yassine-brahim

صرّح السيّد ياسين ابراهيم المدير التنفيذي للحزب الجمهوري والوزير السّابق في الحكومة الانتقالية الثانية التي شكّلها رئيس نداء تونس ، لصحيفة المغرب ليوم الجمعة 14 ديسمبر 2012 في حوار مطوّل ومن ضمن عدّة نقاط اخرى مارس فيها التعالي السياسي والحزبي على حلفائه الممكنين وخاصّة الاحزاب الصغرى بحساب الارقام الانتخابيّة والنيابيّة، واظهر فيها عدم تعلّم درس التشرذم، انّ الجمهوري يدعو الى ترشيح السيّد الباجي قائد السبسي الى رئاسة الجمهوريّة في مرحلة انتقاليّة ثالثة في صورة ما لم تنجز الانتخابات في موعها المقترح من قبل الحكومة وهو جوان 2013.

وقد ردّ نداء تونس التحيّة بأجمل منها على صفحات نفس الصحيفة بان اشترط قبوله بترأّس رئيس الحزب للجمهوريّة في المرحلة الانتقالية الثالثة بضرورة وجود وفاق يشبه الاجماع حول شخص السيّد الباجي .وكأنّي بهم يتقاسمون ما ليس لهم ،ويحدّدون مستقبل شعب بالنيابة عنه دون الاخذ برأيه ، فهل يتكرّم السيّد الوزير الاسيق ان يخبرنا كيف سيتمّ اختيار مرشّحه للرئاسة في الفترة الانتقاليّة الثالثة، هل سيتمّ دعوة الشّعب الى انتخابات عامّة لاستشعار حالة الوفاق التي يشترطها حزب النّداء حول زعيمه ؟ ام ترى نخبتنا السياسيّة بقيادة السيّد المدير التنفيذي لنداء للجمهوري ستعيد تشكيل الهيئة العليا مرّة اخرى ليقتسموا فيما بينهم ما فاتهم من الكعكة الاولى ؟ ام تراهم سيرّشحون على المجلس التأسيسي المنتخب في المرحلة الانتقاليّة الثانية باغلبية نهضاويّة ، ليعيّن رئيسا اجماعيّا في المرحلة الانتقاليّة الثالثة ؟

هل يظنّ السيّد الأنيق انّ تونس مخبر تجارب، وانّ التونسيين سيظلّون دوما في حالة انتظار من انتقال الى انتقال؟ أيظنّ ساستنا الذين أغمضوا نصف عين عن الشرعيّة المتآكلة، وصموّا نصف أذن عن أهات شعب عذّبته تلك الشرعيّة ، انّ الشعب التونسي وان واتته الفرصة سيعيد تسليم مقاليد الحكم لمن أفل نجمهم ، ولمن وضعتهم الظروف ، ظروف قلّة الوعي والتجربة السيايّة ، ظروف الاعماء المتعمّد لنا عن حقيقة الاحداث بعيد 14 جانفي وحتى يومنا هذا ؟

اعتقد أنّ على السيّد ياسين بن براهيم ، ومن خلفه الجمهوري بكلّ رموزه ، وانتصاراته للمسألة الديمقراطيّة ، وبكلّ أخطائه وانكساراته الحكوميّة والإنتخابيّة ، ان يعوا الدرس جيّدا هذه المرّة و أن يتحلّوا مرّة واحدة بجرأة سياسيّة كاملة في وضع خياراتهم الإستراتيجيّة والتكتيكيّة . واعتقد انّهم كغيرهم من رموز المعارضة التي سمحت للترويكا بعيد 23 اكتوبر 2012 ( بعد سنة من انتخاب المجلس) بالمرور من مأزق انقضاء الشرعيّة الإنتخابيّة والمشروعية القانونية والأخلاقية لأغلبيتها ، بأقل الأضرار ، وتبييض صفحة اخطائها وجرائمها الحقوقية والسياسيّة والإجتماعية في حق أبناء الشعب ، بعد حجّة ( بفتح الحاء) وحجّة ( بضمّ الحاء) امكانيّة تغيير وزاري ، قد فقدوا جزءا كبيرا من شرعيّتهم النضاليّة ومن التصاقهم بهموم وابناء الشعب وفوّتوا على تاريخ تونس فرصة الإنتقال بالمسار الثوري الى مستواه الثاني الذي كان من الممكن ان يسمح بانجاز تغييرات اكثر عمقا واكثر جذريّة في التركيبة السياسيّة والإجتماعيّة للجمهوريّة التونسيّة الثانية .

