transition-tunisia

بقلم احمد بن مصطفى،

في حديث تلفزي لقناة حنبعل بتاريخ 30/09/2014 أكّد مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسيّة أحمد نجيب الشابي أن هناك شبه اجماع بين الأحزاب والقوى السياسيّة التونسيّة الرئيسية بما فيها الأحزاب اليساريّة على أن منظومة اقتصاد السوق هي الخيار المناسب لتونس في المجال التنموي.

ويكتسي هذا التصريح أهميّة بالغة باعتبار أنه يتزامن مع انطلاق الحملات للانتخابات التشريعيّة والجدل لمصاحب لتقديم الترشحات للانتخابات الرئاسيّة وفي ظروف اقتصاديّة صعبة ومتدهورة كشف عنها آخر تقرير للبنك العالمي و كذلك تقرير البنك المركزي التونسي الذي راجع توقعاته باتجاه الانخفاض بخصوص نسبة النمو للعام الجاري، كما نبّه التقرير من تنامي العجز التجاري الى مستويات خطيرة تهدد التوازنات الاقتصاديّة والماليّة الكبرى لتونس.

ويجدر التذكير بأن قضيّة تعثر المنوال التنموي المتبع منذ بداية ألسبعينات أصبحت مطروحة بعد الثورة وازداد الجدل حول هذا الموضوع حدة مع التردي المتواصل للأوضاع الاقتصاديّة الذي دفع الحكومة الى التفكير في وضع استراتيجيّة جديدة للتنمية وإعادة البناء غير أن الاستراتيجيّة المعروضة على المشاركين في المؤتمر المنعقد بتونس بداية سبتمبر الماضي للنهوض بالاستثمارات الخارجيّة لا تتحدث عن مراجعة منظومة اقتصاد السوق التي انخرطت فيها تونس بإمضائها على مسار برشلونة وعلى اتفاقيّة التبادل الحر للسلع الصناعيّة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995.

ومع ذلك، فإن نسبة هامة من المشاكل الاقتصاديّة الهيكليّة التي تعاني منها تونس،مرتبطة بصفة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الاتفاقيّة وما ترتب عن إزالة الحواجز الديوانية من تفاقم للعجز التجاري وخسائر فادحة في موارد الدولة مما دفعها للّجوء المتزايد الى التداين الخارجي الذي ارتفع بعد الثورة الى مستويات خطيرة مما أدى الى خضوع تونس مجددا الى القروض المشروطة للبنك العالمي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.

غياب القضايا الاستراتيجية عن الحملة الانتخابية مضر بالديمقراطية

ومهما يكن من أمر فإنه من غير المعقول ــ في تونس ما بعد الثورة الساعيّة لبناء الديمقراطيّة ــ أن تحتكر الحكومة والقوى والأحزاب السياسيّة الحق في تحديد الخيارات الاستراتيجيّة الكبرى بمعزل عن الشعب التونسي والمجتمع المدني والنخب والمختصين غير المنخرطة في العمل السياسي خاصة وأن شريحة هامة من الأحزاب و الفاعلين السياسيين بتونس غير ملمين وغير مطلعين على النحو المطلوب بمضامين الملف الاقتصادي وملفات السياسة الخارجيّة ذات الصلة كما أنّهم غير مدركين على ما يبدو للتبعات الخطيرة لسياسة الشراكة و اقتصاد السوق على مصالح تونس وأمنها القومي السياسي والاقتصادي. ويعزى هذا الأمر الى أن السلطات السياسيّة العليا دأبت في ظل الديكتاتوريّة، وحتى بعد الثورة، على التعامل مع هذه الملفات باعتبارها أسرار دولة يجوز للحكومة أن تنفرد بالقرار بشأنها والحال أنه كان من المفترض أن تكون محل استشارة وتوافق وطني بالنظر لطابعها المصيري والرهانات المرتبطة بها.

لكنه يبدو، من خلال البرامج الانتخابيّة المنشورة للأحزاب السياسيّة، أن الملفات الاستراتيجيّة الحارقة – و منها مراجعة المنوال التنموي التونسي القائم على الانخراط في اقتصاد السوق من بوابة الانفتاح الكلي والاندماج في الفضاء الاوروبي – لا تحظى بالقدر الكافي من الأهميّة، والحال أن هذا الاستحقاق الانتخابي التاريخي يوفر فرصة سانحة لفتح حوار وطني حول الخيارات الاقتصاديّة الكبرى للنظام السابق وحصيلتها السلبيّة،ومدى الجدوى من الاستمرار فيها،وكذلك الحاجة الملحة لمراجعتها أو تعديلها بما يتلاءم مع المصلحة الوطنية و الظرفيّة الصعبة التي تمر بها تونس.

