houcine-labidi

بقلم جمال سعايدي،

شاهدت كما شاهد الكثير من التونسيين تصريحات شيخ الجامع الأعظم تعقيبا على الحكم القضائي الصادر بحقّه بخصوص قضية رفعتها به وزارة الشؤون الدينية، وهذا نصّ ما قاله الشيخ العبيدي:

” أقسم بالله أني هممت بأن أتخلى عن منصبي كإمام لجامع الزيتونة ولكن ليلتها رأيت رسول الله بالمنام وقال لي بالحرف الواحد :” وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ”. وختمها العبيدي بعبرات المؤمن المتأثّر الذي أتاه المدد من السماء فقال وعيناه تدمعان: ” نظر إليّ رسول الله بنظرة شفقة وحِلم وحنان… ثمّ أفقت وقرّرت العزم على مواصلة الرسالة كلّفني ذلك ما كلّفني وإن قُتلت أو اضطهدت أو سجنت”.

إذا نحن أمام مشهد سريالي يسرد فيه الشيخ حججه “الدامغة” التي تجعله ثابتا على “حقّه” في إمامة الجامع الأعظم. للتذكير، هذا الشيخ اشتهر بشطحاته القولية والفعلية وهذه بعض منها :تغيير أقفال مقصورة الإمام بجامع الزيتونة من جهة سوق الصوف وتنصيب نفسه إماما خطيبا على الجامع، الإستيلاء على مقرّ الخلدونية، إعتداءه بالعنف الجسدي و اللفظي على بعض مشائخ الزيتونة، الفتوى الّتي تحلِّل استعمال الفياغرا، تقديم زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي برضي الله تعالى عنه…

إذا نحن أمام شخصية مثيرة للجدل ويمكن أن أذهب إلى أبعد من ذلك، هي شخصية لا تتمتّع بالحدّ الأدنى من المصداقية حسب قائمة الأفعال والسلوكيات المنسوبة إليها في “سيرتها العطرة”.

ولكي أكون منصفا مع الرجل أحيلكم إلى شاهد عيان وهو الأستاذ حمزة عمر(الباحث والمدوّن) الّذي حضر خطبة جمعة ألقاها الشيخ ودوّن لها ملخصا في مقاله “الشيخ حسين العبيدي وانفلات الخطاب الديني”، يمكن أن نتبيّن من خلالها جوانب من هذه الشخصيّة.

لكن دعنا من الرجل، فبغض النظر عن صدقيّة روايته من عدمها فما يهمنا في الموضوع هو منامة ِسيدنا الشيخ من حيث هي عملية إستنفار لآلية مهمة في تراثنا الإسلامي، أثبتت نجاعتها في إقناع العامة والبسطاء من الناس بشرعية موقف أو حكم معيّن وهي المنامات والأحلام “الصادقة”.

طبعا سوف لن أتناول موضوع المنامات في تراثنا الإسلامي من زاوية بحثية أكاديمية فلست لا باحثا ولا أكاديميا في هذا المجال ثمّ إنّ تناول العديد من المفكرين والباحثين العرب والمستشرقين خاصة(1) يغنيني عن ذلك، لكنني سأركّز على مسألة إقحام الأحلام والمنامات ضمن تجاذباتنا الدنيويّة من حيث هي حجّة للإقناع أوفرض رؤى وأراء محدّدة على غيرنا أو هي تبرير لتجاوز القانون كما هو الشأن في قصة شيخنا.

لكن قبل الخوض في مسألة الأحلام كمكوّن رئيسي في الثقافة الإسلاميّة علينا أن نقرّ أوّلا بأنّ للأحلام دورا في حياة الشعوب والحضارات من حيث هي جزء لا يتجزّأ من البناء الثقافي للأمم، فلا يمكن أن ينكر أحد دور الأحلام والمنامات في كلّ الحضارات الإنسانيّة على إختلافها فلكلّ شعب أو مجموعة إثنيّة أحلامها ومخزونها التراثي من هذه المادّة التي تتشابه إلى حدّ بعيد بين مختلف الحضارات في دلالاتها الرمزيّة وإرتباطها بالعالم المادي المعيش، ولعلّ المستشرقة الألمانيّة أنّا ماري شيمل كانت قد لفتت في كتابها “أحلام الخليفة: الأحلام وتعبيرها في الثقافة الإسلامية” إلى التماثل الموجود بين بعض الأحلام في حضارات مختلفة وهوما جعلها تتساءل “هل هناك تلاق في مناطق اللاشعور بين الشعوب تتمثّل من خلال الأحلام” والتساؤل نفسه ينسحب على طريقة تفسير الأحلام والدلالات الرمزيّة الحاملة لها. لكن ما الّذي يميّز الثقافة الإسلاميّة عن مثيلاتها من الثقافات الأخرى في علاقتها بالأحلام؟

