dialogue-national

بقلم خلدون العلوي،

الحوار لم يكن الا ملتزما باتفاقات سياسية وإلتزامه هذا جاء في ترتيبات بدت وكأنها بنائية ولكن محاولات تتويجها بالإحتفالية إثر المصادقة على الدستور جعلها تسقط في فضح حقيقتها من صور المعانقة حتى تسمية الحكومة حد تجاوز الترتيبات القانونية في الترشيح الثاني بعد خلاف أحكام سحب الثقة مرورا بسرعة الإنجاز في المصادقة على الدستور هذه الحقيقة التي تقول أن الإلتزام الوطني غاب ليعوض بآلزام الضغط الخارجي وٱحراجات الوضع الإقتصادي وحلوله الأجنبية أيضا رغم كل التضخيم لعامل الكفائة لشخصيات الحكومة الجديدة.

لا يمكن ان نتصور ان ما مر بالبلاد طيلة ثلاث سنوات وما شهدته قبة المجلس من مشاحنات تبادل فيها نواب الشعب تهم كثيرة من الخيانة والعمالة والإرهاب بناءعلى احداث و معطيات زعموا انهم يمتلكونها , يمكن ان تحل او يسكت عنها هكذا بهذه السهولة دون تبريرات واضحة وعقلانية تمحو ماحل بادهان المواطنين من شكوك وخلط وارباكات وهو ما يسقط الحرص الجديد على المصلحة الوطنية المزعومة كهدف للحوار الوطني…

فالبناءات الصامدة المنشودة لا يمكن ان تكون دون المرور بهذه المشكلات الرئيسية اليوم من حيث انها تصوغ الموقف السياسي الشعبي وتوجهه وتؤثر عليه ولا يمكن ان نستنتج من تاجيلها واستبدالها بقبل ومصافحات المجاملة الا سقوطا في قلة الحرفية السياسية وانعكاسا طبيعيا لضعف النخب السياسية في تونس وقلة كفاءتها من الناحية الحرفية والقيادة الجماهيرية وهو ما سينعكس بالطبع على حالة الانضباط الحزبي وسينعكس من وراء ذلك على حالة الانضباط الجماهيري في علاقة بما ينادى به اليوم من تجديد الهدنة الاجتماعية…

ولا يمكن ان نعتقد في هذه المرحلة الجديدة من الانتقال والتي لن تخرج من الوقتي وستنهمك اكثر ما ستنهمك في مسابقة الوقت نتيجة للضيق المجال الزمني اكثر من ان النهضة ونداء تونس فقط قد سمحا بها في استعداد جديد لخوض معركة الدائم ورسم خطوطها وتعديل شروطها واستبدال وسائلها المنتهية في الادارة والاعلام والاعمال.

ان الاتفاق منقوص شكليا لعدم مشاركة كل القوى السياسية في صياغة خاتمته وهو منقوص لان الشعب غائب عنه منذ البداية ولم يفكر ابدا في كيفية تشريكه عبر قنوات تمثله وتخرج به من دائرة التلقي السلبي عبر الاعلام، ومنقوص لان موازين القوى التي طبعته لا تختلف كثيرا عن موازين القوى قبل 14 جانفي في علاقة بتعطل ملفات المحاسبة والمصالحة وما كان يجب ان يكون عليه شان قضة العدالة الانتقالية وما آلت اليه بعد ثلاث سنوات من الثورة.

اذا لن تكون هناك فائدة من انتضار مالات هذا التوافق المنقوص الذي لم يرق في واقعه لما تنص عليه ادبيات الديمقراطية التوافقية وتنضيراتها العلمية ولن تكون الفائدة منه ذات صلة بمنجزات اصيلة او مبدعة رغم هالة المباركات الدولية من البرلمانات والقيادات السياسية العالمية ولن تنضج اي مفاهيم وصيغ اجتماعية وسياسية واقتصادية او ثقافية جديدة كما ان اهميتها وراهنيتها لجهة البناء الوطني والتطور المستقل تحت غطاء السيادة الوطنية والنهوض المجنمعي والانساني للوطن ليس منها امال ترجى.

وسيبقى علينا لنحقق هذا ان نعمل من جديد على استنهاض المواقف التغييرية الجدية من داخل القوى السياسية ومن خارجها وخاصة عبر منظمات المجتمع المدني المستقلة وهو ما يتطلب معركة فرز جديد يخوضها الشعب لتحسين شروط تفاوضه مع قوى السيطرة والنفوذ القديمة والجديدة. ولن تكون لهذا الخيار من طريق غير النضال من اجل فرض قانون انتخابي قادم يعدل الكفة لصالح مصالح الشعب ومتطلباته وطموحاته.

حكومة التكنوقراط ليست محاولة لدفع الاداء وضمان نجاعته ولا يمكن ان نستبق فشل هذه الحكومة او نجاحها. فقط كل ما يمكن ان نستنتجه ان هذه الحكومة جاءت بعد ان وافقت النهضة على هذا الخيار لرفع الحرج السياسي عن اي خيار اقتصادي لا يراعي المصلحة الشعبية او يكتشف انه جاء في التزام بالسيطرة الاجنبية على مقدرات الشعب او يمس من حاجيات الفئات الوسطى والفقراء لتبرير الاستعمال الكامل لعنف الدولة امام تعطل المصالح الاحتكارات بسبب الاعتصامات والتحركات الشعبية التي تصور منذ مدة على انها تهديد لمصالح البلاد وتعطيل لعجلة الاقتصاد الوطني وتصل حد الخيانة.