fiscalite-tunisie

بقلم الاسعد الذوادي،

 

هل نحن في حاجة الى ميثاق جبائي
هل يعقل ان ينتفع بالدعم العمومي من يتهرب من دفع الضريبة

 

لم يشذّ مشروع قانون المالية لسنة 2014 عن سابقيه من المشاريع الضحلة التي تصاغ على مقاس المناشدين والفاسدين والمتهربين من دفع الضريبة ولا تأخذ بعين الإعتبار حاجة المؤسسة المواطنة إلى الحماية من المنافسة غير الشريفة والسوق السوداء وحماية سوق الشغل من العمالة الأجنبية التي تنشط على حساب العاطلين عن العمل مستغلة في ذلك الثغرات القانونية خاصة على مستوى مجلة التشجيع على الاستثمارات ومجلة الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات وغياب الرقابة والفساد الإداري والمالي المستشري في مفاصل الكيانات المشوهة وبالأخص تلك المفرزة اثر انتخابات 23 أكتوبر باعتبار انه لا يمكن الحديث اليوم عن مؤسسات بتونس.

ابقى المشروع على ميزانيات عدد هام من الهياكل التي يهدر من خلالها المال العام المجموع من دم دافعي الضرائب كبعض الدواوين والوكالات والمعاهد واللجان والمجالس والهيئات العليا او بالاحرى السفلى وبالاخص تلك المبعوثة لذر الرماد في العيون على اساس اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ومبادئ باريس المتعلقة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان. فعلى سبيل المثال، اضطر المستشارون الجبائيون اخيرا، الذين يتم التنكيل بهم اليوم من قبل الفاسدين واحدى المهن المشهورة بالتهرب من دفع الضريبة من خلال تعطيل مشروع قانونهم داخل الحكومة، الى اللجوء الى المفوضية السامية لحقوق الانسان والمنظمات الدولية لمكافحة الفساد لكشف تجار واصحاب دكاكين حقوق الانسان والهياكل الفولكلورية بتونس. كما تم الترفع في التاجير العمومي مقابل معدل عمل يومي للموظف لا يتجاوز في احسن الحالات 30 دقيقة وهذه اشنع جريمة ترتكب في حق دافعي الضرائب الذين يجبرون على تمويل الفساد دون ان يكون لهم حق المساءلة على ما ينهب منهم.

تضمن المشروع احكاما من شانها تعميق الهوة بين من يدفعون الضريبة ومن يتهربون من دفعها كحذف السقف المتعلق بالاتاوة الخاصة بتمويل الصندوق العام للدعم المقدرة بالفي دينارا علما ان المتهربين من دفع الضريبة وهم كثر معفيون من دفعها رغم انهم يستهلكون المواد المدعومة وبعضهم يحول وجهتها وكذلك اخضاع الارباح للخصم من المورد تكريسا لازدواجية الضريبة.

فعوض ان يتضمن المشروع ترسانة من الاحكام التي من شانها مكافحة التهرب الجبائي كحرمان المتهربين من المشاركة في الصفقات العمومية طيلة خمس سنوات على الاقل والانتفاع بالمرافق والخدمات العامة التي لا يساهمون في تمويلها وقبض الضرائب المتعلقة بالمداخيل العقارية التي تقدر بعشرات المليارات، بادر باحداث ضريبة على امتلاك العقارات من قبل الأشخاص الطبيعيين باستثناء المسكن الرئيسي والأراضي الفلاحية المتواجدة بالمناطق الفلاحية والعقارات المخصصة من قبل مالكيها لممارسة نشاط مهني والعقارات في إطار عملية إصدار صكوك، على أن تضبط قاعدة الضريبة، حسب مقاييس تأخذ بعين الاعتبار مساحة العقار وموقعه والخدمات التي ينتفع بها من الجماعات المحلية، وكذلك تعريفتها وكيفية وآجال استخلاصها بأمر.

ايضا تمادى المشروع في اهدار الموارد العمومية من خلال تمتيع صنف من المؤسسات الخاصة بمنح مالية مقابل انتدابات هشة علما ان تلك الالية ثبت فعليا فشلها منذ عشرات السنين بشهادة الجميع.

