gr33ndata-Barbed-Wire

مصدر الصورة، فليكر

بقلم عبد الرزاق قيراط،

انتظم في تونس مؤخّرا مهرجان “كلمة”، في دورته الثانية… وحفل كالعادة بضيوف جاؤوا للقراءة والسياحة.. فقد أدركت من تجربتي في الدورة السابقة أنّ بعض المهرجانات تقام لتحقيق رغبات سياحيّة لبعض “المثقفين” القادمين من فرنسا للتمتّع بالشمس الساطعة دوما في بلد الياسمين تونس.

وتقوم فكرة المهرجان على دعوة كتّاب وفنانين لقراءة نصوص متنوّعة باللغة الفرنسيّة (أوّلا) والعربيّة (ثانيا)، وتشفع بحلقات نقاش بالفرنسيّة أوّلا وثانيا.

كانت اللغة الفرنسية، في الدورتين، مهيمنة إذن، فلا ثقافة في تونس إلاّ بها، والمؤسّسات الثقافيّة الفرنسيّة تقدّم دعما ماديّا كبيرا لتكريسها، ويكاد اسم المثقّف لا يمنح في بلدنا إلا للمبدعين بلسانها وهم من بني جلدتنا. ومنهم من لا يعترف باللغة العربيّة الفصحى فيفضّل العاميّة عليها.. حتّى أنّهم ترجموا دستورنا الجديد إلى العاميّة وكأنّ لغة الضاد التي كتب بها عصيّة على أفهام التونسيّين. ولهؤلاء حراك لا يتوقّف لاستئصال جزء من هويّة البلاد وثقافتها. وتبذل في سبيل ذلك أموال طائلة في شكل هبات ومساعدات.. وتساهم في ذلك الاستئصال أوالتهميش بوعي مبيّت، قنوات إذاعيّة وتلفزيونيّة تتحدّث بلغة هجينة هي خليط من العاميّة والفرنسيّة… وعموما، لا تقيم وسائل إعلامنا وزنا للثقافة بمفهومها الشامل أو المتعدّد الذي يضمّ جميع الحساسيّات والاتجاهات. وأغلب الصحافيّين العاملين بها لا يقرأون ولا يكتبون ولا يعرفون من الكتّاب إلاّ أسماء قليلة حفلت بها كتبنا المدرسيّة القديمة التي لا تتطوّر أبدا ولا تواكب العصر، فتزيد في جهل المتعلّمين عوض أن تفتح أمامهم آفاقا وأسماء جديدة… ويشمل ذلك التقصير ما يسمّى بالاذاعة الثقافيّة التي أسندت لها تلك الصفة ظلما وعدوانا عليها وعلى المثقفين في آن واحد. وهي كغيرها من وسائل إعلامنا، تستضيف نفس اللوبيّ الذي يستأثر بصفة المثقّف باعتبارها موردا للتكسّب من عطايا وزارة الثقافة ومطيّة لتمثيل البلاد في شتّى التظاهرات والمهرجانات المحليّة والدوليّة.

في هذه الأجواء الثقافيّة العليلة، زيّنت لي نفسي أمر المشاركة في المهرجان المذكور،( فهي أمّارة بالسوء). وكان ذلك خلال الدورة الأولى. فاتصلت برقم هاتفيّ ( يخصّ الجهة المنظّمة)، لأطلب انضمامي إن أمكن لثلّة القرّاء أو المقرئين بلسان عربيّ مبين. وكانت المفاجأة أنّ مديرة المهرجان راقصة معروفة أو أستاذة رقص لها باع وذراع في ميدانها.

ولمّا بادرتها بتقديم نفسي، سارعت إلى الاعتذار لأنّها لا تعرفني، وسبب جهلها أنّها لا تعرف الكتّاب باللغة العربيّة. ولم يخل تعليلها من التفاخر بكونها لا تقرأ إلاّ باللسان الفرنسيّ… وأنا لا ألومها ولا أعرف من ألوم أيضا، ولكنّي تساءلت مستغربا عن الجهة التي تقف وراء تسميتها لإدارة مهرجان يهتمّ بلغة العقل لا بلغة الجسد…

وفي اليوم الموعود، توجّهت إلى قرية سيدي بوسعيد الجميلة (التي يحبّها الفرنسيّون). بعد أن تلقّيت دعوة شفويّة للمشاركة. وفي قصر النجمة الزهراء، جلست مع جمهور صغير أنتظر دوري لقراءة النصّ الذي جلبته معي مسجّلا في تلافيف حاسوبي اللوحيّ الخفيف.. ولكنّ الجلسة خصّصت لجدل حول الربيع العربيّ باللغة الفرنسيّة طبعا.. وكانت الأنظار متجّهة إلى ضيف بعينه هو “باتريك بوافر دارفور”، (قارئ الأخبار) الذي تربّع على عرش نشرة الثامنة بقناة التلفزيون الفرنسي TF1 لعقدين من الزمان… فالرجل مشهور، والناس يحبّون المشاهير. وبعد ساعة ونصف من الثرثرة على ضفاف ثورتنا، ثورة الياسمين، خرج القوم يتقدّمهم جند المهرجان من المثقّفين التونسيين الذين سيرافقون ضيوفهم إلى الفنادق المخصّصة لاستقبالهم… وظننت أنّ المجال سيفسح أخيرا للعربيّة ونصوصها وكتّابها. ولكنّ ظنّي كان آثما فقد أعلن المنظّمون عن نهاية الأمسية معتذرين (عن سوء التنظيم!) وفي طريق العودة إلى البيت، رافقتني أسئلة كثيرة،. وكانت على قدر كبير من البساطة والتعقيد في آن واحد.. تساءلت عن هويّة المثقّف التونسيّ وعلاقته بمحيطه وجذوره، فوجدت الصورة مشوّهة بسبب الحراك الذي يسيطرعليه لوبيّ قديم، يحتكر تلك الهويّة أو الصفة، ويحيط مجالاتها بأسلاك شائكة تمنع (الآخر المختلف) من ولوجها.

إنّهم المثقّفون الذين يظهرون على التلفزيون الرسمي ، وتصلهم دعوة رسميّة من وزير الثقافة ومن رئيس الحكومة ليشكرهم و”يثمّن دورهم في بناء تونس الجديدة”.. وحظّ هؤلاء – أو أكثرهم – من الثقافة وهمومها، يقتصر على حضور الولائم والمعارض والمهرجانات بأنواعها. وهم لا يكتبون ولا يبدعون ولكنّهم يرقصون ويراقصون، وبشربون على نخب الثقافة خمرة ويدخّنون حشيشا.. ويقال لهم مثقّفون.