صحيح ان السلطات التي تداولت على السلطة بعد الثورة،كان عليها أن تضمن استمراريّة الدولة وأن تتقيّد بالتزامات تونس الدوليّة وفقا للقاعدة المعروفة في العلاقات الدوليّة بعد حصول ثورات وتغييرات جوهريّة على رأس مؤسسات الحكم. ولكن الشركاء الخارجيين مطالبين أيضا بمراعاة الظروف الاستثنائيّة الصعبة التي تمر بها تونس منذ سقوط النظام لاسيما وأن شركائها الاستراتجيين تعهّدوا في الاتفاقيات المبرمة مع تونس بتقديم كافة اشكال المساعدات الماديّة والسياسيّة لدعم الانتقال الديمقراطي التونسي لجعله مثالا يتحدى به على الساحة العربيّة و بوابة دخول الديمقراطية للعالم العربي.

مساعدات الدول الغربية و الاتحاد الاوروبي مشروطة بالبقاء في منظومة اقتصاد السوق

كما تعهدت الدول الغربية اثناء قمة مجموعة الثمانيّة المنعقدة بدوفيل الفرنسيّة في ماي 2011 بتقديم برنامج ضخم للمساعدات شبيه ببرنامج مارشال،بقيمة جمليّة تناهز 80 مليار دولار وذلك في إطار ما سمّي بالشراكة الجديدة المفتوحة على بلدان الربيع العربي بغرض تيسير بناء الديمقراطيّة في العالم العربي. لكن هذه الدول ربطت هذه المساعدات وفقا للبيان الختامي لقمّة دوفيل بالإبقاء على انخراط دول الربيع العربي في منظومة اقتصاد السوق وعلاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وقد التزمت تونس بالفعل بهذه التعهدات من خلال استمرارها في تسديد الديون الموصوفة بالكريهة للنظام السابق وتوقيعها في أفريل 2014 على برنامج العمل الذي التزمت بموجبه بتوسيع انخراطها في منظومة اقتصاد السوق وفتح قطاع الخدمات وبقيّة القطاعات الاقتصاديّة أمام المنافسة الأوروبيّة غير المتكافئة، باعتبار أن هشاشة الاقتصاد التونسي وبالذات في القطاعات الخدمية المستهدفة، يقتضي التريث وعدم التسرع رغم الضغوط الأوروبيّة المتواصلة لحث تونس على ابرام اتفاقيّة التبادل الحر الشاملة والمعمقة.

غير أنه يبدو أن الحكومة أرجات هذه الخطوة الى ما بعد الانتخابات كما أرجات المشروع الجديد لمجلة الاستثمار المثير للجدل لتضمنه حوافز مبالغ فيها لفائدة الأجانب بما فيها تمكينهم من اقتناء الأراضي الزراعية وهو ما يمس من مصالح تونس ومن مقومات سيادتها على أراضيها فضلا عن كونه يتعارض نصا وروحا مع بنود الدستور الذي ينص على أن الدولة التونسيّة مطالبة بحماية السيادة الوطنيّة وسيادة الشعب التونسي على أراضيه وموارده الطبيعيّة وثرواته الوطنيّة.

تحديد الخيارات الاستراتيجية حق للشعب التونسي

وهكذا يبدو أن الحكومة اقتنعت بضرورة تأجيل الحسم في هذه الملفات وهي محقة في ذلك لاسيما وأن مثل هذه القضايا تكتسي طابعا مصيريا بالنسبة لتونس ومن حق الشعب التونسي ومؤسساته الشرعيّة المقبلة أن تأخذ الوقت الكافي للتمعن في كافة جوانبها بما في ذلك الانعكاسات السلبيّة والخطيرة الناجمة عن استمرارها بعد الثورة في تطبيق سياسات النظام السابق الاقتصاديّة و توسيع الشراكة مع اوروبا والحال أن الدول الغربيّة ومجموعة الثمانيّة لم تنفذ اجمالا تعهداتها الواردة في البيان الختامي لقمّة دوفيل الفرنسيّة و في برنامج العمل المشار اليهما. وقد تضمنت أيضا التزاما بمساعدة تونس على استرداد أموالها المنهوبة والمهربة الى الخارج من قبل النظام الفاسد وهي تناهز 38,5 مليار دولار وفقا لمركز بحث جامعي أمريكي موثوق.

