mosquee-islam

يمثل سؤال الهوية في مستقبل الفكر الإنساني أهمية كبرى لصلته بالخصوصيات الثقافية المتنامية داخل المجتمع الواحد والتي تختزن مشاريع نهوض كونية جديدة. فلم يعد سؤال الهوية ينذر بداهة بالانطواء والعزلة عن سياق الحضارة، بل أصبح يحمل معنى الثراء الإنساني داخل المجتمعات متعددة الثقافات كالمجتمعات الأنجلوسكسونية عامة. فبقدر تمايز الهويات الثقافية يحصل الثراء في الهوية الوطنية الواحدة الجامعة لهذه الهويات الثقافية على قاعدة الإيمان بتعددية الهويات الثقافية.

إن الحرية المجتمعية التي يمكن أن تنهض بمستوى التحضر الإنساني هي التي يجب أن تؤمن بحق الاختلاف لا بين الأفراد فقط بل بين الهويات الجماعية داخل المجتمع الواحد. فكلما تعددت الرؤى الكونية المتولدة عن هذه الهويات داخل المجتمع الواحد كلما كان للحرية وللتعددية وللسياسة وللوحدة الوطنية معنى أكثر صلابة وجمالا. وحين تنتفي ثقافة الاعتراف بهذه الهويات ليستعاض عنها بثقافة الخوف والعداء تتحول لا محالة من هويات منتجة للقيم الإنسانية المشتركة إلى هويات متصلبة، منغلقة ومعادية للإنسانية. إن الكثير من الجرائم المناهضة للقيم الإنسانية تحدث اليوم باسم الهوية الإسلامية في مقابل جرائم لا تقل فضاعة وعنفا تحدث باسم الهوية المدنية والحداثية.

إن التداخل بين هوية الإسلام وهوية الحركات الإسلامية جعل هذه الأخيرة عاجزة عن الوعي بأهمية التأسيس الحضاري من منطلق الهوية. لقد ارتبط سؤال هوية الحركات الإسلامية بهوية الإسلام في معانيه المشتركة الكبرى. فمنذ دعوة رواد الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر بوجوب إصلاح الأمة بإصلاح عقيدتها، تحول التبشير بالعودة إلى الدين داخل الخطاب الإسلامي إلى هوية بحد ذاتها، أهمل السؤال الحقيقي عن الهوية المضمونية للحركة الإسلامية المنتسبة لدعوة الإصلاح. فغابت الحلقة الرابطة بين إصلاح العقيدة وإصلاح المجتمع. إذ لا يمكن أن تكون هوية الإسلام ذريعة لغياب هوية الحركة المنتسبة له. فليس غريبا أن يقود هذا المنهج الذي تعمد الخلط بين هوية الإسلام وهوية الحركات المنتسبة له إلى خطاب حركي إسلامي يقتصر على التبشير بقيم الإسلام الكبرى دونما قدرة على تحويلها إلى مشاريع تنموية نهوضية. فلم تستطع التجربة الحركية الإسلامية على طول فترتها مراكمة الأدبيات التنظيرية أو التنزيلية في الميادين التنموية المختلفة، بل راكمت الأحلام والأوهام بـ”دولة إسلامية” و”تطبيق للشريعة” و”نظام اجتماعي إسلامي” و”اقتصاد إسلامي”. وحين يصطدم الحلم بالواقع فقد يحدث خيبة أو استقالة أو تطرفا ولا يزيد المتمسكين به إلا عصبية وتقليدا وتكلسا.

