triangle-besoins-tunisie-electtions-2014-feat

مقدمة

الجالية التونسية في ألمانيا تصوت للدكتور محمد المنصف المرزوقي وباجة تصوت للأستاذ الباجي القايد السبسي

سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية تصوت للأستاذ الباجي القايد السبسي

الساحل يصوت للأستاذ محمد الباجي القايد السبسي والجنوب للدكتور محمد المنصف المرزوقي

بهذه العبارات وغيرها الكثير تابعت بانتباه شديد عدد من التصريحات التي تلت ورود النتائج الجزئية للدوائر الانتخابية للانتخابات الرئاسية التونسية على المنتدى الاجتماعي “الفايسبوك” في شكل تعاليق وستاتوهات كانت في الغالب تحاول قراءة وتحليل أو التعليق على طبيعة هذه النتائج بلهجات تفاوتت بين الحاد والهادئ وبين الموضوعي والذاتي وبين البذاءة والتهذيب.

حاول البعض حصر أسباب الانتخاب وقراءة السلوك الانتخابي قراءة جغرافية، خرائطية معتمداً على ثنائيات الشمال والجنوب، المركز والأطراف، الساحل والداخل.. بينما ذهب البعض الآخر إلى قراءة طبقية للفرز بين طبقات مستفيدة وطبقات مهمشة.. آخرون ذهبوا إلى الفرز على أساس الأنماط المجتمعية.

كيف صوت الناخب التونسي ولماذا؟ هذا هو السؤال الذي سأحاول الإجابة عليه في هذا المقال.

كيف اتخذ الناخب التونسي قراره أمام ورقة الاقتراع؟ هل كان القرار عقلاني أم عاطفي؟


غالباً ما يعتقد علمياً وعند عامة الناس أن الإنسان يتخذ قراراته ويتحرك وفق حسابات عقلانية ومنهجية صارمة.فوفق نظرية الاختيار العقلاني (Rational Choice Theory) يقوم الإنسان بحساب المنافع والتكاليف لكل فعل من أفعاله وينقاد وراء مبدأ تضخيم الأرباح والمنافع أو تقليل الخسائر.

صحيح أن القرار الإنساني وبالتالي قرار الناخب يخضع إلى تحليل التكاليف والأرباح إلا أن هذا لا يعني أنه عقلاني بالكامل حيث أن القرار يخضع إلى عملية ترجيحية بين العقل والعاطفة. وهو ما يعني أن الإنسان يتصرف عند دراسة قراراته مثل ما يصطلح على تسميته بالكائن الاقتصادي (Homooeconomicus) لكن القرار يتخذ في الأخير بطريقة عاطفية متأثراً بعاملين اثنين هما :

عامل تأثير الملكية (effet de dotation)

تقول هذه الفرضية أن الإنسان وبالتالي الناخب يعطي المزيد من القيمة والاهتمام إلى منتج أو ملكية إذا كانت بحوزته وتحت ملكيته. بعبارة أخرى، وحسب فرضية تأثير الملكية فإن قيمة المنتج أو الممتلك تكون أعلى حينما يكون بحوزتنا منه حينما لا يكون تحت ملكيتنا وتصرفنا. سياسياً وانتخابيا وفي المحطات السياسية، يكمن تأثير هذه الفرضية في أن المالك يسعى إلى الدفاع على أشيائه و كل ما بين يديه حين يتعلق الأمر بتغيير جذري قد يمس من ممتلكاته. في هذه اللحظة يطلق الإنسان كوابح عاطفية دفاعية ليست بالضرورة معقلنة او خاضعة لحسابات الربح والخسارة. 