سادتي قالت العرب قديما ، لا يلدغ مؤمن من جحر مرّتين ، وقد لدغت نخبنا شعبنا مرّة لمّا سلّمته تحت ناظري الباجي وحكومته ، وتهافت الخطاب والسّلوك الإنتخابوي لساستنا و احزابهم ومنهم الديمقراطي التقدّمي بكلّ رمزيّته، الى أغلبيّة النهضة المشكوك بامرها والتي مارست اغلبيّتها بغطاء تصويتي بالمجلس التأسيسي وتحت صراخ نوّاب المعارضة، فقمعت المسيرات بشارع بورقيبة، وجيّشت الميليشيّات، وهمشّت الجهات، وطاردت المفقّرين برصاص الرشّ، ولجمت الأفواه ، وحاصرت العمل النّقابي و سعت لمصادرة حقّ المهمّشين والعاطلين والمفقّرين من استكمال حلم ثورة جميل شهدناه ذات 14 جانفي 2011 .

لا أقبل بحكومة النهضة ، ولن افعل ، طالما تحكمها عقليّة ازدواج الخطاب ، طالما تقود رموزها أيديولوجيا الشمّول والإطلاق ، المزج بين مجال ممارسة الحريّات الخاصّة والدينيّة و مجال ممارسة النّشاط العامّ، طالما يقحمون المسجد والفتوى والحديث المقدّس في كل خلاف سياسي أو كلّما حوصروا في قضيّة اجتماعيّة ، طالما لم يرسموا حدودا واضحة للدولة المدنيّة القائمة على سيادة العقل والإرادة الحرة للمواطنين المتساوين، لا أقبل بحكومة تقيم صرح شرعيّتها على آهات الشباب الّثائر وعذابات الحالمين بالحريّة، ولا يعنيها من رفضها او من فشلها غير بحث سبل تحقيق استدامة بقائها على كراسيها.

ولكنّي اعتقد انّ محاولة معارضة فاقدة لبوصلتها السياسيّة للمتاجرة بالبقيّة الباقية باحلام شعبنا الثوريّة ، لا يمكن الاّ ان تصنّف في محاولة ركوب ما ثقل ظهره بحمل ما يكفي من التجّار والسماسرة. أنا لست في موضع منقاشة ما قدّمه الباجي او ما يمكن ان يقدّمه ( بغضّ النظر عن سلبيته وايجابيته) ، ولست في موضع مناقشة شخص الباجي وحزبه او تاريخه، ولكنّي وبتواضع ومن موقعي المواطني، ارجوكم ان تكفّوا عنّا هذا الهذيان فقد سئمنا محاولات تطويع الإرادة الشعبيّة والتلاعب بها ، لقد خبرنا الباجي مشكورا في لحظة استثنائيّة على اساس فصل دستوري قمنا بابطاله فيما بعد، ونتيجة حراك شبابي “قصبوي” غير مدروس ( في نظري ) جميل ومليئ بالاستعداد والحسّ الثوري مثل قصّة رومنسيّة أوصلتنا نهاية الامر لما نحن فيه، هذا في رأي فيه كفاية من عذابات الانفصال التي نراها في فشل قصص الحب الجميلة.