ولذر الرماد في العيون، تضمن المشروع احكاما تقضي بعدم قبول طرح الأعباء التي يساوي أو يفوق مبلغها 20.000 دينار دون اعتبار الأداء على القيمة المضافة وعدم قبول طرح الاستهلاكات المتعلقة بالأصول التي تساوي أو تفوق قيمة اقتنائها هذا المبلغ وكذلك الأداء على القيمة المضافة المتعلق بها وذلك في صورة دفعها نقدا على أن يخفّض هذا المبلغ إلى 10.000 دينار ابتداء من سنة 2015 وإلى 5000 دينار ابتداء من سنة 2016، علما ان تلك الاحكام تتنافى مع مقتضيات القانون عدد 75 لسنة 2003 متعلق بمكافحة الارهاب وتبييض الاموال.

ايضا امعن المشروع في اثقال كاهل المؤسسات المسجلة لخسارة من خلال مضاعفة الحد الادنى للضريبة ثلاث مرات دون الاخذ بعين الاعتبار بالدور الاجتماعي الذي تقوم به وعوض تمتيعها بفائض ضريبة على الشركات بعنوان السنوات السابقة التي دفعت خلالها الضريبة على الشركات والسماح لها بطرح خسائرها دون سقف في الزمن مثلما فعل ذلك المشرع الفرنسي منذ سنوات علما ان هذا من شانه قتل روح المبادرة لدى اصحاب المؤسسات.

ولإيهام المتابع للمفسدة الجبائية ان هناك نية لمكافحة التهرب الجبائي المحلي والدولي تضمن المشروع احكاما تقضي بالترفيع في نسبة الخصم من المورد التحرّري المستوجب على المداخيل ذات المنشأ التونسي المحققة من قبل المقيمين بملاذات جبائية إلى 25% على أن تضبط قائمة الملاذات الجبائية المعنية بمقتضى أمر، علما ان تلك الاحكام تبقى ميتة عند ابرام اتفاقية جبائية دولية مثلما هو الشان بالنسبة لجزر الموريس وكذلك عند تحقيق الارباح من قبل مقيمين ببلدان غير مصنفة ضمن الملاذات الجبائية يخضعون داخلها لنسبة ضريبة منخفضة مثلما هو الشان بالنسبة للمناطق الحرة داخل بعض البلدان العربية التي هي اوكار للتحيل الدولي والفساد وتبييض الاموال وايواء الحكام الفاسدين.

ايضا تضمن المشروع احكاما شعبوية وانتخابية تتعلق اساسا بشطب ديون صنف من الفلاحين في حدود معينة دون احترام لمن يقومون بواجبهم الجبائي علما ان المداخيل الفلاحية المصرح بها تكاد لا تذكر وهذا بالامكان اثباته بطريقة علمية ورياضية هل يعقل ان ينتفع بالدعم العمومي الممول من دم دافعي الضرائب من يتهربون من دفع الضريبة ؟.

فالأحكام المضمنة بالمشروع لم تولي أية أهمية لمسألة عمل مئات الالاف من المتقاعدين من التونسيين والأجانب بالإعتماد على الثغرات الموجودة على مستوى الفصل 2 من القانون عدد 8 لسنة 1987 والفصلين 3 و16 من مجلة التشجيع على الإستثمارات التي حررت بصفة وحشية وعشوائية أغلب أنشطة الخدمات قبل التفاوض وتكريس مبدأ المعاملة بالمثل وتأهيل قطاع الخدمات، علما أن ذلك مكّن الأجانب بما في ذلك المتقاعدين من النشاط على حساب العاطلين عن العمل ويكفي الاطلاع على البلاغات الإشهارية للجمعيات الأجنبية للمتقاعدين للوقوف على هذه الجريمة المرتكبة في حق العاطلين عن العمل وكذلك على البلاغات التي تصدرها من حين لآخر هيئة السوق المالية بخصوص المتحيلين الاجانب الذين ينتصبون بالاعتماد على احكام مجلة التشجيع على الفساد وامرها التطبيقي الفاسد عدد 492 لسنة 1994 الذي احدث انشطة غريبة في ظل غياب تصنيفة وطنية للمهن والانشطة.

