walking-backwards

بقلم محمد سميح الباجي عكّاز ،

نحن نتاج هذا الواقع وهذا الزمن الذي تختلط فيه الانهيارات الواضحة بالولادات الغامضة….

ولا نتوب عن أحلامنا … مهما تكرّر انكسارها… محمود درويش

حالة من الاحتقان تتحوّل شيئا فشيئا إلى يأس يختلط بالحقد ثمّ اللامبالاة، أمل يضمحلّ ليتحوّل شيئا فشيئا إلى مجرّد ذكرى عن أيّام خلنا أنّها بداية لحلم يتحقّق، رتابة وسكون تخلق حالة من الإحساس بالفراغ والحياد أو الأصّح شعورا يشبه الخدر تجاه الواقع.

هكذا تحتضر الثورات و تلفظ أنفاسها، وما ملاك الموت سوى نسخ كثيرة يكفينا أن تفتح جرائدنا وتلفزاتنا لنراهم يشحذون سكاكينهم استعدادا لنحر أحلامنا على مذبح زعاماتهم الوهميّة.

ولكنّ وسط هذا الركود ما تزال بعض الأصوات تكسر صمم المتجاهلين وتقارع بالفكرة وبالقبضات المشدودة وبالصوت العالي موجة الردّة التي تكتسح الوطن وسط تسليم شبه مطلق لولاهم، وبتواطؤ ممن احترفوا اجترار الماضي واستحضار الموتى والعيش في ظلّ الوصاية.

لحظة هروب بن عليّ، ربّما لم يتبادر إلى ذهن أحد أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم، وربّما خُيّل للكثيرين أن 14 جانفي سيكون بداية لصفحة جديدة من تاريخ تونس، ومرحلة ستكون أولويّاتها محاربة الفساد الذي نخر البلاد لعقود وتجسيد المطالب التي رفعها النّاس وسقط من أجلها الشهداء، واقع اليوم يعكس نجاح النظام الذي أبى أن يستسلم بعد أن خان الجميع بقصد ربّما أو دون قصد الهدف الذي سقط من أجله الشهداء وخرج من أجله الناسّ متحدّين القمع وحالة الانقماع التي سيطرت على النفوس لعقود.

فالثورة التي كان من المفروض أن تكرّم شهداءها وتحارب مواطن الفساد وتقطع مع الخيارات الاقتصاديّة التي أوصلت البلاد إلى الوضعيّة التي كانت عليها قبل 17 ديسمبر أتت بالعكس تماما. وبسرعة غريبة، غابت الشعارات وتداخلت الحسابات وسقطت المطالب الكبرى ليدخل الشعب في متاهة من المواقف والتصريحات والصراعات التي طغت على المشهد بعد 14 جانفي وكانت بمثابة ساتر من الدخان حجب الكثير من المطالب الرئيسية للثورة وذرّ الرماد على العيون. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه تحديّات حقيقيّة على الصعيد الاقتصاديّ والأمنيّ والسياسيّ، وهو ما يمكن اعتباره أمرا طبيعيّا عند حدوث الهزّات السياسيّة الكبرى، انخرطت الأحزاب في ما يشبه استعراض العضلات والكلمات وراحت تغيب عن الصورة شيئا فشيئا قضايا الشهداء وقتلتهم والفاسدين ومعاونيهم، ليصدر حكم المحكمة العسكريّة في غفلة من الجميع أو بتجاهل منهم وليخوض أهالي الشهداء في ما بعد معركة يائسة حُكم عليها أن تبقى في الظلّ، فجولات وزيرة السياحة والاستعدادات الانتخابيّة المبكّرة أهمّ من دماء الشهداء التي صارت تُثقل كاهل السياسيّين.