ما يميّز الثقافة الإسلاميّة عن غيرها من الثقافات الأخرى هو “تأثير الأحلام وتسلّلها المتحرّك داخل الأبنية العميقة لحياة المسلمين الإجتماعية والسياسيّة والدينيّة والأدبيّة” كما تقول شيمل ولعلّ أخطرها على الإطلاق، حسب رأينا، هو التوظيف الديني لهذه الأحلام عندما تحوّلت من مجرّد تجربة ذاتية لشخص ضمن ظروف وسياقات نفسيّة محدّدة إلى سلطة قادرة على البتّ في مسائل دنيويّة وإلى مرجع يصل إلى حدّ التشريع كما سنرى عند بعض الفرق الدينيّة. فمعلوم أنّ المذاهب والفرق الإسلاميّة قد ذهبت إتجاهات شتّى في التعامل مع الأحلام والرؤى. حيث أنّ جزءا منها يرى ذلك نوعا من البدع والضلال، وجزء يعتقد أنّها كشف ودلائل يستدلّ بها (تثبيت من الله للمؤمنين)، وجزء ينكرها تماما. فالشيعة مثلا كانت الأحلام ولازالت من أهمّ وسائل الدعوة لديهم، والصوفيّة بدورهم يرون أنّ الأحلام من علوم الأسرار التي فوق طور العقل فهي علم من روح القدس يختصّ به الأنبياء والأولياء (2) وهم في ذلك يقسمونها إلى رؤيا العوام ورؤيا الخواص. والرؤيا عندهم مصدر يقينيّ يبنون عليه كثيرا من عقائدهم المرتبطة بالتحليل والتحريم وبتفسير القرآن وبتصحيح وتضعيف الحديث إضافة إلى نسب المناقب والفضائل لشيوخهم.

وحدها المعتزلة شذت عن هذه القاعدة وأنكرت الأحاديث المرويّة في شأن الرؤى الصادقة معتبرة الحلم واليقظة ضدّان لا يلتقيان فلا يمكن إدراك مسائل ماديّة أوحقائق ثابتة عن طريق الأحلام فهم يعتبرون قدرات العقل أثناء النوم غير قدراته في اليقظة. أمّا الفرق السنيّة فتعرّف الأحلام أو الرؤى كما وردت في أدبياتهم تبعا لمنبعها فهي إمّا رؤى ربانية في شكل مبشرات أومنذرات، أو رؤى نفسانيّة وهو ما يعبّر عنه بحديث النفس أو هي شيطانيّة المصدر. فالأولى مصدرها إلهام أو “وحي” من الله ويستند هذا التفسير إلى حديث للنبيّ ورد بصيغ متعدّدة في كتب الحديث تجمع كلّها على أنّ الرؤيا الصادقة جزء من النبوّة (3) والثانية إنعكاس لحاجات أو رغبات مكبوتة تجد لها تعبيرات ومتنفسا في الأحلام أما الثالثة فهي نزع شيطاني.

وهنا أعود إلى شيخنا العبيدي، وطبقا لما رآه فهو يدخل في خانة الرؤى الصادقة ولا يمكن أن تكون أضغاث أحلام أو رغبات مكبوتة للشيخ في “التمسمر” في إمامة الجامع الأعظم -لا سمح الله- بما أنّ الرسول يظهر في الأحلام حقيقة ولا يمكن أن ’يتمثّل به استنادا مرّة أخرى إلى حديث لعبد الله بن مسعود عن الرسول يقول فيه: “من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي.”

طبعا الشيخ العبيدي ليس الأوّل من بين معاصرينا من رجال الدين الّذين يتكؤون على أحلامهم لتبرير موقف محدّد من مسألة ما أو لأيّة أغراض أخرى، فقد سبقه عديدون وحتما سيأتي آخرون.