عامل التخفيف من المخاطر

نأتي الآن إلى العامل الثاني أي الخوف من المخاطرة. وفقاً لهذا العامل يفضل الإنسان الاستمرارية المضمونة على التغيير الذي يتطلب درجات من المخاطرة حتى وإن كان التغيير مربح ويجلب العديد من الإيجابيات على المدى المتوسط والبعيد. هذا الأمر يعود إلى كون التفكير البشري قصير المدى في غالبه. فالإنسان يفضل المكاسب الآنية على قلتها على المكاسب البعيدة على وفرتها وأهميتها بل أنه يفضل خسائر قليلة على مكاسب كبيرة إذا اقترنت هذه المكاسب بدرجة مخاطرة غير محسوبة. لذلك يفضل الإنسان والناخب أهداف قصيرة على أخرى متوسطة أو بعيدة المدى مهما كانت وجاهة ودرجة صدقية وقوة الأهداف المتوسطة والبعيدة. نفس الأمر ينطبق على الوعود. فالإنسان يفضل المكافآت والوعود الآنية على المكافآت والوعود الآجلة. عادة ما يعبر على هذا العامل بالأمثلة الشعبية التالية:

“عصفور في اليد ولا عشرة فوق الشجرة”
“شد مشومك لا يجيك ما أشوم” 

سياسياً، من المهم الإشارة هنا إلى أن هذا السلوك يأخذ بعداً دراماتيكياً إذا تعلق الأمر بإصلاحات سياسية كبيرة تتطلب طول نفس وطول أمد. 

استنادا على ما سبق وإذا نزلناه على السلوك الانتخابي أمكننا الخروج بالخلاصات التالية:

● التفكير العقلاني المبني على حسابات التكاليف والمنافع جزء من عملية اتخاذ القرار الانتخابي. والوعود الانتخابية شرط لتحريك الناخب لكي يدخل في عملية ترجيحية تقديرية مبنية على البعدين العقلاني والعاطفي.

● في حالة اقترنت السياسات المبرمجة بعملية تغيير في الواقع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وجب تحديد ما إذا كان الناخب والمواطن سيحس بأنه مهدد في ممتلكاته.

● الإقبال على المخاطرة ليست قيمة شعبية. الوعود والبرامج المبنية على أقدار كبيرة من المخاطرة هي غير جذابة. 

حجة إشباع الحاجبات 

وراء قرارات الناخب تختفي جملة من الأسباب والدوافع الذاتية والموضوعية التي يمكن تلخيصها في التالي:

● العامل العائلي والعشائري والقبلي 
● عوامل رفض البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة (التصويت الاحتجاجي أو العقابي)

● الثقة في كفاءة المرشح أو الحزب وقدرته على حل المشاكل التي يعاني منها الناخب

● الانتفاع المادي أو الانتماء إلى جهات مستفيدة من طبيعة التصويت

● الخوف من استمرارية الوضع 

● الخوف من التغيير 

دوافع أخذ القرار تختلف من بيئة لاخرى ومن ثقافة لأخرى ومن مدينة لأخرى وهو ما يعني أن فهم السلوك الانتخابي وتحليله ليس بالأمر السهل.

تعتبر حجة إشباع الحاجيات من أهم دوافع أخذ القرار في الحياة والسياسة. لكل ناخب مجموعة من الحاجيات المختلفة التي ترتبط بالتربية والتعليم والثقافة والحالة الاجتماعية وعدة عوامل أخرى.. داخل كل مجتمع يوجد العديد من المجموعات ذات الحاجيات المماثلة.

وضع عالم النفس الأمريكي ابراهام مازلو نظرية نفسية حاولت مناقشة ترتيب حاجيات الإنسان في شكل هرمي. أعلاه الحاجة لتحقيق الذات وأدناه الحاجة لإشباع الحاجيات الفسيولوجية مثل الأكل والجنس والنوم. يتدرج الإنسان حسب النظرية في إشباع حاجياته من الأسفل إلى الأعلى. كما أن الحاجيات غير المشبعة تسبب توتر للإنسان فيسعى جاهداً لتغطيتها.

تتدرج حاجيات الإنسان حسب مازلو على الشكل التالي:

● الاحتياجات الفسيولوجية: الأكل، الشرب، النوم.. 

● احتياجات الأمان: الوظيفة، المسكن، الملكية..

● الاحتياجات الاجتماعية: الصداقة، الانتماء.. 

