نشرنا في السّابق تحقيقا موثّقا حول قضيّة الشهيد أمين القرامي و عرضنا حُججا حول تورّط قنّاص من الجيش الوطني في جريمة قتل الشهيد أمين القرامي يوم 17 جانفي 2011 بمدينة بنزرت، إلى جانب تفاصيل تطرح أكثر من تساؤل حول أسباب بقاء المتّهم في حالة سراح و مباشرا لمهامّه إلى الآن.

قبل إستعراض التسلسل الزمني لأطوار القضيّة و مآلها نضع اليوم بين أيدي قرّائنا وثائق أخرى تُنشر لأوّل مرّة متعلّقة بقضيّة الحال و هي القرار الصّادر عن دائرة الإتّهام العسكرية بمحكمة الإستئناف بتونس بعد جلستها المُنعقدة بحجرة الشّورى يوم الإربعاء 14 مارس 2012.

⬇︎ PDF

نلاحظ بدايةً في قرار دائرة الإتّهام إقرارا بأنّ المُتّهم الوكيل أوّل بالجيش الوطني محمد السبتي مبروك بحالة سراح و أنّه مُتّهم بالقتل العمد وفق الفصل 205 من المجلّة الجزائية.

علما أنّه طبق الفصل 205 (نقح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989) يعاقب مرتكب قتل النفس عمدا بالسجن بقية العمر في غير الصور المقررة بالفصول المتقدمة.

يسترسل قرار دائرة الإتّهام مفصّلا أطوار التحقيق :

و حيث جاء بالتقرير الطبي الصادر عن الحكيم أنيس بن خليفة رئيس قسم الطبّ الشرعي بالمستشفى الجهوي الحبيب بوقطفة ببنزرت بتاريخ 22 مارس 2011 أنّ وفاة الهالك أمين بن حسين القرامي ناتجة عن كسر بالجمجمة بواسطة رصاصة أُطلقت عليه بدقّة كبيرة من فوهة سلاح ناري أصابت الرأس من الجهة اليُسرى…

تضيف الوثيقة حول الوكيل أوّل محمد السبتي مبروك أنّه :

تمّ تعيينه خلال الفترة الممتدّة بين يومي 14 و 17 جانفي 2011 لمواجهة أيّ تدخّل خارجي من شأنه إلحاق الأذى بالمنشأة و تنفيذا لتلك المهمّة فقد منح الوكيل أوّل المذكور بندقية قناصة نوع “إس إس جي” عيار 7.62 مم مع ذخيرة تعدّ 20 خرطوشة و بإنتهائه من المهمة التي كلف بها أرجع لمغازة الأسلحة عدد 15 خرطوشة حيّة مع عدد 05 ظروف من نفس العيار قسيمة (1 HP N 89 51 مم 7.62 مم).

و حيث جاء بتقرير الخبير لدى الإدارة العامّة للذخيرة و الأسلحة تحت عدد 28878 بتاريخ 26 ماي 2011 المُضاف للملف أنه بإخضاع الشظيتين المحجوزتين للإختبارات الفنية اللازمة فقد تعذر معرفة نوع الخرطوشة التي تتبعها و عيارها أو السلاح المستعمل أو الجهة المخول لها إستعمالها تبين بمعاينتهما نظرا لصغر حجمهما و عدم إشتمالهما على أيّة تنصيصات أو أخاديد

اللّافت للإنتباه عند ذكر قرار دائرة الإتهام لشظيتي الرصاصة التي أردت الشهيد أمين القرامي قتيلا أنّ الدائرة إعتمدت تقرير إدارة الشرطة الفنية و العلمية، مصلحة التحاليل و الإختبارات، قسم الأسلحة و الذخيرة و غضّت الطرف عن الإختبار الباليستي الذي أشرف عليه القضاء العسكري.

إثر ذلك ورد رأي دائرة الإتّهام كما يلي :

و حيث يُستخلص من مُجمل ما سلف بيانه أنّه في تاريخ الواقعة و بينما كان الهالك عون السجون أمين القرامي يضطلع بعمله في حراسة أحد المساجين بالمستشفى الجهوي الحبيب بوقطفة ببنزرت إذ إستمع لصدى طلقات نارية بخارج الغرفة المخصصة لإقامة و علاج المساجين و باقترابه من نافذتها المطلّة على الجهة الخلفية للمدرسة التقنية لجيش البرّ لإستجلاء الأمر أصابه المتّهم الوكيل أوّل محمد السبتي مبروك أثناء قيامه بتأمين حماية المنشأة بعيار ناري برأسه ليُرديه قتيلا على عين المكان.