ثم إن سؤال الهوية في الخطاب الحركي الإسلامي اتصل كذلك بمساءلة الهوية الدينية لشعوبنا، لرميها بالجاهلية أو التكفير أو التفسيق والتبديع، أو لنفي هوية الآخر على إطلاقه، وهو موقف يضفي على هذا الخطاب الطهرية والقداسة ليمتنع عن النقد والنقد الذاتي. وسواء التصق سؤال الهوية بالإسلام تقديسا أو بالمجتمع تقبيحا، فالمنهج واحد وهو تجنب توجيه سؤال الهوية نحو الحركة الإسلامية ذاتها. الهوية بما هي سؤال مضموني بديل تفرض إيمانا بالتمايز عن باقي الهويات الفكرية والدينية والإصلاحية. وهو سؤال يطرح في الحقل الفكري أولا حتى يكون مؤسسا للتجربة المتفردة. وهو الحقل الفكرى الذي لا يمكن أن يستغني عن التجربة كذلك. فسؤال الهوية اليوم ضمن تحول مفهوم الثقافة من إطارها الأيديولوجي الصرف إلى إطارها التجريبي يجب أن يجمع بين أبعاد التجربة الإنسانية اعتقادا ونظرية وممارسة. وكلما كانت الهوية متماسكة جامعة بين هذه الأبعاد الكلية كلما كانت قادرة على المقاومة والإضافة. فلا معنى لهوية حركة إسلامية تؤمن بـ”إسلام سياسي” دون أبعاده التربوية والمعرفية والمجتمعية وغيرها. ولا معنى لحركة إسلامية دعوية لا تفقه في السياسة أو الاقتصاد. فمعركة الهويات الجماعية الثقافية المعاصرة من أجل مستقبل مجتمعات تعددية هي معركة شاملة يجب أن تستجمع جميع أبعاد التميز والإثراء داخلها. فبقدر ما تكون الهويات الجماعية قادرة على الإضافة والتجديد من منطلق ثوابتها بقدر ما تكون قادرة على مخاطبة الإنسانية. فانتساب حركات الإصلاح حينئذ إلى الإسلام لا معنى له إن لم يبرز المعنى الإنساني للإسلام من خلال قدرة هذا الانتساب على إبداع قيم تحضرية جديدة تتجاوز ثقافة الرأي الواحد والهيمنة الحضارية وقمع الحريات الجماعية التي تطغى على عالمنا باسم التحضر “الهمجي”.

إن سؤال الهوية في علاقته بتجديد القيم الإنسانية يجب أن يكون مصيريا داخل الخطاب الإسلامي الحركي المستقبلي حتى يجنب المنتسبين إليه مظاهر التطرف أو الانفصام أو التكلس والتقليد باسم الهوية الإسلامية. يجب أن يتطور سؤال الهوية من حالة الانغلاق نحو حراك تجديدي للذات. إن مشروعية الحركة الإسلامية من هويتها المؤسسة لمشروعها المتفرد. فلا معنى لحركة إسلامية تختفي وراء هويات مستعارة تصنع بها ثنائيات هجينة وكأنها تتبرأ من “خطيئة” صفتها الدينية الإصلاحية، حين تزاوج بين تدينها ولبراليتها أو اشتراكيتها بل وتحرص على الظهور بشكل حداثي لا يجرؤ أهل الحداثة عليه. إنه لأجدر بالحركة الإسلامية أن تجتهد في تقديم تصور بديل للمنظومة التربوية المجتمعية من أن تبارك مظاهر التفسخ والانحراف باسم احترام حقوق الإنسان اللبرالية. وإنه لأولى بها أن تنافس في النهوض بالخطاب الدعوي من أن تلغيه من مشروعها السياسي. فإذا التبست على العامة والخاصة هوية هذه الحركة لم يعد لوجودها مبرر وجاز التفكير في ما بعد الحركة الإسلامية. إذا انعدمت حركة تجديد الهوية أو التغيير داخل حركة إصلاحية ما وجب تغييرها، فليس قدرا على الأمة مراكمة تجارب التكلس. فلا خيار أمام الحركة الإسلامية إن أرادت لها مستقبلا إلا التجديد من داخل هويتها. ولا تجديد لمجتمعاتها أو مقاربة لحداثتها إلا بتجديد هويتها. وكما لا يحتمل التجديد الذوبان في الآخر يمتنع عن التصلب والتعصب والتطرف.

إن ما نشهده من استباحة للدماء باسم الهوية الإسلامية يعكس منهجا قديما خاطئا في فهم المخالف على اعتباره يمثل الكفر والجاهلية، وهو ما ساد طويلا بل ولا يزال الأدبيات الإسلامية. إن إشكالية هوية الحركة الإسلامية في علاقتها بمشروعها الإنساني بحاجة إلى مراجعات كبرى تخرجها من ثنائية التصلب أو الذوبان ومن التماهي مع الإسلام ونكران إسلام الشعوب. لم يعد من الممكن في أزمنة الهويات المنتجة للتحضر كالهويات الآسوية والهندية وغيرها الحديث عن الهوية القطب التي تمثل جوهر المعاني بحد ذاتها لمجرد انتسابها للإسلام. بل وجب أن تبرهن على قدرتها على تمثل روح الإسلام الإنسانية والحضارية في مشاريعها. إنها هوية المشاريع لا مشاريع الهويات وهوية الفعل لا هوية القول وهوية الحضارة لا هوية التخلف.