وأورد هنا بعض الأمثلة المعاصرة لبعض الشيوخ والدعاة، فهذا نجم قناة الناس سابقا محمد حسان يروي في درس له عن زيارة خالد بن الوليد له في المنام ليأكّد له فيها أنّه من أصحاب العلم !!! وهذا الشيخ كشك يرى أبو بكر الصديق في المنام ومعه الرسول الذي يمسح على عمامته ويقول: هذه العمامة لا تسجد إلا لله… وهذا خطيب جمعة في ميدان التحرير أمام أنصار أبو إسماعيل مرشّح الرئاسة عن السلفيين يخبرهم بأن أحد معارفه “الثقات” (طبعا مثله ومثل أبو اسماعيل) وهو عائد من العمرة أخبره بأنه رأى في المنام الرسول ويسأله عمّن ؟؟ أكيد عرفتم عمّن يسأل: حازم أبو إسماعيل طبعا… ثم يقول لهم بالحرف: أبلغوه أنّ الله راض عنه !!! كنت أخال الرسول قد أدى الأمانة وبلّغ الرسالة لكن هذا الخطيب يخبرنا أن الرسول مكلف بمهمات أخرى في عالم الأرواح لفائدة حازم أبو إسماعيل وحسين العبيدي والشيخ كشك.

إنّ دراسة المصنفات الأدبيّة التي تعنى بالأحلام والمنامات أو دراسة الظاهرة في واقعنا المعيش تجعلنا نقف عند سؤال محوريّ على غاية من الأهميّة: لماذا رويت الأحلام؟ لماذا لم يحتفظ صاحب الرؤيا برؤياه لنفسه؟ لماذا أخرجها من الدائرة الذاتيّة أي كتجربة نفسيّة إلى شأن عام وموضوع جدل وتحاجج؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نطرح ظاهرة الأحلام في الثقافة الإسلاميّة من زاويتين: الأولى لها علاقة بتأويل الأحلام وتفسيرها والثانية مرتبطة بالغرض من روايتها أو بما بمعنى آخر توظيفها.

إنّ وجود الرؤى والأحلام يستتبعه آليا وجود ترجمان أو مفسّر لها وعارف بخباياها وفكّ رموز المبهم منها. وقد برع الكثير من المشائخ والفقهاء والمحدّثين القدامى في هذا المجال لعلّ أشهرهم إبن سيرين الّذي ينسب إليه كتاب تفسير الأحلام (رغم عدم ثبوت ذلك بصفة قطعيّة) كما يعتبر أيضا إبن قتيبة من رواد تفسير الأحلام (كتابه عبارة الرؤيا) إلى جانب إبن أبي الدنيا الّذي ألّف كتاب المنامات وغيرهم الكثير ممّن حبّروا مصنفات شتّى في تفسير وتأويل الأحلام دون أن ننسى الكتب المعاصرة التي اهتمّت هي أيضا بهذا الشأن.

طبعا سوف لن أخوض في تفسير وتأويل الأحلام من حيث هي آلية مزكيّة لمحتوى الحلم أو مفتاح لفكّ شيفرته ورموزه أو محاولة لإسقاطه على الواقع المعيش، لأركّز على أهمّ استتباعات الأحلام كأداة للتحاجج والإقناع، وقد حاولت أن ألخّص مجمل الأغراض والدوافع التي تحمل صاحب الرؤيا على نشرها أو روايتها للعموم ولأثبت تداخل المعطى الديني بالدنيوي في الكثير من الحالات عندما يتعلّق الأمر بالأحلام. فقدرة الأحلام والمنامات على حمل قيم أو رسائل الهدف منها شرعنة فعل أو تعاليم بنسبها إلى شخص مقدّس أو صالح يزورك في المنام ويعطيك التعليمات أو يزكي فعلا لك أو يوجهك في إتجاه محدّد هو في الواقع إرادة الحالم نفسه مغلّفة بغطاء قدسيّ بحيث يظهر الراوي في نهاية المطاف في مظهر الرسول المبلّغ عن جهة لا يرقى إليها الشكّ أو التكذيب.

