decentralisation-tunisie-municipalites

بقلم محمد المنصف العلوي، ناشط في الحق الإنساني بالقطار،

هناك بابا كاملا في الدّستور الجديد مخصّص للسّلطة المحليّة فتناول أهمّ مبادئ اللامركزيّة والدّيمقراطيّة المحليّة ويلبّي جانبا هامّا من المطالب التّي قامت لأجلها الثّورة (الظلم، الحيف، الفساد، التّهميش، العدل بين الجهات،…) ورغم ايجابيته فإنّه لا يلبّي وحده كلّ المطالب التي عبّر عنها الشّعب يحتاج إلى التفعيل على أرض الواقع عبر قوانين يقرّها مجلس نواب الشّعب لتنفيذ نصوص الدّستور (أي من المبادئ إلى التفعيل) تلبّي مطالب المواطنين والجهات والحوكمة المحليّة التي هي مفتاح النّجاح لأيّ مشروع وطني أو محلّي لتفعيل الدّيمقراطيّة التشاركيّة التي تعتبر دمقرطة الدّيمقراطيّة.

فحسب القانون الحالي للسلطة المحليّة والتي تنص على أنّ الجماعات المحليّة هي تقسيم إداري ترابي يتولّى إدارة شؤون المواطنين ومراقبتهم الحياتيّة وتنقسم إلى قسمين:

قسم الجماعات العموميّة (مجالس جهويّة تهتمّ بشؤون العامّة للولاية يترأسه الوالي والبلديات تحت إشراف ورقابة الوالي)

وقسم هيئات محليّة (المجلس المحلّي للتنمية والمجالس القرويّة ودورها استشاري فقط، الأول يترأسه المعتمد والثاني تركيبته أعضائه بتعيين من الوالي).

وبالتالي الوالي هو المشرف والمسيطر على الجماعات المحليّة إلى جانب دوره كسلطة سياسيّة وإداريّة. فالمناطق البلديّة الحاليّة تمثل 09% من المساحة الجمليّة وثلثي سكّان البلاد أي 91 % من المساحة وثلث السكّان خارج المناطق البلديّة (مجالس قرويّة). وإذا أخذنا نموذجا سيدي بوزيد بها 74 % من سكّان يعيشون بمناطق خارج البلديّة و 60 % بالقصرين وبالتالي هناك اخلالات بين الجهات وهو المظلمة الكبرى في التّطبيق للسلطة المحليّة إذا شرعنا في الانتخاباختراق للتوطئة (والتي هي جزءا لا يتجزّأ من الدّستور) والفصل 12 و 14 والباب السّابع من الدّستور الجديد. ويتواصل مسلسل اختراق الدستور من طرف السّلطة التّنفيذيّة ومن يتحمّل المسؤوليّة هل هو المجتمع المدني الذي لم يزرع ثقافة المواطنة والمحافظة على الدّستور وتطوير الشّأن المحلّي حول الحوكمة المحليّة من الدّسترة إلى التّفعيل والتصدّي لأيّ تجاوزات دستوريّة؟ والتي تحوّلت بعض الجمعيات إلى مكاتب إشراف أو موقع بنك معلومات لأطراف خارجيّة وهو في حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقه من الناحية العملية والقوانين ومقاييس أين هي ورشات التّكوين والتفكير والوعي السّياسي بأهميّة اللامركزيّة والمقترحات لصياغة مشروع قانون يتلائم مع الدستور خاصّة بالنّسبة للأحزاب السّياسيّة المنشغلة بأجندتها الحزبيّة والحسابات السّياسيّة الضيّقة أو المخاصصة الحزبيّة؟ فهناك عدّة صعوبات وتطلّعات وتصوّرات وجب التحضير لها بتروي ومسؤوليّة واتساع من الوقت والتي تمسّ خصوصيّة كلّ جهة (خاصّة الدّاخلية) ويشعر بها المواطن وتلبي انتظاراته وهي:

1- تصوّرات تعزّز المبادئ الديمقراطيّة التشاركيّة وهي: التصوّرات حول مراجعة الإطار التشريعي للمجالس الجهويّة والمحليّة.
2- التصوّرات حول القانون الانتخابي للبلديات (حسب ما ينصّ الفصل 133 من الدستور”تدير الجماعات المحليّة مجالس منتخبة”).
3- التصوّرات حول الاستقلاليّة الماليّة والإداريّة للجماعات المحليّة.

