latifa-lakhdhar-ministre-culture-patrimoine

بعد طول غياب خلناه سيحمل جديدا يحرّك الركود في وزارة الثقافة، ظهرت وزيرة الثقافة يوم أمس الخميس 1 أكتوبر الجاري لتظيف حقنة يأس جديدة لقطاع التراث.

حرصت الوزيرة على ترديد كليشيهات ومفردات إنشائية بلا مضامين حقيقية، وقد لا يكون ذلك بنية مضمرة، ولكنه على أية حال، دليل إفلاس أخر ينضاف إلى “وزارة الثقافة”. إذ من بين حزمة “الإجراءات” الوزارية ذكر عنوان واحد في علاقة بالتراث، وهو إعداد أمر ترتيبي يتعلّق بإقرار الاستقلاليّة الماليّة والإداريّة لمتحف باردو !! والغاية كما يقول بيان الوزارة، الخالي من أية بيان، هو “مضاهاة أكبر متاحف العالم” بعد الصيت العالمي الذي ناله إثر “الحادثة الإرهابيّة التّي طالته” !! يا إلهي ما هذا المنطق المختل ؟! صدقوني أنا أشكّ في سلامة عقل صاحب هذه الفكرة.

إذن، حسب هذا المنطق، علينا أن نوجّه دعوة إلى الدواعش لشنّ هجوم على “المؤسّسات” “العاملة” في قطاع التراث -هي عاملة حسب اللهجة الدارجة أيضا-، عساها تحظى بتعاطف دولي، عسى يفضي ذلك إلى التفات السيدة الوزيرة لهذه المؤسّسات !

السيدة الوزيرة تعلم علم اليقين أنّ المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، حسب هيكلتهما الحالية، هما مقبرتين للتراث، وأنّ هذا القطاع في حاجة ماسّة إلى تصوّرات جديدة تعيد النظر في هاتين المؤسستين، هيكلة وتسييرا واختصاصا ونشاطا، وترسم استراتيجية شاملة لتثمين التراث وإدراجه في سياق تنمية ثقافية وطنية وليكون ركيزة اقتصادية من شأنها أن تساهم في المجهود التنموي العام وفي توفير مردود مالي يستخدم في حماية التراث وتطويره من جديد.

وزيرة الثقافة تحسب أن الإستقلالية الإدارية والمالية لمتحف باردو ستحقّق له النهوض من الرداءة والتعاسة التي تلفّه، وهي تجهل، أو ربّما تتقصّد، أنّ مثل هذه الخطوة لن تزيد المؤسّسات “العاملة” في التراث إلاّ تشظيا وتداخلا وتعميقا لأزمة المهام والصلاحيات. وحتى لو افترضنا أنّ خطة استقلالية متحف باردو يمكن أن يكون لها مردود طيّب، وهذا ما أستبعده تماما، فهلاّ حدّثتنا السيدة الوزيرة عن بقية المؤسّسات؟ ولماذا يختص متحف باردو بالإستقلالية دون غيره من المتاحف ؟ لماذا لا تكون هناك إدارة وطنية عامة للمتاحف؟ لماذا لا يُدمج المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث؟ لماذا لا تعاد هيكلة كلّ منهما على حدة؟ ما سبب تفسّخ هاتين المؤسستين ولماذا لا تعالج أسباب ذلك؟ ولماذا يُخرّب التراث أمام أنظارهما وأنظار وزارة الإشراف وكل مؤسسات الدولة؟ هل تعرف الوزيرة أنّ الترقيع لا ينفع الثوب البال وأنّ الخرق اتّسع على الراتق وأنّها بهذه الإجراءات لا تفعل غير زيادة سرعة قطاع التراث نحو الهاوية؟

وإلى جانب تقليعة “استقلالية متحف باردو”، أخبرت وزيرة الثقافة، أنّ وزارتها تعمل “على مراجعة مجلّة التّراث حتّى تواكب مبدأ اللّامركزيّة وتتطابق مع واجب الدّولة في حماية التّراث الثّقافي” .. يا سلام !!

سيدتي الوزيرة أعلمك، أنّ مراجعة مجلة حماية التراث دون تخصبص أيّام دراسية للنظر في هذه المجلة وكشف ثغراتها وتخلّفها التشريعي وتقديم عيّنات عن المشاكل القانونية والتراتيب الإجرائية التي تحول دون المحافظة على التراث، وبسط مقترحات حلول لذلك، بمشاركة إطارات المعهد الوطني للتراث؛ من مصلحة الشؤون القانونية ومن الباحثين ومحافظي التراث المباشرين لتك المشاكل والمهندسين المعماريين والمتخصين العاملين في المتاحف والخبراء المختصين في التراث الثقافي غير المادي ومن الأمنيين ذوي الخبرة في قضايا نهب وتهريب الآثار ومن القضاة ورجال القانون، إن عزمت على مواصلة نهج الترقيع وتغاضيت عن هذا المقترح سيكون تنقيح مجلة حماية التراث عنوان فشل أخر ينضاف إلى وزارتك.