● الحاجة للتقدير: الإحساس بالتقدير والثقة 

● الحاجة لتحقيق الذات 

triangle-1-besoins-tunisie-electtions-2014

على المستوى السياسي يمكن اختزال هذه الحاجيات إلى 3 مستويات مختلفة:
 
الحاجيات الأساسية

هي ليست فقط الحاجيات التي تتعلق بالجوانب المعاشية البدائية التي لا يمكن الاستغناء عنها من أجل البقاء (الأكل، الشرب، النوم)وانما أيضاً حاجيات أخرى مثل الشغل كمورد ووسيلة بقاء للفرد والعائلة, المسكن كمكان للعيش والنوم والحماية من الأخطار على النفس والممتلكات.

سياسياً ومن الناحية الواقعية, يمكن إجمال الحاجيات الأساسية في العناصر التالية:

● الاهتمام بأسعار المواد الغذائية وجعلها في متناول الجميع 

● الاهتمام بالسكن وجعله في متناول الجميع 

● محاربة الفقر 

● توفير مواطن شغل 

● توفير الامن

تبقى هذه الحاجيات ذات أولوية في مجتمع لم يتمكن افراده أو معظم افراده من إشباع رغباتهم الأساسية.

الحاجيات الاجتماعية
 
هي مجموعة الحاجيات المرتبطة بالعيش والتعايش في مجموعة أو جماعة أو مجتمع.

تشمل هذه الحاجيات:

● الأمن الأسري 
● الأمن الصحي 
● العلاقات العاطفية
● العلاقات الأسرية
● اكتساب الأصدقاء

سياسياً، يمكن إجمال هذه الحاجيات في النقاط التالية:

● الضمان الاجتماعي 

● نظام التقاعد

● النظام الصحي 

بالرغم من قيمة الحاجيات الاجتماعية في المجتمع إلا أنها أقل أهمية من الحاجيات الأساسية. المجتمعات التي تعاني من عدم إشباع للحاجيات الأساسية تضع الحاجيات الاجتماعية في المرتبة الثانية من سلم أولوياتها إلى حين إشباع الدرجة الأولى من هرم الحاجيات.

فالذي يعاني من مجاعة والذي يتهدده خطر الموت على سبيل المثال لا تهمه الإصلاحات في المجال الصحي ولا كيفية عمل هذا النظام.

الحاجيات ال”ما بعد مادية”


هي آخر مرحلة وقمة هرم الحاجيات. في هذه المرحلة تكون شخصية الإنسان قد استكملت بناءها وتطورها ونموها ونضجها. في هذه المرحلة تعتري الإنسان رغبة في الابتكار والخلق والإبداع والتفكير أو العمل على تغيير المجتمع نحو الأفضل .  في هذه المرحلة يهتم الانسان بالقضايا القيمية المجردة.

سياسياً، يمكن إجمال هذه الحاجيات في النقاط التالية:

● الاهتمام بالعمل السياسي من خلال تجسيد دولة قانون وتطبيق الديمقراطية 

● المشاركة السياسية 

● المشاركة في المجتمع المدني 

● الكتابة

● الثقافة 

والقائمة تتواصل..

triangle-2-besoins-tunisie-electtions-2014

ما الذي يدفع الناخب التونسي للتصويت لهذا المرشح أو ذاك؟

لماذا ينتخب ناخب في ألمانيا أو فرنسا الدكتور محمد المنصف المرزوقي بينما ينتخب ناخب تونسي آخر في باجة أو سليانة أو سيدي بوزيد الاستاذ محمد الباجي القايد السبسي؟  

لعل من أوكد المهام فك الإرتباط بين التفسير الجهوي التبسيطي ونتائج الإنتخابات. إن المتابع للتحليلات والقراءات المختلفة حول الإنتخابات التشريعية أو الرئاسية يلحظ بدون عناء ثقل العامل الجغرافي في محاولة الفهم والتحليل عند الناس. فهل ان المشكل جغرافي مناطقي جهوي في حد ذاته أم انه متعلق بعوامل أخرى أعمق؟ 

سنحاول في الأسطر المتبقية محاكمة السلوك الإنتخابي للناخب التونسي لمجموعة العوامل والأدوات التي وقفنا عليها في الأجزاء السابقة من المقال.

