television_nationale

احتفلت مؤسسة التلفزة التونسية منذ حوالي أسبوع بالذكرى الـ47 لتأسيسها، لتكون مناسبة لمناقشة مشروع سياستها التحريرية الجديد أو ما يعرف بمدونة السلوك بحضور العاملين في المؤسسة من صحفيين و تقنيين و منشطين و خبراء في الإعلام. و قد أكد القائمون على التنظيم أن المناسبة “ ليست فقط للذكرى بل و أيضا محطة مهمة للتقييم و المراجعة و البحث عن سبيل للإرتقاء بهذا المرفق العمومي.”

و خلال ذلك، كان لنا لقاء مع الدكتورة نجلاء العمري مديرة مكتب البي بي سي بالقاهرة و التي كانت حاضرة نظرا للشراكة القائمة بين مؤسسة التلفزة التونسية و هيئة الإذاعة البريطانية للإطلاع على تجربة هذه الأخيرة من أجل إصلاح الإعلام العمومي في تونس.

إصلاح الإعلام العمومي: تونس و بلدان الربيع العربي

أشادت الدكتورة نجلاء العمري بالتجربة التونسية في مجال إصلاح الإعلام حيث قالت أنها تجربة رائدة برغم كل عيوبها فتونس قطعت اشواطا كبيرة مقارنة بمصر و ليبيا.

و قالت أن تونس لديها من المقومات ما يجعلها تنجح مقارنة بالدول الاخرى: عدد سكان أقل، القرب و الانفتاح على أروبا، مستوى التعليم فيها مرتفع مقارنة بالدول الاخرى، مستوى المعيشة مرتفع، المعرفة باللغات الأجنبية أيضا يميز تونس، و هنا نجد مصر مثلا متقوقعة على نفسها.

و بخصوص هيئة الإعلام السمعي البصري، ترى مديرة مكتب البي بيس ي بالقاهرة أنها تجربة فريدة في العالم العربي، و قارنتها بتجربتي المغرب و الأردن، حيث قالت أن هاته الهيئات مرتبطة ارتباط وثيق بالسلطة السياسية و تنتفي عنهما صفة الإستقلالية و بالتالي تعتبر هيئة الإعلام السمعي البصري في تونس تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي لكونها مستقلة عن السلطة التنفيذية.

وضعية مؤسسة التلفزة التونسية

التقينا أيضا بماهر عبد الرحمان الخبير الإعلامي في القطاع السمعي البصري الذي قيم في حديثه معنا الوضع العام الذي تعيشه مؤسسة التلفزة التونسية في هذه المرحلة، حيث أكد أن ما تغير هو الحرية التي تتمتع بها التلفزة بعد الثورة، و أضاف: ” الحرية اذا لم تكن مؤطرة أخلاقيا و قانونيا يمكن أن تكون خطرة…”

و قال ماهر عبد الرحمان أن رغم هذا التغيير فإن أساليب العمل و التفكير و التنظيم الداخلي لم يتغير فيها شي لا من ناحية التنظيم الداخلي و لا من ناحية الحوكمة، فمؤسسة التلفزة ما زالت تعتمد قانون 2007 الذي فصل مؤسسة التلفزة و الإذاعة، و هو ليس سوى انفصال شكلي، كما أن مجالس الإدارة هي مجالس صورية متكونة من مجرد موظفين عموميين ليس لهم أي دور فعلي.

و بالنظر إلى كل المشاكل التي تعاني منها مؤسسة التلفزة التونسية كان التركيز، في الاحتفال بذكرى تأسيس التلفزة التونسية، على موضوعين هاميين: كيفية تأمين استقلالية هذه المؤسسة و سياستها التحريرية بهدف تقديم مادة إعلامية مستقلة ترتقي إلى المهنية و لا تشوبها شوائب الانتماءات و الولاءات و خدمة الاغراض الشخصية و بالتالي تكون في مستوى ثقة المتلقي.

و في هذا الشأن اقترح الخبير الإعلامي ماهر عبد الرحمان إقامة مؤتمر وطني بمشاركة جميع الأطراف لمناقشة وضع الاعلام في تونس و خاصة التلفزة التونسية للاتفاق على الشكل القانوني لحوكمة التلفزة، حيث قدم التجارب الغربية للنظر في المثال الأفضل الذي يتماشى مع الواقع التونسي، و قال:

“هل يكون على طريقة المثال البريطاني أي تكوين مجموعة أشخاص مستقلين في اختصاصات مختلفة في القانون و الاعلام و المال و الرياضة و الطب و غيرها.. و هو ما يسمى بمجلس الأمناء يتولى تعيين المجلس التنفيذي و محاسبته، أو نختار الطريقة الفرنسية أي مجلس إدارة متكون من 15 شخصا يعين رئيسه من قبل رئيس الجمهورية، و هو نفسه المدير العام لفرانس تليفزيون. و لكن بالنسبة لهذا المثال و رغم ان فرنسا عريقة في الديمقراطية إلا أن إمكانية التجاوزات القانونية و التدخل في الإدارة من قبل السلطة أمر وارد في أي لحظة.. و هناك أيضا المثال الألماني و لكنه غريب لأنه عبارة عن مجلس إدارة متكون من 76 شخص و هو اختيار تمثيلي عرقي، سياسي، ديني… و لكن أحيانا توجد بينهم خلافات كبيرة جدا…”

مدونة السلوك لمؤسسة التلفزة التونسية

خلال الإحتفال بالذكرى 47 لتأسيس التلفزة التونسية، خصص جزء هام من اللقاء لمناقشة السياسة التحريرية أو ما يعرف بمدونة السلوك للتلفزة التونسية، حيث تقول نجلاء عمري أن هذه المدونة:

“هي نواة و ليست نهاية الطريق لا يمكن أن نضع وثيقة تبين السياسة التحريرية بصفة نهائية لأن السياسة التحريرية تواكب تطور المهنة و المجتمع و المهنة تتطور بشكل كبير و متسارع و تفرض علينا اشكاليات كل الوقت و على العاملين داخل المؤسسة ان يجدوا لها حلول…”

و ضربت العمري مثال السياسة التحريرية للبي بي سي حيث تحتوي الوثيقة على حوالي 500 صفحة تحين بصفة مستمرة على مدى سنوات، و من اخر ما أضيف إليها جزء متعلق بكيفية التعامل مع شبكات التواصل الإجتماعي لأنها اشكاليات لم تكن موجودة في السابق.

و أكدت مديرة مكتب البي بي سي بالقاهرة على كون السياسة التحريرية لمؤسسة التلفزة يجب أن تطرح على أبناء المؤسسة من صحفيين و منشطين و تقنيين لأن جميعهم ملتزمون بهذه السياسة التحريرية و هم جزء أساسي منها لذلك يجب أن يأخذ رأيهم بعين الإعتبار و عند إقرارها ستكون بمثابة العقد من جهة أولى بين المؤسسة و العاملين فيها و من جهة ثانية بين المؤسسة و المواطن التونسي و من جهة ثالثة بين المؤسسة و الحكومة.