعيه بعد سقوط مئات الشهداء برصاص الاستبداد. و السلفيّون لا ينتظرون الحصول على تلك السلطة بل يمارسونها على الأرض لأنّهم غير مستعدين لانتظارها حتّى يتسلّموا مقاليدها بواسطة الانتخابات و صناديق الاقتراع و هي القواعد الديمقراطيّة التي لا يؤمنون بها، فيجاهرون بكفرهم حيالها أو ينافقون باعتناقهم لمذهبها إلى حين.

في الأيام الأخيرة، وقعت أحداث تثبت أنّ السلفيّين أو طائفة منهم على الأقلّ بدأت تتحوّل إلى سلطة تنفيذيّة. هم متشدّدون عند البعض و هم وهّابيّون أو جهاديّون عند البعض الآخر، و جميعهم تونسيّون كما يقول وزراء هذه الحكومة و يقترحون محاورتهم عوض سجنهم أو إقصائهم.. و يفسّرون ظهورهم بالسياسة التي مارسها بن علي لتجفيف المنابع عندما قضى على دور المساجد في نشر القيم الوسطيّة المتسامحة و فتح المجال أمام ترعرع المتشدّدين الذين أينعت رؤوسهم و هم ينهلون معرفتهم بالدين من القنوات الفضائيّة و ما تبثّه من أفكار لم تعهدها الأجواء التونسيّة. الخطرالآخر، أنّ هؤلاء السلفيّين منقسمون إلى جماعات لا تعرف للحوار سبيلا بين أفرادها من أجل التوافق و التفاهم، وقد نقلت إذاعة خاصّة منذ أيام معركة كلاميّة بين شيخين أحدهما وُصف بأنّه حبشيّ و الآخر وهابيّ، و لكنّ الصفة التي برزت أكثر هي الكفر و النفاق. تهمتان تراشق بهما الشيخان بعد الموقعة التي حدثت بمسجد بلال في مدينة سوسة حيث هاجمت مجموعة مسلّحة روّاده، مستعملين الغاز والعصي والسواطير، مما تسبّب في سقوط جرحى نقلوا إلى المستشفى.

هذه المعارك وقعت في مساجد كثيرة و من بين نتائجها إعلان وزارة الشؤون الدينيّة أنّ 500 مسجد خارجة عن سيطرتها و فيها خطباء يدعون الشباب إلى الجهاد في سوريّة. و قد لبّى العشرات دعوتهم. و بالإضافة إلى المساجد، اندلعت معارك أخرى حول الخمّارات في رغبة عاجلة لتحريم شربها و بيعها… و كلّ هذه الأحداث صارت تثقل كاهل الناس الذين أصبحوا ينظرون إلى السلفيّين دون تمييز بين مسالمين دعاة حوار و إرهابيّين يمارسون العنف و يريدون فرض الشريعة بالقوّة. و هم لا يرهبون الناس بمظهرهم و لباسهم كما يعتقد بعض السطحيّين بل بأفكار تعشّش في رؤوسهم، و ترتكز على إقصاء الآخر بتكفيره تنظيرا و تشريعا و تأديبه تفعيلا و تطبيقا، دون الرجوع إلى مؤسّسات الدولة التي يرجع لها وحدها دور الحساب و العقاب. و كلّ ذلك دعا وزير العدل إلى تغيير اللهجة لينبّه الخارجين عن سلطة القانون بقوله: “انتهت الفسحة…لن نسمح بإقامة دولة داخل الدولة”. فهل سينجح هذا التنبيه في إخماد تلك الفتن الصغيرة قبل أن تتسع دائرتها و تتحوّل إلى حرب حقيقيّة لا قدّر الله؟

الخطر الثاني مأتاه التجمّعيّين و هم مثل السلفيّين يدعوننا إلى أن نميّز بين طوائفهم فمنهم المخطئ الذي شارك الجرم في بن علي جرمه، و منهم البريء النظيف الذي كان يقوم بواجبه مثل أيّ موظّف من موظّفي الدولة. و قد انتفضوا في الأيام الأخيرة فأزبدوا و هدّدوا بالنزول إلى الشوارع احتجاجا على مشروع القانون الذي تقدّمت به كتلة المؤتمر من أجل الجمهوريّة إلى المجلس التأسيسيّ لإقصائهم عن المشاركة في الحياة السياسيّة مدّة خمس سنوات أو أكثر عقابا لهم على جرائمهم في حقّ الشعب التونسيّ. و اعتبر فوزي اللومي رئيس الحزب الوطني التونسي إقصاء التجمّعيين مرّة أخرى بمثابة عمليّة التطهير العرقي المنافي للاتفاقيّات الدوليّة التي وقعت عليها تونس مهدّدا بتقديم الشكاوى إلى الهيئات و المنظّمات العالميّة للدفاع عن حقّه و حقّ التجمعيين في دخول الانتخابات القادمة، و هو ينكر جميع التهم التي تعتبر حزب التجمّع شريكا في الجرائم التي ارتكبها نظام بن علي.

و جملة ما تردّ به الحكومة على لسان أعضائها أنّ التجمعيّين يستغلّون بوقاحة حِلم الشعب التونسيّ و تسامحه معتقدين انّه سيسمح لهم بالعودة إلى السلطة، و قد دعا لطفي زيتون رجال بن علي إلى الابتعاد عن السياسة لحماية البلاد من الفوضى و العنف مؤكّدا أنّ المدن التونسيّة ليست كلّها مثل المنستير، فصفاقس طردتهم و مدن أخرى مثل تالة و القصرين قد تنتقم لشهدائها منهم على مبدأ السنّ بالسنّ… و هكذا فإنّ عودة التجمعيّين إن سمح لهم بالعودة السريعة من شأنها أن تعقّد الأمور نحو مزيد من التوتّر الذي لا تحمد عقباه.

و خلاصة ما تقدّم تؤكّد لنا أنّ التجمعيّين و شقّ كبير من السلفيّين يريدون لتونس ردّة عن مسارها الديمقراطيّ و انقلابا على ثورة شعبها، ظاهرهم يبدو مختلفا و لكنّهم في الحقيقة وجهان لعملة أو عمالة واحدة. لذلك نقول إنّ موسم قطاف الرؤوس بشكل أو بآخر قد حلّ، نأباه قطافا بلغة الحَجّاج و نريده قِطافا بلغة الحِجَاج و الحوار و القانون. و لكنّ أمثال الحَجّاج الذي قطع الرقاب و سفك الدماء يعيشون معنا في هذا الوطن و نتمنّى أن لا يجرموا أبدا في حقّ أبناء هذا الشعب مهما كان انتماؤهم، و نأسف لما بدأ يظهر من العنف المنظّم كحقيقة ميدانيّة بين السلفيّين المنقسمين إلى جماعات تكفّر بعضها بعضا و يُتّهم شقّ منها بالمرور من مرحلة التنظير والتكفير إلى مرحلة التفجير! فتونس لا يستحقّ شعبها تفجيرا للوضع الذي يشهد اضطرابات سياسيّة و اجتماعيّة مستمرّة، و لا يحتمل الدخول في دوّامة من العنف على نطاق واسع. و عليه فإنّ الحكومة و المجلس التأسيسيّ و القضاء و المجتمع المدنيّ ووسائل الإعلام، كلّ هذه المؤسّسات هي الآن أمام التحدّي الأكبر الذي يتمثّل في معالجة حكيمة لخطر يأتي من دعاة الردّة إلى ما قبل الثورة.