الفئات المستفيدة، العقلية الإستهلاكية وعامل تأثير الملكية 

مر المجتمع التونسي منذ الإستقلال بعدة مراحل على مستوى الخيارات الإقتصادية انتهت إلى تبني سياسة إقتصاد سوق تحريرية لم يواكبها إنفتاح سياسي بل واكبها إنسداد سياسي بسبب تفشي الفساد وقمع الحريات وحكم العائلات التي كانت قريبة من دوائر صنع القرار. لعل أبرز ما يتميز به المجتمع التونسي نمو العقلية الإستهلاكية خاصة مع تسعينات القرن الماضي مما تسبب في تآكل الطبقة الوسطى في المجتمع ودخولها في موجة إستهلاكية شجعها النظام لأسباب سياسية. كما برزت طبقات مستفيدة من الوضع السياسي انذاك بالإضافة إلى تعمق التفاوت الجهوي في التنمية وتركز الثروات في أيدي لوبيات تمركزت في العاصمة الإدارية والسياسية للبلاد (تونس، إقليم تونس الكبرى..) والعواصم الإقتصادية (سوسة، المنستير، المهدية، نابل أي الشريط الساحلي..).

تفاجأ هذا الواقع بالانتفاضة الديسمبرية سنة 2010 وحاول الوقوف دون مد أمواجها العاتية بركوبها أو بصدها.. بعد هروب رأس السلطة في جانفي 2011 حاولت هذه الفئات إعادة التموقع في عدة مناسبات (حكومات 2011 المتعاقبة).

بعد إنتخابات 2011 والتي بان بالكاشف أنها وقعت تحت سقف تسويات داخلية وإقليمية ودولية تعهدت بعدم المس بعمق التوازنات في المشهد التونسي، عملت هذه الفئات على تعفين الأجواء السياسية والإقتصادية والإجتماعية موظفة كل ما تملك من أدوات (مال، إعلام، بروقراطية، علاقات…).

لعل من أبرز ما يفسر نتائج الإنتخابات التونسية هو الإلتقاء الموضوعي بين العقلية الإستهلاكية لعموم المجتمع التونسي مع مصلحة الطبقات الاولغارشية في عدم نجاح الإنتقال الديمقراطي والثورة.

سقوط الناخب التونسي في فخ الروح الإستهلاكية وتفكيره المستمر في متطلبات معاشه اليومي جعله يرى في السياسة وما يتبعها من قضايا مجرد ترف فكري وإختزل الثورة في مجرد مطالب إقتصادية وإجتماعية.

بل أن هناك جزءا كبير ا من الناخبين أصبح يتوجس من الانتقال الديمقراطي والثورة لما يمكن أن يمثله من خطر عليه شخصياً حيث أن العديد من الفئات الاجتماعية طبعوا مع ممارسات فاسدة في التعامل مع المواطن داخل الإدارة والقطاع الخاص. كما أن العديد أصبح يخاف على ممتلكاته من فوضى أو إرهاب 
اثبتت النتائج الإنتخابية أن من إستثمر في هذه الهواجس ونماها عبر أدواته من إعلام وغيره ربح الإنتخابات. 

الإرهاب، الخوف من المجهول وعامل التقليل من المخاطر 

لعل أهم الأوراق التي لعبت عليها بعض الأطراف السياسية في تونس قبل الإنتخابات لتهيئة “المصالحة التطبيعية التاريخية” بين واجهة المنظومة القديمة نداء تونس وبين حزب النهضة الإسلامي، بحكم تاريخه، البراغماتي بحكم حاضره، مصالحة تمهد الطريق لإقتسام النفوذ داخل المشهد السياسي الجديد، هي ورقتي الإرهاب والخوف من المجهول.

فبينما راهن النداء على ورقة الإرهاب وقدم نفسه على أنه الأقدر على التعاطي معها واقتلاعها بما يملكه من “خبرة” في التعامل مع الظاهرة، راهنت النهضة على الإستثمار في ورقة التخويف من المجهول.

رأينا كيف أن القيادات النهضوية لا تترك فرصة إلا وعملت على بث روح التخويف من المستقبل المحاط بالمجهول لتبرير خيارات النكوص على مطالب الثورة والإنتقال الديمقراطي فرأيناها تبشر بسيناريو مصري تارةً أو بسيناريو ليبي تارة اخرى.

كما لاحظنا كيف أن القيادات الندائية لم تفلت فرصة للإستثمار في التخويف من الإرهاب وتسويق نفسها على أنها قادرة على فرض الإستقرار والأمن.