ولنجاح الأنموذج اللامركزيّة ينبغي علينا توفير المبادئ الجوهريّة الثّلاث وهي:

● الوعي السّياسي بأهمية اللامركزيّة في كنف الوحدة والسّيادة الوطنيّة.

● توفير الإمكانيات الماليّة والبشرية والبنية التحتيّة.

● وعي المواطن في انخراطه في هذه المنظومة الإداريّة وإقناعه بجدوى اعتمادها.

مع الأخذ بعين الاعتبار ثلاث عناصر لتحديد ملامح النظام الإداري اللامركزيّ.

أ– مدى تعميم هذا التّنظيم الإداري من عدمه وهو ينطبق على التجمعات السكّانيّة التي تتوفر فيها مقوّمات العمل البلدي دون سواها أو مقابل ذلك تعميم (تبذير وإهدار الطّاقة) ليصبح أداة الاستقطاب وجذب التّنمية المحليّة. فلكل دولة معيارها.

● تونس: بلديّة واحدة لكلّ 40.000 ساكنا ولكلّ 613 كم2 وهناك 04 بلديات فقط لا تقل عن 2000 ساكنا.

● فرنسا: بلديّة واحدة لكلّ 1800 ساكنا ولكلّ 18 كم2 وهناك 20.000 بلديات فقط لا تقل عن 2000 ساكنا.

● لبنان: بلديّة واحدة لكلّ 4400 ساكنا ولكلّ 15 كم2 .

ب– الإشراف المتمثّل في تحديد المستويات السلطويّة بين المواطن والسّلطة المركزيّة بما يسمح بتكثيف المراقبة للحدّ من التجاوزات أو مقابل ذلك بالتحقيق منه باختصار المستويات بحثا عن النّجاعة.

ج– الموارد الذّاتيّة المرتبطة بالاستقلاليّة الماليّة التي من المفروض أن توفّّر لنفسها موارد ذاتيّة وكافيّة يمكن التصرّف فيها بحريّة حسب مؤشّر الاستقلال المالي (الموارد الاعتياديّة والمناب المال المشترك) فكلّما ارتفع مبلغ المناب المشترك (المتأتي من ميزانية الدّولة) مقارنة مع الموارد الاعتياديّة كلّما تقلّص هامش الاستقلاليّة وانعكس سلبا على مفهوم اللامركزيّة خاصّة وأنّ 2 % من الموارد الجبائيّة للدولة متأتية من الموارد الجبائيّة للبلديات فقط.

كما ترتكز التّنمية المحليّة حسبما ينصّ الدّستور على:

● التّنمية المحليّة المستدامة ووحدة المصير والاستدامة والديمقراطيّة التشاركيّة الشعبيّة والقيم والعدالة والمساواة والشّفافيّة والمحاسبة والمسألة والنّزاهة إلى جانب الحصول على نسبة المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطّبيعيّة وكذلك التمييز الايجابي والمساواة بين الجهات.

إذن لا يمكن انجاز انتخابات بلديّة يوم 30 أكتوبر 2016 وذلك للأسباب المذكورة أنفا وذلك لعدم الإعداد المحكم لها من كلّ النّواحي وخاصّة من طرف الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات (والتي لم تأخذ العبرة من سلبيات الانتخابات الفارطة) بما في ذلك سجل الترشحات والحملات ورقابة واقتراع وفرز و…. فالهيئة قد تجاوزت صلوحياتها بالضغط على المجتمع السياسي في تحديد هذا الموعد بحكم أنّ مهامها الدّستوريّة هي إدارة الانتخابات وكافّة مراحلها والتصريح بالنّتائج فقط ولماذا هذا التداخل وهذا التسرّع. كما خالفت القانون في عدم نشر التقرير المالي في جوان 2015 (حسبما نصّ القانون) فالخوف الخوف في إرساء سلطة اللامركزية بالاعتماد على نسخ نموذج بلدية الماضي وهو فشل نتحمّله كلّنا بدون استثناء وأن نذهب إلى انتخابات بلدية بقانون انتخابي فقط قبل المضمون (مجلة جامعة للسلطة المحليّة). إذن الرؤية للسلطة المحلية غير واضحة وهو تجاوز للدّستور وبالتالي نكون قد خسرنا الشوط الثاني والأخير من المطالب التي قامت من أجلها الثّورة.