ahmad-ben-othman-1972-tunisie

بقلم وائل بنجدو،

تمهيد

منذ سنة 1956 و مع انتقال الاستعمار من شكله المباشر إلى شكله الجديد الغير مباشر أدرك النِّظام التُّونسي،راعي مصالح الإمبرياليّة في البلاد، أنَّه و في حالة كانت المنظمات الجماهيرية (الإتحاد العام لطلة تونس، الإتحاد العام التونسي للشغل) معبّرة فعلا عَن تطلُّعات الشعب نحو التحرّر و التقدم الاجتماعي فإنّ ذلك سيضرب حصارا حوله، و سيكون الاتحاد العام لطلبة تونس أحد أهمّ أدوات النضّال ضدّ الطبقات الرجعيّة الحاكمة، لذلك سعى النظام إلى إفراغه من مضمونه النّضالي، و تمكَّن من تحويل الهياكل القيادية إلى إطار للوُصوليَّة و الارتزاق و عقد الصفقات من وراء الجماهير الطلابية. لكن ذلك لا يعني تَحوُّل الاتحاد العام لطلبة تونس إلى مجرّد أداة لتمرير خيارات السلطة، حيث تشكّل تيار قاعدي مناضل معارض لتوجهات القيادة الإستسلامية،و تمكّن من فرض عديد المعارك و مساندة الحركة الشعبية و الانتصار لعديد القضايا القومية و الأممية العادلة . و قد بدأ التَّناقض بين توجّهات قيادة الإتّحاد و قواعده يظهر بوُضُوح حين تمكَّنَت القواعد المناضلة من تنظيم تجمّع ضخم للتَّنديد باغتيال الزعيم الافريقي “باتريس لومنبه” سنة 1961 رغم معارضة القيادة الموالية للنِّظام الذي وقف إلى جانب القوى الاستعمارية في الكونغو. كما نظَّم الطلبة إضراباً و تظاهروا في سنة 1966 للاحتجاج على الظروف الماديّة السيئة و واجهوا الإعتقال و التنكيل. و كان لهم دور رائد في المظاهرات الشعبية العارمة المندّدة بالعدوان الصهيوني على الأقطار العربية في جوان 1967، و قد تمّ خلال هذه المظاهرات مهاجمة بعض الأهداف الإمبريالية (سفارة بريطانيا، المركز الثقافي الأمريكي).

و أمام تنامي حركة المعارضة القاعدية وجد النظام نفسه مضطرّا لتقديم بعض التنازلات حتّى لا يخسر بيادقه في المناصب القياديّة فسمح ببعض التحويرات الديمقراطية في مؤتمر المهديَّة سنة 1969 (مثل إحداث المكاتب الفيدرالية) التي ساهمت في دفع العمل النقابي المستقل عن النظام في الجامعة،و المساهمة بشكل أكبر في النضالات الشبابية و الشعبية عموما و التي تُوِّجت بالمظاهرات الشهيرة ضد زيارة وزير الخارجية الأمريكي روجرز.

انتهت هذه المراكمات النّضالية بتفجّر الوعي الطّلابي ليعبِّر على نفسه في الانتفاضة الطّلابية في فيفري 1972.

