Crédit image : Getty image

بقلم محمد علي أمية،

إنتهى العهد الذي كان فيه التعليم وسيلة لتحقيق الارتقاء الاجتماعي حيث كانت مؤسسات التعليم من الأماكن القليلة التي لا تعترف بالفوارق الاجتماعية و الإمكانيات المادية وكان يتساوى فيها الجميع من فقير و غني لا يميز أحدهم على الآخر سوى نتائجه في الدراسة.

كانت علاقات الزمالة بين التلاميذ طبيعية و عفوية لم تتسرب إليها بعد تأثيرات الطبقية الاجتماعية التي قسمت التلاميذ إلى مجموعات على أساس اجتماعي و مادي حتى أصبح أبناء الميسورين منفصلين عن أبناء الفقراء يلتقون داخل الفصل و ينفصلون بمجرد الخروج منه. هذه الوضعية الجديدة كانت النتيجة المباشرة و الطبيعية لدخول المادة للمؤسسات التعليمية بعد التغييرات الاجتماعية التي شهدتها البلاد إثر اعتماد خيار اقتصادي ليبرالي متوحش يضع المادة في أعلى قيم المجتمع.

كان من نتائج ذلك استسلام جيل جديد من المدرسين أمام إغراءات الكسب المادي السريع وانتشار أسلوب جديد في التدريس يتعمد عدم إعطاء المعلومة كاملة خلال ساعات الدرس ليدفع بالتلاميذ دفعا إلى تلقي الدروس الخصوصية وجعلها شرط إلزامي للنجاح. كل ذلك وسط تواطؤ من إدارة استشرى فيها الفساد على جميع المستويات لم تحرك ساكنا رغم وجود بعض القوانين التي كان من الممكن تفعيلها. أصبح حينئذ الفقير ولو كان مجتهدا غير قادر على التميز وحتى النجاح بحكم أنه تم حجب جزءا من المقرر عنه فغاب العدل وضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ وكان ذلك بداية السقوط المدوي لا فقط للمنظومة التربوية بل و الاجتماعية كذلك.

غاب التعليم المجاني و حل محله تعليم مكلف لا يقدر على تكاليفه غير ميسوري الحال و أضحى الأولياء يعانون الأمرين لتوفير مصاريف الدروس الخصوصية ليتمكن أبنائهم من اللحاق بالمعاهد النموذجية أو مصاريف المدارس الخاصة التي انتشرت بسرعة مستغلة رغبة الأولياء في أن يكون أبنائهم من المتفوقين عسى أن يتمكنوا من دخول كليات الطب و الصيدلة و الهندسة التي بقيت آفاق التشغيل لخريجيها نسبيا أحسن حالا من باقي الشعب الجامعية التي تم تهميشها على غرار العلوم الإنسانية التي لم يعد يتوجه لها الطلبة إلا مجبرين. ومن المضحكات المبكيات أن حمى الدروس الخصوصية تسربت إلى داخل الجامعات التونسية في سابقة عالمية فأصبح الأستاذ الجامعي التونسي منشغلا بإعطاء دروس خصوصية في حين يمضي زملائه في باقي البلدان أوقاتهم في البحث العلمي و الإشراف على رسائل الدكتوراه حتى أصبحت جامعات تونس في أسفل ترتيب الجامعات في العالم. (في ترتيب شنقهاي للجامعات جميع جامعات تونس غير مصنفة)

جملة من الإختيارات الخاطئة إتخذتها الدولة على مدى عشريات أدت إلى تدني مستوى التلاميذ في جميع مجالات الدراسة ( في ترتيب بيزا العالمي تلاميذ تونس في قاع الترتيب) وتدنى أيضا مستوى خريجي الجامعة فأصبح من الصعب على أرباب العمل العثور على شباب جيد التكوين رغم جحافل البطالين من أصحاب الشهائد الذين لا يحسن أغلبهم تحرير مطلب شغل خال من الأخطاء بأي لغة كانت.

أول إختيار خاطئ كان التخلي عن التعليم المهني الذي كان يستوعب بين صفوفه كل من ليس له المؤهلات الكافية لمواصلة تعليم طويل فيتم تأهيلهم في العديد من الإختصاصات ليقوموا بدور أساسي في المجتمع وتم حمايتهم من التسكع في الطرقات الذي يعيشه اليوم المنقطعين عن التعليم ممن لم تمكنهم مؤهلاتهم اادراسية من مواصلة تعليمهم.

الإختيار الخاطئ الثاني كان إفراغ الفصول من التلاميذ المتميزين وإرسالهم إلى معاهد نموذجية بحيث أصبح التلاميذ المتوسطي و ضعيفي المستوى يدرسون معا و الممتازين معا بعد أن كانوا قاطرة لزملائهم يساعدونهم على الرفع من مستواهم.

الإختيار الخاطئ الثالث فهو السماح ببعث مدارس خاصة تتوفر على إمكانيات بشرية و بيداغوجية هائلة لا يتمكن من دخولها إلا أقلية من الأغنياء وتم ظرب مبدأ تكافئ الفرص بين التلاميذ نهائيا بحيث أصبح هناك تعليم ذا جودة يؤمه ابناء الأغنياء و تعليم مهمش يِؤمه أبناء غالبية الشعب و هم يتمنون لو كان بإمكانهم الإلتحاق بالتعليم الخاص.

الإختيار الخاطئ الرابع كان التخلي على مدارس ترشيح المعلمين والتي بإغلاقها إنتهى جيل المعلمين الذين درسوا مهنة التعليم والأساليب البيداغوجية ونفسية الأطفال و حل محلهم معلمين من نوع آخر أغلبهم ممن لم يختر المهنة و لكن توجه لها كملاذ أخير بعد فشله في دراسته الجامعية.

أما الإختيار الصحيح و الذي للأسف لم يقع المضي فيه فقد كان الإستثمار في الرقي بمستوى التعليم العمومي في جميع مجالاته البشرية و البيداغوجية و البنية التحتية و العمل على تعميق إنتماء الناشئة لحضارتنا و تعميق الشعور لديهم بهويتنا التى هي بمثابة الذاكرة التي بفقدانها يصبحون غير قادرين على التأثير و التعامل في كنف المساواة مع من حولنا في هذا العالم و التي إن رسخناها كانت عامل وحدة في مجتمعنا.

إنه لا مكان في بلادنا لتعليم مختلف لكل طبقة إجتماعية ولا مكان لتعليم يباع بالمال في دروس خصوصية أو مدارس خاصة. كل أبناء تونس لهم الحق في تعليم ذوجودة عالية في مدارس الدولة وعلى نفس المستوى في جميع جهات البلاد. يجب أن تتكفل الدولة في جميع مستويات التعليم بكافة مستلزمات الدراسة حتى يكون لكافة أبناء تونس فرص متكافئة في النجاح. بذلك وحده يعود الإيمان من جديد بأن التعليم هو الوسيلة الأنجع للإرتقاء الإجتماعي ومن ثمة الإقبال من جديد على الدرس و الإجتهاد.