وبالنظر لخطورة السوق السوداء على المؤسسات المواطنة التي اندثر بعضها وسوق الشغل وموارد الدولة التي تجد نفسها مجبرة على الإلتجاء إلى التداين الخارجي في الوقت الذي لا تقل فيه خسائر الخزينة العامة عن عشرات مليارات الدينارات سنويا جراء استشراء واستفحال الفساد والتهرب في المجال الجبائي، لم تتطرق أحكام المشروع إلى مسألة سد الثغرات التي تطبع التشريع الجبائي الجاري به العمل وذلك على الأقل من خلال إدخال تحويرات على الفصل 101 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية الذي لم يعدد بصفة واسعة اعمال التحيل الجبائي وتحويل وجهة الامتيازات المالية والجبائية.

لم يتطرق المشروع إلى مسألة شطب الديون الجبائية خارج إطار القانون والقضاء من خلال الإصرار على الإبقاء على لجنة إعادة النظر في قرارات التوظيف الإجباري المحدثة بمقتضى الفصل 30 من قانون المالية لسنة 2011 والتي تعتبر محكمة خارج إطار المنظومة القضائية مثلما أكد ذلك القضاة والباحثون والمستشارون الجبائيون والمحامون والتي خلفت اللجنة الإستشارية المكلفة بالنظر في عرائض المطالبين بالضريبة التي شطبت الديون الجبائية منذ سنة 1998 دون أن يفتح أي تحقيق جنائي بخصوص جرائمها إلى حد الآن.

لم يتطرق المشروع إلى مسألة الأحكام المافيوية التي صيغت سابقا على مقاس بعض المهن المناشدة محولة المؤسسة إلى بقرة حلوب كاشتراط طرح عبأ أو الإنتفاع بامتياز بالمصادقة على حسابات المؤسسة من قبل مراقب حسابات ومثل هذه الأحكام التي تم تمريرها من قبل بعض المحاسبين والخبراء المحاسبين بلجنة البرنامج الجبائي المستقبلي لبن علي صلب التجمع لا نجد لها مثيلا بالتشاريع الأجنبية وبالأخص التشريع الأوروبي. الأتعس من ذلك ان تتواصل الجريمة من خلال الفصل 18 من قانون المالية لسنة 2012 الذي شل مصالح المراقبة الجبائية من خلال اغراقها بمطالب استرجاع فوائض اداء لا قبل لها بها.

لم يتطرق المشروع إلى مسألة تبييض الأموال والجرائم الجبائية من خلال الإصرار على عدم حذف الفقرة الأخيرة من الفصل 16 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية التي يستغلها اليوم بصفة خطيرة البعض من اصحاب المهن الحرة للتهرب من دفع الضريبة كالاطباء على سبيل المثال لا الحصر. ان الحديث عن العدالة الجبائية بعد حذف الاحكام الواردة بالمشروع الاولي والمتعلقة بعدم مواجهة مصالح المراقبة الجبائية بالسر المهني حتى تقوم بمهمتها الاساسية المتمثلة في تكريس العدالة الجبائية من خلال مكافحة التهرب الجبائي يبقى ضربا من ضروب النفاق والكذب المفضوح والضحك على الذقون.

لم يتطرق المشروع إلى مسألة السمسرة والفساد في الملفات الجبائية من خلال الإصرار على عدم تحوير الفصول 39 و42 و60 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية التي تنص في خرق للقوانين المهنية على إمكانية أن يستعين المطالب بالضريبة بمن يختاره بما في ذلك السماسرة وعصابات الرشوة والفساد.

لم يتطرق المشروع إلى آلية الخصم من المورد التي خربت سيولة المؤسسات المواطنة التي تقوم بواجباتها طبق ما تقتضيه أحكام التشريع الجاري به العمل وأغرقت مصالح المراقبة الجبائية في مطالب استرجاع لا قبل لها بها وقد حصن ذلك المتهربين من دفع الضرائب خاصة من بين الناشطين بالسوق السوداء من أي ملاحقة وحتى أصحاب بعض المهن الحرة الذين يباشرون دون ان يصرحوا بوجودهم لدى إدارة الجباية علما أن هؤلاء يعدون بالآلاف. الاتعس من ذلك ان المشروع تضمن احكاما تتعلق بالخصم من المورد من شانها شل مصالح المراقبة الجبائية والاضرار بسيولة المؤسسات كتوحيد قاعدة الخصم من المورد بنسبة 1,5 بالمائة.