الظرف الموضوعي

لا يمكن دراسة الانقلابات الاجتماعية و الانتفاضات بمعزل عن الظروف الموضوعية السابقة لهذه الأحداث،و ممّا لا شكّ فيه أن الجماهير الطلابية التي إنتفضت في فيفري 1972 قد تأثَّرت بعديد الأحداث على المستوى العالمي و القومي و القطري. حيث شهدت أواخر الستينات عدّة أحداث عالميَّة و عربيَّة جذَّرت النّضال الوطني الديمقراطي ضدّ الإمبريالية العالمية و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و ضد الصهيونية و الأنظمة الرجعية. فقد إنطلق العدوان الأمريكي الوحشي ضد الفيتنام الشمالية في 1965/02/07، ثمَّ تلاه إنزال أمريكي مباشر في الجنوب في 08 مارس من نفس السَّنة، و انتهجت الإمبريالية الأمريكية سياسةالأرض المحروقة ضدّ جمهورية الفيتنام الديمقراطية باستعمال الأسلحة الكيمياوية و وسائل التدمير. و شهدت نفس الفترة تقريبا إندلاع الثورة الثقافية الكبرى في الصين الشعبية بقيادة ماوتسي تونع و التي كان لها بالغ الأثر على سائر الحركات الثورية في العالم خاصة من خلال شعارها “من حقنا أن نثور”. كما اعتبرت هزيمة 1967 من الأحداث الهامة التي هزّت عديد المسلّمات في تلك المرحلة،و بدأ التساؤل و البحث عن كيفية تجاوز الإحباط و الجرح الذي مُنيت به الشخصية العربية أنذاك. هذا فضلا عن اندلاع الثورة الفلسطيني في 1969 و ظهور بعض الأنظمة التي أُعتبِرت في تلك الفترة أنظمة تقدّميّة و وطنيّة مثل النظام العراقي بالمقارنة مع الأنظمة الرجعية السائدة في المنطقة العربية. و في سلطنة عمان حرّرت القوى الثوريّة عدّة مناطق و خاصة إقليم “ظفار” و قد دعمت الصين الشعبية هذه النضالات و ساندت الثورة الفلسطنية و العمانية و درّبت المقاتلين و الكوادر.

ساهم هذا الظَّرف، المتميّز بهجوم نضالي كبير ضد الإمبريالية و ربيبتها الصهيونية، في دفع الطلبة المنتفضين إلى بلورة أحد أهم شعارات الحركة الطلابية و هي “النضال ضد الإمبريالية و مساندة حركات التحرّر الوطني في العالم”.

أمّا قطريا فقد ازدادت حدّة الأزمنة الاقتصادية التي كان يمرّ بها النظام،و لم تفلح سياسة التعاضد في امتصاص غضب الطبقات الشعبية، بل كانت مواصلة لنفس السياسات اللاوطنية و اللاشعبية و سببا في مزيد إفقار الجماهير التي انتفضت في أكثر من مناسبة لتعبّر عن رفضها للتوجهات الاقتصادية للنظام مثل انتفاضة الفلاحين في الورادانين و مساكن سنة 1968.

الأسبـــاب

تعود جذور حركة فيفري 1972 إلى عدة أسباب لعل من أهمها ما تعرّض له بعض الطلبة من محاكمات تعسُّفية من قبل محكمة أمن الدولة على خلفيَّة نشاطهم النقابي و السياسي مثل محاكمة الطالب أحمد بن عثمان الرداوي في قضية “تجمع الدراسات و العمل الاشتراكي” (عرف باسم “افاق” ) و طرد البعض الآخر.

و لكن يبقى الحدث الأبرز و الذي مثل المحرك الرئيسي للانتفاضة الطلابية ما حصل في مؤتمر قربة 1971 . في ذلك المؤتمر (الثامن عشر) تعزَّزت المُعارضَة القاعديّة داخل الاتحاد و تمكنت من إفتكاك بعض المواقع داخل هياكل القرار و التسيير في المنظمة و نجحت القاعدة في انتخاب أغلبية من النواب مناهضة للهيمنة الدستورية (105 من جملة 180 نائبا). و نشطت القواعد بهدف صياغة لوائح تؤكد استقلالية الاتحاد، و هو ما أصبح يهدّد بوضوح الهيمنة الدستورية داخل المنظمة،و واجه النظام خطر إفلات داخل العام لطلبة تونس من قبضته فما كان منه إلا أن نفذ انقلابه الشهير في أوت 1971 عبر دفع الأقلية الدستورية ممثلة في 72 نائبا بمساعدة أجهزة القمع إلى صرف المؤتمرين بالقوة،و الحيلولة دون المصادقة على اللوائح و التنقيحات على قوانين المنظمة و نصَّبوا هيئة إدارية موالية للحزب الحاكم.

