mohamed-hassen-tunis

بقلم المنجي بن أحمد،

رغم استنكار فصيل من الشعب التونسي ممن لا يرغب في استيطان المذهب الوهابي بالبلاد التونسية و يرفض أن يكون له قدم في بلادنا المعروفة بوسطيتها في فهمها وقراءتها للاسلام الا ان الحضور الوهابي يتزايد باستمرار و يتكاثر على الساحة الاجتماعية والشبابية والفكرية وهو ما يضعنا أمام ظاهرة انجذاب المتناقضات و المضادات مما يدعونا الى التساؤل لمحاولة تفكيك عناصرها المتدافعة والتي لا تتفق مع قانون الأشياء.

ان أسس المذهب المالكي التي تشكل المرجعية الاستقرائية للنص القرآني قد سطرت المنهج التفكيري وأنتجت تبعا لذلك الفقه المقاصدي في التشريع ، وهو ما مكن النظام الإسلامي من الاستتباب لأكثر من أربعة عشر قرن بمنطقة الشمال الافريقي بل انتقل الى ما وراء البحر ليؤسس للقانون الفرنسي ابان الثورة الفرنسية.

اننا اذا أمام معضلة التقاء هذا البعد التفكيري الجوهري للمنظومة الفكرية الإسلامية بالشمال الافريقي مع المنهج النقلي اللاتفكيري المشرقي الذي فشل في الاستيطان في تونس خلال حقبات تاريخية عديدة ، فما هي اذا عناصر الجذب والالتقاء التي تخترق هذه المنظومة البنوية الفكرية رغم التناقض والتنافر الكبير بين المنهجين؟

لاشك ان لعوامل التصحر الديني الذي استهدفه النظامين السياسيين المنصرمين على امتداد خمسة عقود من ناحية و الاقبال على البث التلفزي الهوائي للقنوات الوهابية خلال العقد الماضي قد ساعد بدرجة كبيرة على خلق ارهاصات هذه الظاهرة التي تحمل بذور التناقض والتضارب في مكوناتها ، ولكن لا يمكن أن تبررها بحال من الأحوال.

ان الراصد لما يحصل على أرض الواقع سواء على المستوى السياسي أو الشعبي في حركة الشارع التونسي قد يتسنى له الوقوف على مقاربات سوسيولوجية أخرى لهذه الظاهرة المزدوجة المعايير، ان تشكل هذه الظاهرة التي تحمل بذور التناقض في مكوناتها يعود لخضوعها الى قانون خارجي يؤسس لها و يفرض سيطرته على مكوناتها ، وفي تقديري ان القانون الذي يفرض هذه الأجندة رغم تباين وتضارب مدخلاتها ومخرجاتها على مستوى القيم والأفكار هو قانون الفعل ورد الفعل الذي يعكس معاييره في مجالات عديدة منها :

1- المجال السياسي : يعكس توافد مشايخ الوهابية ورقة استقطاب للشارع السياسي التونسي الإسلامي في الضغط على التيارات العلمانية واليسارية المسيطرة على القطاع الإعلامي والنقابي والتي تتحكم من خلاله بفصيل متزايد من الشعب التونسي في محاولة تركيع الحكومة لارادتها السياسية ، ويبرز ذلك جليا من خلال حضور ومرافقة القطبين الإسلاميين التقليديين للنهضة الممثلين في الحبيب اللوز والصادق شورو في جولة الداعية محمد حسان لتونس وفي دعمهما لمثل هذه الاستقطابات.

ان هذا الموقف يشير في الوقت نفسه الى اقحام عنصر الدين في حلبة الصراع السياسي لدعم فريق مقابل الفريق الآخر الذي بدوره يستخدم ويحتكر آليات النقابة والاعلام بصفة غير شرعية للنيل من أهداف الثورة تحت مظلة الحكومة المؤقتة ، فالعمل السياسي للأطراف المختلفة لا يلتزم بالقيم النضالية ، فالدعاة الضيوف ليسوا من ذوي المنزلة العلمية ليتم استنفار الجماهير الشعبية مما يعبر بجلاء عن التعبئة والاصطفاف ومحاولة التأثير في الموازين السياسية في مواجهة قوى الردة عن تحقيق أهداف الثورة.

2- المجال المجتمعي : ان مساهمة أطراف مجتمعية عديدة في الحراك الاجتماعي ما بعد الثورة جعل دورها يتنامى كروافد لمطالب سياسية من خلال انخراط رموز وجمعيات ثقافية ومجموعات شبابية للتعبير عن رؤاها ورفضها للممارسات التي تحيد عن نطاق الشرعية من أية جهة كان مصدرها.

ان القراءة السوسيولوجية للالتفاف الشعبي الجماهيري الكبير لهذه الأطراف المجتمعية الشبابية وتدعيمها للشق الرافع للشعار الإسلامي بخصوص توافد مشايخ الوهابية لا يعبر بالضرورة عن مظاهر تدين أو احتفاء بالدعاة الزائرين بقدر ما يترجم مظاهر عصبية للرد على التعسف العلماني واليساري الرافض لتشكيل الإسلام للمرجعية وللهوية التونسية مما ينذر باستمرار الصراع تحت راية قانون الفعل ورد الفعل لخدمة مصالح غير تونسية.

ان عدم تعاون مختلف التيارات الفكرية التونسية على التعايش السلمي فيما بينها واثراء الواقع التونسي باختلافاتها وتمسكها بالقطيعة مع الآخر المختلف والمخالف سوف يقود البلاد التونسية الى مزيد من التشنج والصراع وهو ما تعول عليه الأطراف الأجنبية التي تترصد تنامي هذه الخلافات لمزيد من تمزيق الصف واضعاف النسيج التونسي للنيل من وحدة صفه عند حلول الوقت المناسب وهي غير مستعجلة لأن ادراج قانون الفعل ورد الفعل في المنظومة السياسية كفيل بتحقيق مآربها وأهدافها.