و حيث أنّ المتّهم و لئن كان في تاريخ الواقعة معينا في واجب حماية المنشأة و المحافظة على أمنها إلّا أنّه كان عليه عند إستعمال سلاحه أخذ الإحتياطات اللّازمة و أن يقوم بإطلاق النّار بصفة إعتباطيّة صوب مكان تواجد الهالك و ذلك لا لشيئ إلّا لكونه تشكّك في أمره بكونه من بين العناصر المسلّحة التي شاع خبر تسلّحها و إنتشارها بالجهة علما و أنّ السلاح الذي كان بحوزته إنّما هو من النوع الفائق الدقّة و الذي يصعب معه الإخفاق في بلوغ الهدف المنشود خاصة و أنّ المتهم في قضية الحال إنّما هو من المختصين في الرماية بواسطته.
و حيث أنّ تعمّد المتهم إطلاق النار من فوهة سلاحه بكلّ دقّة نحو النافذة التي كان يُطلّ منها الهالك و إصابته برصاصة في رأسه مما تسبب في إزهاق روحه على عين المكان و هو الأمر الذي يوفر ضده الأركان القانونية لجريمة القتل العمد طبق أحكام الفصل 205 من المجلة الجزائية.

و حيث تأيّدت الأفعال المنسوبة للمتهم بإقراره الصريح بتوليه إطلاق النار صوب نافذة المستشفى المقابلة له عندما شاهد الهالك خلفها و هو يتطلّع برأسه إلى خارجها لإشتباهه في أمره بكونه من بين العناصر المسلحة المتواجدة يومها بمحيط الثكنة و بما أكّده شهود الواقعة الذين كانت إفاداتهم متظافرة و بما أثبتته الوثائق الطبية المظروفة بالملف التي تُفيد جميعها و أنّ الوفاة كانت نتيجة إصابة الهالك بعيار ناري برأسه و بما تم حجزه من شظايا تابعة لغلاف الرصاصة التي تعرّض لها الهالك و تمّ إستئصالها من مكان الإصابة من قبل الطبيب الشرعي.

و لهاته الأسباب

قرّرت الدائرة قبول مطلب الإستئناف شكلا و رفضه أصلا و تأييد القرار المطعون فيه و توجيه تهمة القتل العمد على المتهم الوكيل أول بالجيش الوطني محمد بن السبتي مبروك و إحالته تبعا لذلك و على الحالة التي هو عليها صحبة ملف القضية و المحجوز على الدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية العسكرية الدائمة بتونس لمقاضاته من أجل ما ذُكر طبق أحكام الفصل 205 من المجلة الجزائية.

بُعيد جلسة 3 أكتوبر 2012 في قضيّة الشهيد أمين القرامي حاورنا الأستاذ شرف الدين القلّيل محامي عائلة الشهيد الذي أبلغنا أنّه حضر للجلسة بالمحكمة الإبتدائية العسكرية الدائمة بتونس و كانت الأطراف الأربعة لسان دفاع القائمين بالحقّ الشخصي، لسان الدفاع المتّهم، المحكمة، و النيابة العمومية العسكرية كلّهم جاهزون و أنّ القضيّة مهيّئة للفصل، ففوجئ محامو عائلة الشهيد بقرار المكلّف العام بنزاعات الدولة الذي طلب تأخير النّظر في القضية و أشار الأستاذ القلّيل أنّ هذا الموقف كان إستثناءً بالمقارنة مع بقيّة قضايا شهداء و جرحى الثورة حيث أنّ المكلّف العام بنزاعات الدولة عادة ما يُفوّض النظر و لا يتجاوز صفته كمؤتمن على المال العام و كمحامي المجموعة لوطنية و مؤسّسات الدولة، و قد أبلغ مُحامو لسان دفاع القائمين بالحقّ الشخصي للمحكمة إستغرابهم من طلب المكلّف العام بنزاعات الدولة، كما تساؤل الأستاذ القلّيل عن أسباب بقاء المُتّهم بحالة سراح رغم خطورة التّهمة الموجّهة إليه و هي القتل العمد في حين مثلا بقيت بالسجن أكثر من سنة المتّهمة ب”العنف الشديد المسلّط من طرف موظّف عمومي” ضدّ المتظاهرين و هي نائبة رئيس مركز تالة “ربح سمّاري”، و في حين أنّ متّهمين بمحاولة القتل لا يزالون مودعين في السّجن . من جهة أخرى و إستشرافا لجلسة 31 أكتوبر 2012 في نفس قضيّة الشهيد أمين القرامي دعى الأستاذ شرف الدّين القلّيل القضاء العسكري أن يكون في مستوى المرحلة و المسؤولية التي تضع الجميع في موقع كتابة صفحة من صفحات تاريخ تونس و إنتاج فقه قضاء جرائم نظام.

يوم 30 أكتوبر 2012 إنعقدت الجلسة الأخيرة في قضيّة الشهيد أمين القرامي و قرّرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية العسكرية الدائمة بتونس حجز القضيّة للتصريح بالحكم إثر الجلسة، ليصدر الحكم 5 سنوات مع تأجيل التنفيذ.

على خلفيّة ذلك إلتقينا بوالد الشهيد أمين القرامي، السيّد حسن القرامي، الذي عبّر عن إحباطه من الحكم القضائي و عن إستيائه من آداء القضاء العسكري كما تساؤل عن أسباب تمتيع المتّهم بشبه حصانة ديبلوماسيّة.