كما تعهّدت بلدان مجموعة الثمانية في أطر ثنائيّة مع تونس بدعم مسارها الديمقراطي ودعم جهودها لاستعادة ثرواتها المهرّبة الى هذه البلدان وبعض الدول الخليجيّة وبعض الجنّات الضريبيّة. وبالتالي فإنه من حق تونس اليوم أن تدعو هذه الأطراف لاحترام تعهداتها المشار إليها و السماح للشعب التونسي بتحديد اولوياته و رسم مستقبله بمعزل عن الضغوط الخارجية التي تسعى جاهدة للحفاظ على مصالحها و نفوذها بتونس وبالمنطقة المغاربية والمتوسطية.

و يمكن لتونس أن تستند في ذلك الى بعض بنود برنامج العمل الذي يخوّل لها أن تطلب اجراء حوار استراتيجي مع الشريك الأوروبي علما أن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تستند الى ثلاثة أركان رئيسيّة مضمنة بالبرنامج وهي الشراكة الأمنيّة و توسيع منطقة التجارة الحرة الى جانب الحوار السياسي في القضايا الاستراتيجيّة.

برنامج العمل يسمح لتونس بطلب مراجعة علاقات الشراكة مع الاتحاد الاوروبي

و في هذا الاطار يمكن لتونس أن تستند الى البند الوارد ببرنامج العمل الذي يخوّل لها أن تطلب اجتماع مجلس الشراكة للنظر في مراجعة التزاماتها ونص الاتفاقيّة بما يتلاءم مع الظروف الاستثنائيّة الصعبة التي تمر بها.

وهكذا يتضح أنه توجد بدائل أخرى تسمح لتونس بالصمود أمام الضغوط المسلطة عليها لحملها على اتخاذ خطوات أو الإمضاء على التزامات مضرة بمصالحها دون اجراء حوار وطني بشأنها ودون الرجوع الى الشعب التونسي الذي يفترض أن تكون له الكلمة الفصل في مثل هذه المسائل الاستراتيجيّة التي تخص مصيره ومستقبله.

وخلاصة القول لا يجوز أن يكون البت في القضايا المصيريّة والتحديات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة الكبرى منحصرا على الدوائر الحكوميّة والمؤسسات الانتقاليّة المؤقّتة او المؤسسات الشرعية القادمة حتى وان كانت مدعومة من الأحزاب التي حازت الأغلبيّة في الانتخابات خاصة وان المواقف متباينة بين السلطات وبعض أحزاب المعارضة بخصوص عدد من هذه الملفات ومنها ملف المديونيّة و منظومة اقتصاد السوق،حيث تعارض الجبهة الشعبيّة وبعض الجمعيات والمختصين السياسة الحكوميّة وتقترح حلول بديلة منها الغاء او تعليق تسديد الديون أو اعادة جدولتها كما تدعو لإعادة النظر في الشراكة مع اوروبا بما يناسب مصالح تونس. وقد تضطر المؤسسات الشرعيّة القادمة الى اللّجوء لهذه الحلول في ظل تفاقم اعباء المديونيّة الى درجات خطيرة باتت تهدد التوازنات الكبرى للميزانيّة وللماليّة العموميّة.

ضرورة تحقيق التوافق الوطني حول القضايا الاستراتيجية

وهذا ما يؤكد الحاجة الى فتح حوار وطني حول القضايا السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة ذات الأبعاد الاستراتيجيّة لا فقط في هذه المرحلة الانتخابيّة بل ايضا بعد انتصاب المؤسسات الشرعية مع الحرص على انخراط كافة الأطراف السياسيّة في توعيّة الرأي العام لأهميّة هذه الملفات وتحديد مواقفها منها حتى يتسنى للشعب التونسي أن يكون على دراية كافية بالرهانات ذات الصلة وأن يحدد موقفه إزاء القوى السياسيّة وفقا لبرامجها التي يفترض أن لا تقتصر على خطوط عامة ووعود فضفاضة بل مواقف وتوجهات واضحة ومحدّدة بالنسبة للملفات والقضايا الهامة والخيارات السياسيّة و الامنية والاقتصاديّة الكبرى بما فيها منظومة اقتصاد السوق و المديونيّة الخارجية والشراكة مع الاتحاد الأوروبي والإستراتيجيّة التنمويّة الجديدة المناسبة لتونس والحفاظ على مقومات سيادتها.