هذا التوظيف الغير بريء للأحلام نجده في الكثير من الأمثلة التاريخيّة و المعاصرة فالأحلام كانت ولازالت سلاحا مقنعا للعامة والبسطاء وأداة إبتزاز للعاطفة الدينيّة فهي:

• البرهان والحجة عندما تعوز الحجة والبرهان الماديين وأرجع إلى شيخنا العبيدي وحلمه الّذي حثّه فيه الرسول على الثبات و”عدم الفرار” (وكأنه أمام زحف) بما أنّ الآية التي ذكرها في منامه على لسان الرسول نزلت حسب الروايات لحثّ المؤمنين في غزوة بدر على الثبات عند مواجهة الكفّار وعدم “توليتهم الدبر”. وبما أنّ وزارة اﻟﺸﺆون اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ متّهمة ﺑﺎﻟﺘﻀﯿﯿﻖ ﻋﻠﯿﮫ وﻣﺤﺎوﻟﺔ ﺗﻨﺤﯿﺘﮫ ﻣﻦ اﻹﻣﺎﻣﺔ، ﺑﻌﺪﻣﺎ رﻓﺾ “ﻓﺘﺢ أﺑﻮاب اﻟﺠﺎﻣﻊ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺮاﻋﯿﮫ أﻣﺎم اﻟﺘﯿﺎرات اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ” ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺗﻌﺒﯿﺮه، فشيخنا يعتبر حلمه نوعا من البشارة وتثبيتا من الرسول لشخصه فهو على طريق الحق فلا يعبأ بما تقرره المحاكم الدنيوية لأنه أخذ حكما باتا من السماء، ومن يقدر على السماء؟

• طريقة لتزكية النفس والشهادة لها بالفضل العلمي أو الزهد أو الصلاح مثل الأمثلة التي سقناها من مصر. فتصبح بذلك هذه الشهادة مع ما يصاحبها من “نفوذ” نوعا من التخويل الرباني للشخص وسلطة قائمة الذات.

• في مجال السياسة أداة لتثبيت سلطة حاكم والسيطرة على رقاب الناس وأشهر ما يروى في هذا الشأن رؤيا المنصور المتصلة بعقد الرسول الخلافة له في الكعبة وبحضور الصحابة!!

• تبرئة وتنزيه لأشخاص ولنا في حكاية المتوكّل مثالا، حيث أنّ بعض المحدثين نزهوه، رغم الظلم الذي اشتهربه، بعد أن رأى بعضهم في مناماتهم أنّ الله غفر له!! ونفس الحكاية تتكرّر مع القائد المغولي تيمورلنك(4) . هذا فضلا عن ترسيخ فضل أشخاص على غيرهم وحتى تقديسهم كما هو حاصل مع الشيعة بخصوص ذريّة النبي(السادة والأشراف.)

• سند تشريعيّ لدى بعض المذاهب والفرق الدينية، فصيغة الأذان مثلا، كما هو متعارف عليه لدى السنّة، هي رؤيا رآها عبد الله بن زيد وأخبر بها النبي فأخذ بها وشرع الأذان على أساس منها. فهي في الأخير شكل من أشكال تأييد العقائد وشرعنتها. لذلك يعتبر بعض الباحثين في مجال الأحلام وعلاقتها بالدين الإسلامي أنّ الأحلام كانت بمثابة الرافد المكمّل للوحي وإن كان بصيغ جديدة حيث أصبح الحلم والرؤيا بمثابة الوصلة الدائمة بالغيب وعلى هذا الأساس فلا غرو في إعتبارها من مقامات النبوّة لدى الفقهاء ورجال الدين حتى أنّ مالكا قال جوابا على سؤال: أيفسر الرؤيا كل أحد ؟ فقال : أبالنبوة يلعب(5). فرؤيا النبيّ بصفة خاصة شكّلت نوعا من السنّة الموازية وكأنّ المحدّثين لم يكفهم التضخّم الذي طال مدوّنة الحديث فأخرجوا لنا “سنن الأحلام والرؤى”، وهي بذلك تستبطن شيئا خطيرا هو إستمراريّة التشريع خارج الأطر المتعارف عليها(لدى السنّة تحديدا) أي القرآن والأحاديث.

• نبوءات و إقتحام لعالم الغيبيات فرغم تعارض هذا المبدأ مع أبجديات الإيمان وإحدى أهمّ العقائد في الدين الإسلامي والتي تلخّصها مقولة “لا يعلم الغيب إلاّ الله” تجد الكثير من المسلمين ممّن يؤمن بأنّ الرؤى الصادقة يمكن أن تكون مصدرا للتنبؤ بالمستقبل من منطلق أنّ الرؤيا الصادقة جزء من النبؤة وإحدى الفتوحات الغيبية للصالحين والأخيار التي أفردهم بها الله على سائر خلقه.