اما يكفي السيّد الباجي ما هو فيه من زعامة ورمزيّة ما كان يحلم بها لو بقي في فلك الديكتاتوريّة كما كان سنين ؟ اضنّ أيضا انّه يكفيه و زيادة انتظار استنطاق الصناديق مرّة اخرى ؟ ثمّ اما يكفي روّاد الثورة وأبنائها ما هم فيه من تهميش وانتظار للانتقال بكلّ اضطراباته وانفعالاته ومشاقّه ؟ اضنّ ايضا أنّه يكفي وزيادة ، فخلّوا بيننا جميعكم وبين بناء تونسنا ، خلّوا بين أجيال “الثورة” القادمة وأبناء هذا الوطن الذين سايروه وعايشوه وخبروه وخبرهم منذ أزمان ليست ببعيدة ، وبين ما هم صانعون بمستقبلهم ، يرسمون وطنا جميلا يسع أمالهم ، واحلامهم وحتى آلامهم ان هم اختاروها لأنفسهم راغبين غير مجبرين.

ساستنا الكرام، افلا تعلمون مدى خطورة ادامة وضع غير مستقرّ ؟ افلا تعلمون مدى خطورة اعادة شعارات وخيارات اسقطتموها من حساباتكم عمدا لمّا كان جزء من قوى الشعب ومن شبابه يراها راهنة، فخذلتموه ؟ اعتقد انّ الخيارات ليست بكثيرة وانّ مساحة الحركة والمناورة السياسيّة كذلك، وهي تضيق أيضا يوما بعد يوم على الجميع، وما احداث مصر الاخيرة والصّدامات بين الاخوان و بقيّة الشعب المصري ، و كذا أحداث سليانة وحادثة استعمال رصاص الرشّ ، وطرد الرئيسين المؤقّتين من سيدي بوزيد بمناسبة احياء ذكرى اندلاع الحراك الشعبي بتونس ، الّا دليل على انّ الشعب قد نفذ صبره ، وانّه لن يقبل تكرار المهازل مهما كان.

انّ الخيارات المتاحة امامنا لا تحتمل وبأي حال من الاحوال ، العود على البدأ، او استرجاع أشباح الماضي او تكرار الخيارات، فإمّا ان يتمسّك الجميع بملامح المسار الذي رسمناه لأنفسنا على مشقّته ، وعلى التواءاته ، وعلى غموض بعض ثناياه والمتريّصين بحريّتنا وديمقراطيتنا وكرامتنا، على أن نفتح أبصارنا وعقولنا جيّدا، وعلى ان ندفع الشعب في كلّ مكان الى التحليّ باليقضة التامّة في الدفاع عن مصالحه والتمسّك بمكاسب الحريّة والمساواة والدولة المدنيّة، وهذا المسار تحدّدت ملامحه الكبرى بمشروع دستور، وشكل لتقاسم السّلط بين رئاسات ثلاث، ومشاريع قوانين أساسيّة … الخ ، فامّا ان نتصارع ضمن هذا المجال ونتباحث حدود كلّ من السّلط والرئاسات وعلاقاتها فيما بينها وبين بعض ( الصلاحيّات)، و في مدى التزام الدستور بمطالب الثوّار وأجيالهم المستقبليّة ومدى تحقيقه للحريّة والكرامة، وفي ديمقراطيّة واستقلاليّة هيئة الانتخابات والقضاء … الخ، مع حتميّة ضمان قدر من الاستقرار السياسي العامّ واعادة الشرعيّة لمؤسّسات الدولة، عبر انتداب حكومة وفاقيّة، او وطنيّة او كفاءات او كائنة من تكون، شريطة أن تكون غير حزبيّة ولا تخضع بشكل مباشر للمحاصصة ، يتمّ من خلالها استعادة الثقة بين الشعب وبين أجهزة دولته المنهارة في نظره بخياراتها ومماحكاتها وتحزّبها المريض لأغلبيّة متهافتة ومتعطّشة للسلطة.

وامّا فانّ الشعب سيختار بنفسه طريقا يمكن ان يكون أكثر خطورة عليه وعلى جميع من يتقاسمون فتاة كعك هو الاولى به في كلّ الاحوال، فالمرحلة الانتقاليّة الثالثة ان وجدت لن تكون كما نشتهي وكما تنتظرون

محمّد نجيب وهيبي