“إن الذين يقرءون التاريخ ولا يتعلمون منه أناس فقدوا الإحساس بالحياة، وإنهم اختاروا الموت هربًا من محاسبة النفس أو صحوة الضمير والحسّ”
أرنولد تُوينبي (مؤرّخ و باحث بريطاني)

أحيا التونسيون أوّل أمس العيد في أجواء إحتفاليّة عمّت أنحاء الجمهوريّة، و من أهمّ مقاصد عيد الفطر تحقيق التكافلُ الإجتماعيّ فبعد أن يحسّ ميسور الحال أثناء صيام شهر رمضان بجوع و عطش الفقيريكون نظريّا في إستعداد نفسيّ لمساعدة المحتاجين، لكنّنا للأسف لم نرقى إلى هذا المستوى في تونس، إذ شاب العيد نكران الجميل تجاه عائلات الشهداء و الجرحى من الرديّف 2008 مرورا بسيدي بوزيد 2010 و تالة و القصرين 2011.

هل تعلمون مثلا من هو حسني بن أحمد بن البشير قلعية ؟

هو أمضى العيد لوحده في مصحّة خاصّة أُدخل لها بعد ضغوطات و طلبات ملحّة من طرف مُتطوّعين لدى مؤسّسات الدولة، يحتاج إلى عمليّة جراحيّة دقيقة و لا يدري من سيتكفّل بمصاريفها، مُحتاج ماديّا و يفتقد للرعاية النفسيّة، لكن ألا تعلمون من هو ؟ إنّها لكارثة و طامّة كبرى أن نجهل أهمّ مراحل تاريخ بلادنا الحديث و أن نجهل لمن ندين بالمعروف في هامش الحريّات المُتاح بعد 14 جانفي.
قديما قال أحد الحكماء “الأمة التي تجهل تاريخها ليس لديها حاضر ولا مستقبل”، هذا فيما يتعلّق بالتاريخ البعيد فما بالك بالتاريخ القريب فضلا عن أن تكون ثورة خلّصت الشعب التونسي من أغلال الديكتاتورية و قلبت موازين القُوى في العالم بأسره.

خلال الثورة و بعد أن انتقل الزخم الإحتجاجي من سيدي بوزيد و بوزيّان إلى مدينة فريانة و تالة بولاية القصرين إندلعت الإحتجاجات بقوّة في القصرين من حيّ المنار و حيّ السلام تحديدا، لكن لماذا حيّ السّلام بالذّات في حين أنّ الوضعيّة في حيّ الزهور و حيّ النور و حيّ الكرمة كانت المُرشّحة للإنفجار بحكم الإحتقان السّائد هنالك.

هل تعلمون ما الذي جعل الزخم الثوري يبدأ إذا من حيّ السّلام بالذات ؟

القادح المباشر للمسيرات العفوية التي انطلقت يوم 7 جانفي 2011 كانت حادثة إحراق شابّ نفسه بعد تعرّضه للضرب المبرح من طرف قوّات الأمن، خرجت المسيرات من أمام منزل هذا الشابّ بعد أن حاول عبثا وفد من التجمعيّين إقناع عائلته بالخروج إلى الشارع لتهدئته في مقابل إغراأت ماديّة لامتناهية، بدأ خلال هذه المسيرات ركب الشهداء إذ سقط أكثر من 30 شهيدا بين تالة و القصرين، علما أنّ هذا الشابّ الذي أحرق نفسه وُلد في حيّ النجّاريّة بمدينة تالة قبل إنتقاله للعيش بمدينة القصرين.

حسني بن أحمد بن البشير قلعية أصيل حيّ السلام بمدينة القصرين، هو بوعزيزي القصرين الذي لم يمُت. قُدّر له أن يعيش بعد أن أحرق نفسه يوم 7 جانفي 2011 مع الثالثة صباحا إثر إعتداء بالعنف الشديد تعرّض له من طرف الشرطة بقيادة الضابط وسام الورتتاني، كان الإعتداء الثاني الذي يتعرّض له من طرف نفس الضابط الذي حرص هذه المرّة على الإمعان في إهانته، فكان ردّ فعله أن سكب على نفسه 4 ليترات من البنزين و إتّجه نحو جلّاده بنيّة إشعال نفسه ثمّ إحتضانه، لكنّ القدر شاء عكس ذلك، إذ قطعت سيّارة الطريق بينه و بين وسام الورتتاني و في الأثناء و في ظرف ثمانية ثواني تقريبا أُغمي على حسني قلعيّة. كانت تلك الشرارة التي جعلت الثورة تنتقل للقصرين.