ولم تتوقّف الخيبات عند هذا الحدّ، بل كشّر النظام عن أنيابه بعد أن مرّت تلك القضيّة بهدوء لتبدأ مرحلة تقليم الأظافر أو العقاب الجماعيّ لمن تجرأ وصدح بالرفض وشارك في الاحتجاجات التي هزّت النظام ذات شتاء، فراحت “حكومة الوفاق” تنهي العمل الذي لم ينجز (لحسابات سياسيّة وانتخابيّة) بخصوص الهيكلة الاقتصاديّة أو بعبارة أوضح إنهاء بقايا الاقتصاد الوطني والتطبيق الحرفيّ لتوصيات واملاءات هيئات النقد الدوليّة … 
فهذه الحكومة التي نُصبّت بعنوان “الإنقاذ” بعد تحالف الأحزاب ومنظّمة الأعراف ورضا السفارات تنهي مهمّتها قبل المسرحيّة الانتخابيّة، إذ قبل أن يغمس المواطن من جديد إصبعه في الحبر الأزرق ليخيّر لا ليختار، يجب أن تكمّم كلّ الأفواه الرافضة للجلباب الجديد الذي لبسه النظام القائم وأن توأد في المهد أيّ بادرة لتكرار سيناريو 17 ديسمبر وطبعا وقبل أن تبدأ عمليّة “الهيكلة الاقتصاديّة” وجب تحييد النقابات وإسكاتها وتجريم الحراك الاجتماعيّ وتطبيق سياسة الترهيب الاقتصادي …الذي انخرطت فيها بعض وسائل الإعلام لتهمّش قضايا أخرى أو ربّما لترّوج لأجندا معيّنة. 

فقضيّة عزيز عمامي، ومن قبله صفوان بوعزيز وجهاد المبروكي وقضيّة الشهداء وملاحقات تطاوين وأحداث قفصة وسامي فرحات والقائمة تطول لا تحمل سوى رسالة واحدة …. حريّة إلى الوراء دُر، وأغلب التهم التي لُفّقت من قبيل تكوين وفاق، حرق مركز، وتعاطي الزطلة ..لم تكن سوى ذرائع لمحاكمة مرحلة من تاريخ تونس.

وهنا، نسأل من المسئول..؟ الجواب أسهل من أن نسهب في التفكير والاستنتاج، الكلّ ساهم في ضياع البوصلة، فلم تكن البلاد لتصل إلى هذه الوضعيّة لو لم تضع حركة النهضة خلال تولّيها زمام الأمور حساباتها السياسيّة والانتخابية فوق الاعتبارات والضرورات الاقتصادية الملحّة، ولو لم يعمل الباجي قائد السبسي على ضمان التهدئة الاجتماعية على حساب الوضع الاقتصادي الحرج في فترة الموازنات الماليّة المحدودة. واليوم يبدو أنّ حكومة مهدي جمعة تجد نفسها في وضعيّة مريحة على الأقلّ من الناحية النفسيّة للشعب التونسيّ، الذّي صار يعيش بين خيار الأمن والإرهاب وخيار التجويع أو التسليم، لتمرير مخطّطات هيئات النقد الدولية و تعليماتها وإحداث التغيير الهيكليّ المطلوب في الاقتصاد التونسيّ وفق ما يراه البنك الدوليّ و صندوق النقد.

ربّما حان الوقت ليفهم الجميع أنّ جوهر الصراع في بلادنا ليس بين “مُؤمنين” و “كُفّار” ، ففي بلادنا فينا من كفر شبعا و فينا من كفر جوعا، في بلادنا البعض “يُفسدون” في الأرض لصرف فائض المال و آخرون “يُفسدون” في الأرض بحثا عن قليل من المال، في بلادنا، فينا من حوّلته كثرة المال إلى مسخ وفينا من حوّلته قلّة المال الى عبد.

جوهر النضال في بلادنا ، أن نُؤمن أنّ العدل حقّ للجميع وأنّ الكرامة والعيش الكريم ليس حكرا على فئة دون أخرى.