لم يتطرق المشروع إلى مسألة الشركات الأجنبية لكراء اليد العاملة التي عادة ما تكون مبعوثة بالخارج على شاكلة صناديق بريد والتي يتم استعمالها من قبل الشركات الأجنبية المنتصبة بتونس وبالأخص تلك الناشطة في مجال التنقيب عن المحروقات للتهرب من دفع الضريبة واستنزاف العملة الصعبة من خلال فوترة تلك اليد العاملة التي لسنا في حاجة لها بمبالغ خيالية. فتلك الشركات عادة ما تكون صورية أو على شاكلة صناديق بريد يتم بعثها بالمناطق الحرة أو بالجنات الضريبية أين لا تخضع للضريبة على الشركات. كان من المفروض أن ينص المشروع على عدم طرح تلك الأعباء من أساس الضريبة على الشركات بتونس كما يجب أن ينص على عدم طرح الأعباء المفوترة من قبل الشركة الأم والشركات التابعة للمجمع والشركات المنتصبة بالجنات الضريبية او ببلدان تطبق نسبة ضريبة منخفضة مثلما فعل ذلك المشرع الكامروني في اطار قانون المالية لسنة 2012.

لم يتطرق المشروع الى مسالة تخريب القدرة الشرائية للمواطن من خلال عديد المعاليم والأداءات التي تستعمل لتمويل 27 صندوق فساد لم يفتح تحقيق بخصوص آلاف المليارات التي أهدرت في إطارها كتلك المتعلقة نظريا بتمويل برنامج التأهيل الشامل وغير ذلك. تلك المعاليم والأداءات الإجرامية ساهمت في إثقال كاهل المؤسسة المواطنة ومحدودي الدخل. فلا احد بامكانه ان ينكر ان حذف السقف المتعلق بالمعلوم على المؤسسات المقدر بمائة الف دينار قد ساهم بصفة خطيرة في الاضرار بالقدرات التنافسية لبعض المؤسسات دون الحديث عن ان المبالغ المستوجبة لا تتناسب مع الخدمات المسداة بالنظر للمساحة المغطاة. كما ان معاليم الطابع الجبائي التي تتكبدها المؤسسة بعنوان خدمات الهاتف قد ساهمت في تخريب قدراتها التنافسية. هذا يثبت بما لا يدع مجال للشك ان السلطة الحاكمة هي باعتمادها على مهندسي الفساد الذين يغطون على ممارسي التهرب الجبائي والغش الناشطين في السوق السوداء هي بصدد قتل المؤسسة المواطنة وحتى المواطنين من خلال السماح بترويج المنتوجات المسمومة المتاتية من الصين وغيرها من البلدان.

لم يتطرق المشروع إلى مسالة الفساد في المجال الجبائي الذي يكلف الخزينة العامة سنويا آلاف المليارات. فالملاحظ أن بعض الأطراف تستميت في الإبقاء على الثغرات التي من شانها مساعدة المتحيلين والمتهربين والفاسدين على العبث بالموارد العمومية. فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يتم التنصيص صلب مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية على إمكانية مراقبة أعمال المراقبين لاحقا داخل المؤسسة وكذلك على فتح آجال التدارك كلما تعلق الأمر بأعمال فساد او تهرب جبائي، علما ان المستشارين الجبائيين قد تقدموا بمقترح تشريعي بهذا الخصوص ايمانا منهم بقدسية مبدا المساواة الذي يقتضي ان لا يسقط حق الخزينة العامة بمرور الزمن.

لم يتضمن المشروع احكاما لمكافحة السوق الموازية من خلال التنصيص صلب الفصل من مجلة الضريبة على الدخل على عدم طرح الاعباء بما في ذلك الاستهلاكات المبررة بفواتير صادرة عن اشخاص يباشرون انشطة مهنية وتجارية في خرق للتشريع الجاري به العمل مثلما فعل ذلك المشرع الكامروني من خلال قانون المالية لسنة 2012 حيث لا يعقل ان لا تقبل للطرح الخطايا وتقبل الاعباء المبررة بفواتير صادرة عن ممارسي الغش والتحيل.