• مصدر إسترزاق وتجارة رائجة تسوّق كمنتوج مكمّل لما تقدّمه القنوات الدينية، فيكفي أن تفتح إحدى القنوات الدينية وتتطلّع على باقة البرامج التي تؤثث بها ساعات بثّها حتى تجد برنامجا مخصّصا لتفسير الرؤى والأحلام وإن لم يكن برنامجا مستقلا بذاته فهو ضمن البرامج التي تدخل تحت مسميات “أنت تسأل والشيخ يجيب”، وقد أحصيت أكثر من أربعة برامج لتفسير الأحلام على القنوات الفضائيّة العربيّة من خلال بحث صغير على الأنترنات(6).

• لترسيخ عقائد أو الإنتصار لمذهب أو رأي فقهي بعينه وأسوق في هذا الباب ما يروى عن محمد بن عكاشة الكرماني، الّذي إشتهر بأنّه من واضعي الأحاديث، كيف زاره النبيّ في منامه وأقرّه على مجموعة من الإجتهادات الفقهيّة.

• لدى بعض الحركات الجهاديّة والمجموعات المتطرفة أداة تسويقية ودعائية لإستقطاب المزيد من الجهاديين وقد تحدّث الباحث الأنتروبولوجي Iain R. Edgar عن ظاهرة الأحلام في الأوساط الجهاديّة ضمن دراسة قيّمة أبرز من خلالها كيف تستثمر آلية الرؤى والمنامات عند الجهاديين عموما وفي تنظيم القاعدة خصوصا لتحفيزهم ودفعهم نحو الجهاد أو تبرير هذا التوجّه نحو العنف (7). فهذا أبو مصعب الزرقاوي ينتقل من عالم الإجرام والجريمة إلى عالم الجهاد بفضل رؤيا لأخته وبعض من منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر يرون بشائر ما سيقومون به في أحلامهم وغيرها الكثير من الروايات التي تستغلّ “كمنكهات إضافيّة” لأسطرة عمليات المجاهدين وتضخيمها ومن ثمّ إعطائها صفة القداسة والشرعيّة. وقد خلص كاتب الدراسة في النهاية إلى أنّ أغلب مرويات الأحلام المتداولة بين الجهاديين مختلقة في أغلبها وموضوعة بهدف تجنيد المزيد من الجهاديين وكنوع من البروباغندا.

هذا البعض ممّا رصدته من التوظيفات المختلفة للأحلام في واقع المسلمين وهو بحقّ “جناية حقيقيّة في صفوف العوام” كما وصّفها هاشم عبد الله الصالح في مقال له بعنوان فوبيا الأحلام. فمحاولة تمرير فكرة أو رأي من خلال إبتزاز العواطف الدينيّة للبسطاء واستثارتهم عبر ما يسمّى بالرؤى الصادقة وهو استمرار لتأبيد الجهل والخرافة وأداة لتدجين العقول وتحجيم سلطة العقل.
هذا الحيّز الذي تأخذه الأحلام في البنية الفكريّة للمسلمين وخاصة تأثيرها على حاضر ومستقبل المسلمين يعبّر عن إستمرار لإختلاط الخرافة بالواقع وامتزاج للأسطورة بالتاريخ وهو أمر سيستمرّ حتما ما لم ينجز المسلمون ثورتهم الثقافيّة.

—–

الهوامش

(1) للذكر لا الحصر VON GRUNEBAUM Gustav – Annemarie Schimmel
(2) ﻛﺘﺎب “اﻟﺮؤى واﻻﺣﻼم ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻈﻮر اﻟﺼﻮﻓﻲ” ﻟﻠﺸﯿﺦ ﻣﺤﻤﺪ اﻟﻜﺴﻨﺰان اﻟﺤﺴﯿﻨﻲ
(3) صحيح البخاري في باب المبشرات. الحديث رقم 6589 :حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة.
(4) على الوردي – الأحلام بين العلم والعقيدة
(5) أبو العباس القرافي – الفروق
(6) برنامج الأحلام على قناة الراية، برنامج تفسير الأحلام على قناة نور دبيّ، برنامج تفسير الأحلام على قناة المحور، برنامج أفتوني في رؤياي على ﻗﻨﺎﺓ ﺃﻭﻃـﺎﻥ، برنامج حلم وعلم على قناة أبو ظبي …
(7) Edgar, I. R. (2007) The inspirational night dream in the motivation and justification of Jihad.