زد على ذلك، ما جدوى تنقيج مجلة حماية التراث والمؤسسات “العاملة” فيه على هذا الوضع من الترهّل والفساد وغياب النجاعة ؟ ما جدوى ذلك إن كانت الهياكل المعنية بإعداد الخطط والتنفيذ خاوية ومنخورة ؟

أليس من الأجدى أن يترافق تنقيح القوانين مع إصلاح المؤسّسات المنوط بها تنفيذه والعمل بمقتضاه ؟؟؟

ختاما أقترح عليك الإطلاع على تقرير دائرة المحاسبات العمومية حول التصرّف في التراث الأثري. وقبل ذلك أودّ أن أعلمك أنّنا تكلمنا عن الوضع المهترئ للمعهد الوطني للتراث طيلة السنوات الأربع الماضية وطالبنا بإعادة هيكلته والتدقيق في الخراب المنثور في كل جوانبه ومحاسبة المتسببين في ذلك ولا مجيب، إذ أنّ.

هيكلته الحالية هي المتسبب الأساسي في خرابه ومن شقوقها، التي أصبحت صدوعا عميقة، يتسرّب الفاسدين ليعبثوا كيفما شاؤوا.

العملة تحت العنوان الثاني بالمئات، وأكثرهم يشتغلون بالواسطة. فتجد الزوج أو الزوجة والأبناء، وتجد الخليلة والقريبة والقريب وهلم جرّا … المحظوظون منهم “يشتغلون” في المقر المركزي، ويتحصلون على مستحقاتهم المالية قبل غيرهم، ولا ينالهم قرار الفصل إلاّ نادرا – حينما تفرغ الميزانية المخصصة، وقلّما تفرغ -، ومنهم من يشفع لهم قربهم من هذا “المسؤول” أو ذلك فيتحصلون على فوائد أخرى …

التصدّي لأعمال التخريب وشتى أنواع الإعتداءات التي تمسّ تراثنا في المواقع الأثرية في حكم الهزيل وغير ذي أثر، لتعاسة البنية المؤسساتية وهزال الوضع التشريعي وضعف الإمكانيات ممّا أثّر على التدخلات الميدانية الميدانية والقانونية في تتبّع المجرمين ومقاضاتهم.

المتاحف والمخازن وضعها موحش، وانعكس عليها خراب المؤسسة فنالت نصيبها من السرقات، فضلا عن الضرر الذي يلحق القطع الأثرية نتيجة ظروف الحفظ السيئة وانعدام الصيانة، هذا إلى جانب عدم استكمال أعمال الجرد.

البحث العلمي في أدنى دركاته، فمجلة إفريقية (سلسلة الفنون والتقاليد الشعبية) صدر آخر عدد لها سنة 2009. ومجلة إفريقية (مجلة الدراسات والبحوث لفترات ما قبل التاريخ والكلاسيكية والإسلامية) صدرت سنة 2013 بعد توقّف دام حوالي خمس (5) سنوات (منذ سنة 2008). ومجلة إفريقية (مجلة الدراسات الفينيقية البونية والآثار اللوبية) صدر آخر عدد لها سنة 2008. هذا بالنسبة للمجلات، أمّا بقية الإصدارات فنشر كتاب واحد سنويّا لأحد الزملاء الباحثين، من بين العشرات، يعدّ حدثا نادر الوقوع.

مشروع الخارطة الأثرية شبه متوقّف، أو لعله متوقّف فعلا، ومنذ حوالي عشر سنوات لم ينشر فيه عملا واحدا.

التراث الثقافي غير المادي الذي يمثّل أضعف وأهشّ حلقة في الأرصدة التراثية للشعوب، والذي صادقت بلادنا على اتفاقية اليونسكو حول حمايته منذ 2006، غير مدرج تماما على أجندة نشاط المعهد الوطني للتراث.

التسّيب وعدم الإنضباط هو القاعدة المعتمدة في المعهد. الحقوق المهنية والإجتماعية بالنسبة للعملة والموظفين من خارج منظومة الولاءات والإمتيازات الخاصة، وهم الشريحة الأغلب، في الحضيض.

هذا غيض من فيض، المعهد الوطني للتراث في الطريق إلى الهاوية ووزارة الإشراف خارج التغطية !!

السيدة الوزيرة أنت دائما تتناسين نصفك؛ أعني المحافظة على التراث .. المشية المعتدلة لا تكون إلاّ بساقين إثنين …
تراث بلدنا ليس رزق بيليك ولن نسكت عن التلفيق …