إضافة إلى هده الأسباب المباشرة فإن بعض الأحداث في تلك الفترة عمَّقت إيمان الطلبة و الشباب بقدرتهم على قيادة التغيير في المجتمع و منها أحداث ماي 1968 التي كانت مصدر إلهام للحركة الشبابية على مستوى العالم.

النتـــائج

إعتقد النظام واهمًا أنه تمكن من تطويع الاتحاد العام لطلبة تونس و كسر إرادة الجماهير الطلابية،لكن سنة 1972 كانت سنة فاصلة في تاريخ الحركة الطلابية أعلنت بداية مواجهة حقيقية بين الحزب الحاكم و أجهزته من جهة و بين الحركة الطلابية و قواها المناضلة من جهة أخرى . و لم يقابل الانقلاب الدستوري على الشرعية بالخضوع و الاستسلام بل كان حافزا للجماهير الطلابية للإندفاع و رفض الهياكل المنصبّة و عبَّر أغلبية المؤتمرين عن رفضهم للانقلاب في لائحة ضمَّت 105 نائبا،و تكوّنت لجنة إعلامية لتوضيح ما حدث في المؤتمر الثامن عشر، وإعتبر مناضلو الاتحاد ذلك المؤتمر لاغيًا و جعلوا من إنجاز المؤتمر 18 خارق للعادة أولويّة نضالية ملحّة لاستعادة المنظمة.

و تمّ تنظيم اجتماعات عامة منذ بداية السنة الجامعيّة في أكتوبر – ديسمبر 1971 و رفعت شعار انعقاد مؤتمر استثنائي خارق للعادة تُوِّجَت بتجمُّع طلابي ضخم أيام 2 – 3 – 4 – 5 فيفري بكلية الحقوق كان بمثابة الانطلاقة الفعليّة لأشغال المؤتمر و تكوّنت 5 لجان تحضيرية: اللجنة السياسية العامّة، لجنة الشؤون الداخلية، لجنة الشؤون النقابية، لجنة الشؤون الثقافية و لجنة الصحافة و الإعلام .و قد بدأت هذه اللجان عملها بحضور القاعدة الطلابية و وصل عدد المتدخلين في بعض النقاشات 104 متدخلا.

و في يوم 5 فيفري 1972،و قبل تلاوة البيان الختامي للمؤتمر و لمّا أدركت السلطة أن الحركة ذات زخم قاعدي كبير و ذات مضمون متقدم و آخذ في التبلور نحو موقف أكثر جذرية،تدخلت قوات القمع البوليسي و ميليشيات الحزب الحاكم لضرب انعقاد المؤتمر .و نتج عن ذلك اغلاق كليتي الآداب و الحقوق 3 أشهر و اعتقال و تجنيد و سجن المئات من الطلبة. و أخذت حركة فيفري نسقا تصاعديا و تحوّلت من حركة طلابية احتجاجية إلى انتفاضة شبابية شملت كامل القطر. و قد ساند التلاميذُ حركةَ الطلاب بالإضراب و التظاهر و تعاطفت الجماهير الشعبية مع الطلبة الملاحقين،و خاض العمّال عدّة تظاهرات فاندلعت عدّة اضرابات و خاصة في قطاع النقل رغم عدم موافقة القيادة النقابية للإتحاد العام التونسي للشغل آنذاك .و بلغ عدد الإضرابات العمالية 150 اضراب في 1972.

مثلت حركة فيفري 1972 نقلة نوعية في تاريخ العمل النقابي و السيّاسي بالقطر و ذلك بحكم عمق الشعارات التي رفعتها و التي رسمت الخطّ النضالي العام للحركة الطلابية و كانت ذات جوهر وطني ديمقراطي شعبي فوضعت النضال الطلابي ضمن مسار التحرّر الوطني الديمقراطي في تونس و أسَّست لرؤية جديدة للعمل النقابي و السياسي انطلقت من الشعارات المركزية التالية:

  • النضال من أجل اتحاد عام لطلبة تونس ديمقراطي و جماهيري و مستقل.
  • النضال من أجل ثقافة وطنية و تعليم ديمقراطي و جامعة شعبية.
  • الحركة الطلابية جزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية.
  • النضال ضدّ الإمبريالية و مساندة كافة حركات التحرّر الوطني في العالم.