إثر ذلك كانت رحلة حسني قلعيّة صحبة ألوان من المرارة و أصناف من الآلام، أمضى ثمانية أشهر في غيبوبة، نجى بعدها بأُعجوبة من الموت، أجرى عمليّة زرع للجلد في محيط الجمجمة، بُترت أصابع يده اليمنى الخمسة و تعرّض سائر جسده لتشوّه حادّ مع تلف جهازه التنفّسيّ.

عائلته عاشت معه المأساة، فبعد أن رفضوا التفاوض مع وفد من المسؤولين أرسله لهم بن علي، أمضت أمّه ليالي خارج مستفى بن عروس للحروق و الإصابات البليغة تقاوم برد ليالي جانفي محتضنة عزّة نفسها و متعفّفة عن طلب المعونة.

جريح الثورة حسني قلعية قبل إحراق نفسه

جريح الثورة حسني قلعية قبل إحراق نفسه

⬇︎ PDF

كان لي شرف زيارته يوم العيد في مصحّة “القديس أوقوستان” في العاصمة، ذرفت عيناه اللاتي لا يستطيع إغلاقهما دموع القهر، إذ أبلغني أنّ المصحّة تضمّ جرحى ثورة ليبيا و أنّ وفودا زارتهم يوم العيد حاملين أعلام ليبيا في حين أنّه هو أمضى العيد لوحده يعتصره الإحساس بالغبن. حدّثني عن رفضه محاولة حزب نداء تونس ابتزازه عبر طلب تسجيل شريط فيديو معه في مُقابل التكفّل به و بعائلته.

أبلغني الشهيد الحيّ حسني قلعيّة كذلك أنّه تعرّض أثناء علاجه بمستشفى بن عروس للتهديد بالوكالة من طرف ضابط أرسله له المسؤول عن مأساته وسام الورتتاني، الذي حُكم ب15 سنة سجنا في قضيّة شهداء و جرحى تالة و القصرين، و هذا نصّ حكم المحكمة العسكريّة بالكاف ضدّ وسام الورتتاني، علما أنّ جريح الثورة حسني قلعيّة يعتبر أنّ هذا الحكم لا يتناسب مع حجم الأضرار التي ألحقها به لوحده فضلا عن بقية أهالي القصرين.

⬇︎ PDF

عائلات الشهداء تعتصم أمام المحكمة العسكريّة بصفاقس

انطلق يوم العيد إعتصام عائلات شهداء دقاش بتوزر أمام المحكمة العسكرية بصفاقس دوافعه

مواجهة تلاعب القضاء العسكري و مماطلته في تعيين جلسة بهم و محاسبة قاتل أبنائهم
فالمناسبات لاطعم لها وقيود الظلم مازالت تعيق تحقيق العدالة
فاليسقط الظلم وبآلامنا و نضالنا نقيموا ميزان العدالة

انضمّ للإعتصام المفتوح عائلات شهداء تالة و عدّة مناطق من الجمهوريّة، مطالبين بتفكيك قضايا شهداء الثورة جغرافيّا و معلنين تقييمهم السلبيّ لآداء القضاء العسكريّ.

من جهة أخرى إتّصلت بأنور السعداوي أخ الشهيد وليد السعداوي أصيل حيّ الزهور بمدينة القصرين فأبلغني أنّ “من قتل أخاه إنّما قتل عائلة كاملة معه لازالت لم تُفق من صدمة خسارة إبنها نظرا لإفلات القتلة من العقاب ” أمّا جريح الثورة وائل القرّافي فيرى أنّ دماء الشهداء و الجرحى أنبتت زهورا لكنّها ذابلة و يجب تغيير الورود بأزهار طيّبة تليق بحجم التضحيات التي قُدّمت من أجل تونس.

هذا هو واقع الحال في ونس فعن أيّ عدالة إنتقاليّة يتحدّث المسؤولون ؟