وهكذا يتضح إن الانتقال الديمقراطي يبدو اليوم عرضة الى مجموعة من المخاطر التي تهدّد بضربه في صميمه وهي لا تقتصر على التجاوزات المشينة التي واكبت تقديم الترشحات للانتخابات الرئاسيّة والحملات الدعائيّة الرامية الى تقزيم مؤسسة رئاسة الجمهوريّة والحط من اعتبارها بحجة صلاحياتها المحدودة و الحال ان مهام رئيس الدولة ذات طبيعة استراتيجية تتصل بالمصالح العليا للبلاد.

اهمية المهام و الدور الموكول لرئيس الجمهورية

وفي هذا الصدد لا يجوز التقليل من أهميّة صلاحيات رئيس الجمهوريّة الدستوريّة المتعلقة بالأمن القومي التونسي ورسم السياسة الأمنيّة والدفاعيّة والسياسة الخارجيّة وسياسة الشراكة والتعاون الخارجي، وكلها قضايا استراتيجيّة بالغة الأهميّة وذات أبعاد مصيريّة بالنسبة لتونس ومصالحها الحيويّة في الحاضر والمستقبل كما ان الرئيس هو رمز الدولة و واجهة تونس الخارجية وهو الضامن لتطبيق الدستور و الحفاظ على قيم الجمهورية.

وهذا ما يؤكد الحاجة الى رد الاعتبار لمؤسسة رئاسة الجمهوريّة من خلال القطع نهائيا مع الأساليب الباليّة في ادارة الشوون الخارجية و الدفاعية و الامنية و الملفات الإستراتيجيّة الهامة قبل الثورة وبعدها،حيث لم تكن الخيارات الكبرى المتتبعة في هذه المجالات محل تشاور وحوار وتوافق وطني بل هي امتداد لسياسات النظام السابق الخاضعة للتأثيرات و المصالح الخارجية مما انعكس سلبا على مصالح تونس العليا وأمنها القومي.

وهكذا يتضح، أن الخطر الأكبر الذي يهدد الانتقال الديمقراطي في تونس لا يقتصر على الممارسات التي تهدد نزاهة العمليّة الانتخابيّة، بل في غياب أو تغييب الملفات الإستراتيجيّة السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة عن دائرة اهتمامات الرأي العام والإعلام والحملات و البرامج الانتخابيّة واعتبارها حكرا على الأحزاب الحاكمة الحاصلة على الأغلبيّة البرلمانيّة والفائزة في الانتخابات الرئاسيّة.

و في هذا الصدد فان كافة المرشحين للانتخابات الرئاسية مطالبين بتوضيح مواقفهم وبرامجهم بالنسبة للملفات المرتبطة بصلاحيات رئيس الدولة و بالذات مدى استعدادهم لاصلاح السياسات الكارثية للنظام السابق التي تم تبنيها ايضا بعد الثورة كما ان على من تقلد منهم مسووليات حكومية اثناء حكم الدكتاتورية ان يتحمل مسوولياته السياسية و الاخلاقية امام الشعب التونسي و ان لا يحاول التنصل منها بأعذار واهية و ملفقة كما هو حاصل حاليا.

التداول السلمي على السلطة لا يكفي لتحقيق الديمقراطية

لقد اظهرت تجربة الحكم في تونس بعد الثورة،أن تحقيق التداول السلمي على السلطة لا يكفي لنجاح الانتقال الديمقراطي خاصة إذا استمرت الجهات الحاكمة في اتباع نفس السياسات ونفس الأساليب المتبعة في ظل المنظومة السابقة بالنسبة للقضايا الاقتصاديّة و الاستراتيجية و ادارة الشأن العام كما حصل بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

يبقى أن نشير الى أهميّة أن تستخلص المؤسسات الشرعيّة التي ستنبثق عن الانتخابات القادمة،الدروس من هذه التجربة لبناء ديمقراطيّة حقيقيّة بتونس قائمة على القطع نهائيا مع سياسات النظام السابق التي ثبت فشلها قبل الثورة وبعدها،والسعي لتمكين الشعب التونسي من خلال الآليات والمؤسسات الديمقراطيّة من تقرير مصيره وتحديد الخيارات والسياسات التي تخدم مصالحه بالنسبة لكافة الملفات و تحديدا المجالات الإستراتيجيّة الكبرى السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة.

و لا شك ان تحقيق هذا الرهان لن يكون سهلا و سيتطلب نضالات وتضحيات مريرة من الشعب التونسي و قواه الوطنية الحية خاصة في ظل الجهود المحمومة المبذولة و المتوقعة من الاطراف الداخلية و الخارجية ذات المصلحلة في استمرار سياسات التبعية و ارتهان مصالح الشعب التونسي واجهاض تجربته الديمقراطية الناشئة.