لم يتطرق المشروع الى مسالة اهدار المال العام في اطار ما يسمى بمجلة التشجيع على الاستثمارات كمنح اراضي الشعب بالدينار الرمزي وتحويل وجهة الامتيازات المالية على مراى ومسمع من الجميع وتحويل تونس الى وكر لتبييض الاموال والجرائم من خلال الشركات المصدرة كليا وشركات التجارة الدولية غير المقيمة المبعوثة على شاكلة صناديق بريد والتي لا تصدر شيئا وليس حتى لها وجود مادي بتونس سوى من خلال ملفها القانوني الذي تم توطينه باحد مكاتب السمسرة والفساد والتلبس بالالقاب. أيضا لم يتم التطرق إلى ظاهرة استيراد البطالة والتحيل وعمل المتقاعدين الأجانب على حساب التونسيين وعمل الاجانب في خرق للفصل 258 من مجلة الشغل والفصل 18 من مجلة التشجيع على الاستثمارات الذي تم التحايل عليه من خلال تحويل الاجير الاجنبي الى مستثمر والتهرب من دفع الضريبة على الدخل. كما لم يتطرق الى مسالة وضع منح مالية على ذمة المتحيلين الذين حولوا تونس الى مصب للخردة باعتبار ان مجلة التشجيع على الاستثمارات او بالأحرى الجريمة المنظمة وتبييض الأموال وهدر المال العام لم تنص على نقل التكنولوجيا وعلى ان المنح المالية تعطى بعنوان التجهيزات والمعدات الجديدة والمتطورة وعدد مواطن الشغل المحدثة بصفة دائمة.

خلاصة القول أن مشروع قانون المالية لسنة 2014 أمعن في إثقال كاهل المطالبين بالضريبة وبالأخص المؤسسات المواطنة التي تقوم بواجباتها الجبائية ملحقا أضرار جسيمة بمردوديتها. فعوض أن يتضمن إستراتيجية واضحة المعالم لمكافحة التهرب الجبائي الذي يكلف الخزينة العامة عشرات مليارات الدينارات سنويا، بادر بالترفيع في الضغط الجبائي من خلال اخضاع الارباح للخصم من المورد على سبيل المثال لا الحصر ليدفع بطريقة غير مباشرة من يقومون بواجبهم الجبائي إلى الإلتحاق بجمهور المتهربين او مغادرة البلاد او التوقف عن الاستثمار. كان من المفروض التفرغ للمتهربين من دفع الضرائب من خلال على الأقل إشتراط إنتفاعهم بالخدمات العامة بقيامهم بواجبهم الجبائي عوض الإمعان في امتصاص دم الذين يقومون بواجبهم الجبائي.

ان تواطؤ الماسكين بالسلطة اليوم مع المتهربين من دفع الضريبة بصفة مفضوحة من خلال شل مصالح المراقبة الجبائية بالسر المهني وضعف الامكانيات المادية والبشرية والابقاء على الثغرات التشريعية التي تنهب من خلالها خاصة مواردنا النفطية والمنجمية يفرض على دافعي الضرائب المطالبة بصفة جدية وحازمة بالعدالة في التهرب الجبائي من خلال رفض الخصم من المورد بعنوان الاجور على سبيل المثال لا الحصر واشتراط القيام بالواجب الجبائي على اساس ميثاق جبائي يتم احترامه من قبل الجميع. فحتى المقترح المقدم خلال سنة 2012 من قبل المستشارين الجبائيين، والمتعلق بانعاش المجلس الوطني للجباية المكلف نظريا بتقييم السياسة الجبائية وابداء الراي حول العدالة الجبائية الذي ولد ميتا نتيجة فقدانه للاستقلالية من خلال تراسه من قبل وزير المالية وتركيبته البنفسجية التي تضم اشخاصا شاركوا في جريمة شطب الديون الجبائية، ووجه بالامبالاة، علما ان المجلس لم ينتج شيئا منذ بدا نشاطه سنة 2002.

عندما يدرك الشعب التونسي أن الثورة الجبائية بإمكانها القضاء على الفاسدين والمتواطئين معهم مثلما فعل الشعب الأمريكي في القرن الثامن عشر أي قبل كتابة دستوره، عندها ستتغير الأمور نحو الأفضل. فشعار الثورة الجبائية بأمريكا كان “لا أداء بدون مساءلة” ونحن اليوم نعيش نفس الظروف التي عاشها الشعب الأمريكي في ظل الاستعمار البريطاني حيث تم إثقال كاهله بأداءات لا قبل له بها من معاليم طابع جبائي وغير ذلك دون أن يكون له حق المساءلة والمحاسبة وهذا هو السبب الذي كان وراء اندلاع الثورة الجبائية التي أدت إلى استقلال أمريكا في 4 جويلية 1776.