وكما أشرنا في موضع سابق من المقال، يتحسس الناخب كثيراً من المخاطرة ويسعى دوماً إلى الركون إلى الحلول ذات درجات المخاطرة الأقل.

ان الناخب كيان إقتصادي محافظ في غالبه. محافظ بمعنى أنه ينحو في الغالب منحى الإستمرارية والمحافظة على المستوى السياسي أو الإقتصادي (بمعنى تأبيد الوضع الراهن) أو الإجتماعي (بمعنى تأبيد نمطه الإجتماعي سواء كان نمطا دينيا تقليديا أو نمطا حداثيا).  

إن القوى السياسية التي لعبت على هذه العناصر تمكنت من الفوز أو المحافظة على مواقعها. أما القوى التي راهنت على التغيير الذي يعتبر مكسباً وطنياً وإن كان على المدى البعيد فانها لم تقدر على إحداث إختراق يذكر لمحدودية الفكر الجمعي للناخبين الذين يفضلون الآني على الآجل.

جغرافية الحاجيات، محاولة لفهم السلوك الإنتخابي على ضوء هرم حاجيات الإنسان
 
تعتبر تونس دولة في فترة إنتقال سياسي بعد عقود من الدكتاتورية. كما أنها دولة نامية لم تستكمل شروط نهضتها الإقتصادية. يتميز المجتمع التونسي بكونه مجتمع غير متجانس إجتماعياً وإقتصادياً. فبينما يتميز الشريط الساحلي بطفرة تنموية وقدرة تشغيلية عالية، يعاني الجنوب (قفصة، قبلي، توزر، قابس، مدنين، تطاوين) والوسط والشمال الغربيين (الكاف، جندوبة، باجة، سيدي بوزيد والقصرين) من تهميش وغياب للبنى التحتية الضرورية لكل تنمية إقتصادية عادلة وإن بأقدار متفاوتة مع بنى إجتماعية مختلفة.

في ظل هذه الجغرافية تظهر الحاجيات التالية:

● رغبة كبيرة في إشباع الحاجيات الأساسية في المناطق التي تعيش تهميشا كبيرا وتفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية الكريمة. هذه المناطق لا تستجيب للخطاب النخبوي أو الخطاب الذي يخاطب الجانب الإجتماعي بما أنها لم تشبع حاجياتها الأساسية. في هذه المناطق ينتكص الإنسان لمربعات الانتماء الأولى (العائلة، العشيرة والقبيلة) وينقاد وراء الخطاب البسيط والشعبوي الذي يدغدغ حاجياته غير المشبعة. من طرح خطابا مبنيا على القيم والمفاهيم المجردة لم يتمكن من إحداث نتائج تذكر على عكس من خاطب الناس بخطاب مادي مباشر بسيط ومثير للغرائز.

● رغبة كبيرة لإشباع الحاجيات الإجتماعية والما بعد مادية  في المناطق التي تعيش مشاكل إقتصادية وإجتماعية.

● رغبة كبيرة في إشباع الحاجيات الما بعد مادية في مناطق مستفيدة بإفتعال قضايا تخص النمط المجتمعي أو الثقافي أو بالتصويت لصالح من يضمن مصالحهم

خاتمة

ختاماً، يمكن القول أن كلمة “الشعب أراد” أو “إرادة الشعب” أو “الشعب فعل” كلها عبارات مغالطة ولا تعكس بالفعل حقائق الامور. كما رأينا فإن “الشعب” ليس كائن متجانس ولا هو كائن عقلاني حتى نستدل لأفعاله ونحاكمها بل هو كائن هلامي مسير لا مخير. كما أن الإنتخابات وإن هي أقصى ما وصل له العقل البشري لإدارة اختلافاته تبقى آلية منقوصة وغير محصنة أمام التلاعبات والاختراقات والتوجيه. الديمقراطية الحقيقية ليست مجرد “إرادة ناخبين” بل “إرادة لوبيات” في صراع مع “إرادة مواطنين” و”يقظة مجتمع مدني” والا تحول الأمر إلى مجرد ديمقراطية مدارة.. وذلك مبحث آخر.