و أمام تصلُّب موقف النظام من مسألة استقلالية الاتحاد العام لطلبة تونس طرحت حركة فيفري مبدأ “القطيعة السياسية و للتنظيمية مع النظام الحاكم”، و يعني هذا المبدأ أن الاتحاد المنشود بعد إنجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة لن يكون له أي إرتباط تنظيمي بأطر الحزب الحاكم الشبابية مثلما حصل سابقا و خاصة في المؤتمر الثالث المنعقد بنابل حين أقرّ الدساترة آنذاك فكرة إدماج الاتحاد العام لطلبة تونس و “الجامعة القومية للطلبة الدستوريين” في منظمة واحدة. ثم تقرّر في مؤتمر انعقد ببئر الباي الاندماج في منظمة جديدة دعيت “اتحاد الشباب التونسي” فقد طبّقت قيادة الاتحاد الطّلابي هذا القرار مباشرة دون إستشارة قواعد المنظمة و عمَّقت إرتباط المُنظَّمة بالحزب الحاكم تنظيميًّا. هذا فضلا على أنّ مبدأ القطيعة السِّياسة و التنظيمية مع النظام يعني أيضا أن الخطّ السياسي العام للحركة الطلابية و للاتحاد سيكون خطّا معارضا لسياسة النظام الحاكم اللاوطنية واللاديمقراطية و اللاشعبية.

كما كان لحركة فيفري 1972 تأثيرا بالغ الأهميّة على التوجّهات الفكرية و التيارات السيّاسية المتواجدة داخل الجامعة التونسية،حيث وجّهت ضربة قاسمة لمجموعة “آفاق” التي كانت تعتبر “النظام الحاكم نظاما برجوازيا وطنيّا أنجز الاستقلال” و وقفت موقفا مخزيا من اليوسفيين الوطنيين فقد إعتبرتهم “جماعة شوفينية دينية متعصّبة و جناح من العروبيّن العاجزين” و نظّروا لإمكانية التّعايش الفلسطيني الصّهيوني في فلسطين المحتلة حيث وزّعوا منشورا بتونس سنة 1968 يرفضون فيه تبنّي القضية الفلسطينية كقضية عربيّة،و دعوا إلى النّضال ضدّ “غموض القوميّة العربيّة و الأمّة العربيّة” في كرّاس صدر في 1968 و أصدروا في مرحلة لاحقة جريدة “العامل التونسي” باللهجة العاميّة.

هذا و قد عرفت حركة فيفري 1972 أولى إرهاصات تشكّل الخطّ الوطني الديمقراطي، خطّ مواجهة الإمبريالية و عملائها و النضّال ضدّ الصّهيونية،خطّ النّضال من أجل تحرير الطبقات الشعبية في الوطن العربي من الاضطهاد الطبقي و القومي.

خاتمة

تبقى حركة 5 فيفري 72 لحظةً مُضيئةً و مُهمّة في تاريخ تونس المعاصر، و ربّما لا يمكن فهم تاريخ اليسار التّونسي و نشأته، داخل الجامعة و خارجها، دون العودة و إلقاء الضّوء على هذه المحطّة . و هو ما لم يحصل بالقدر الكافي إلى حدّ الآن . و حتَّى محاولات سَبْر أغْوَار هذا الحدث، و ما حفَّ به من ظُروف و ما أفرزه من نتائج، طغَا عليها في كثير من الأحيان البُعد الرّومنسي أو القراءة الحزبيَّة السّطحيّة .صفحة الإتفاضة الطّلابيّة في شهر فيفري من عام 1972 ظلَّت صفحةً مظلمةً حالها كحال عشرات الصّفحات في تاريخ نضال الشعب التونسي المَديد، و من الأهمّية بمكان أن تُعاد قراءتها .إذْ ليس سهلا بالنّسبة للشّعوب أن تَدُقّ أبواب المُستقبل دون أن تحمل شُمُوع ملاحمها و تضحياتها الماضيَة لتُنير بها دُروب الحاضر.