Ahmed Brahim-Ouled Ahmed

1.

أذكر جيّدا الحفل المُقام من طرف وزارة الثقافة تكريما للشاعر الصغيّر ولاد حمد قبل وفاته. اعتبر الجميع في هذا القرار الوزاري خروجا على المألوف وكسرا لمقولة عليّ الدوعاجي “عاش يتمنّى في عنبة مات جابولو عنقود”. وقد أكّدت ذلك الوزيرة، السيّدة لطيفة لخضر، ليلتها باستحضار مغزى هذا المثل في الكلمة الافتتاحية التي ألقتها.

ما يعتبر كسرا حقيقيا للبرمجة الكلاسيكية ليلتها هو إشراف الشاعر بنفسه على صياغة برمجة التظاهر واختيار الضيوف وتحديد طريقة تداولهم على الرّكح. أهمّ ما شدّ انتباهي وقتها حضور وجه جديد، أي غير مألوف فنيّا، بين قائمة المتناوبين على الرّكح. هو الشاعر زياد عبد القادر. ضيف لم يرهق الحاضرين تصفيقا ولم يحظ بنفس الكمّ من التجاوب الذي حظي به آدم فتحي مثلا. ولا أعتبر قصر التجربة السبب الوحيد لذلك.

لا علاقة لما يكتبه زياد بما سمعناه من كلّ من الصغيّر أو آدم. خروج عن المألوف، قصيدة نثر تتركّز فيها صور الشعر وتنبع من أنفاسها روحه.” حالة أخرى متفرّدة بذاتها”: هكذا وصفه لي الشاعر الطيّب بوعلاّق وقتها. وليس المقصد من هذا وضع شعرائنا في مقاييس المقارنة ومنح الأفضلية لأحدهم دون الآخرين. بل بالعكس، كلّهم جميلون، وغير متشابهين.

لم يرغب الصغيّر ليلتها أن يقول “هذا منّي وإليّ”. بل كانت نيّته أن يبيّن لجمع الحاضرين القادمين، تعاطفا ومساندة، تحت شعار “لن تموت” أنّه ميّت لا محالة وأنّ روح الشعر لن تفنى بفنائه. بل بالعكس، هنالك شعر آخر حيّ لا يموت أبدا. ذلك هو الخلود والبقاء. كان يمكن للصغيّر ليلتها أن يهب الرّكح لكلّ الشعراء من أصدقاءه وأحبّته والماضين على منهجه الشعريّ وطريقته في صياغة القصيدة وإن كانوا كثيرين. لم يشأ أن يقول لنا: سيرحل المعلّم. بل صرخ فينا بشكل لا مباشر، كالمعاني الضمنية في قصائده: نحن لا نعلّ كتابة القصيدة. نحن نبقي الشعر حيّا.

اختار الصغيّر من حفر لنفسه طريقا أخرى في مشاكسة المعاني والكلمات، اختاره ليعتلي ركح الوداع الاحتفالي.  وأعلم أنّ للشاعر زياد عبد القادر شأنا عظيما في الغد.

الشاعر زياد عبد القادر

2.

لا علاقة لي بحزب التجديد أو المسار الديمقراطي الاجتماعي الحديث غير ما قرأته عنهم وتابعته سياسيا مؤخّرا. ولا أعرف منه بشكل مباشر سوى الأختين يسرى وإيمان المورالي. صراحة ليستا كبقيّة شباب السياسة في تونس. لا إديولوجية مسيطرة على تعاملاتهم اليومية، نضال غير النضال المعهود وتنظّم غير الانظّم الكلاسيكي.

وإن كان معهودا لدى تنظيماتنا السياسية اليسارية انتهاج طرق النضال الاجتماعي والسياسي في مواجهة مباشرة للسلطة (تظاهرات واحتجاجات، بيانات تنديد ومساندة، مؤتمرات …)، فقد عرفت في يسرى المورالي شيئا آخر على الإطلاق: فنّ ودعوة إلى الحياة، بحث عن الجانب الإيجابي في كلّ شيء، طرح الأسئلة التي لا يطرحها العموم، تبنّي قضايا الأقليات…

خلال شهر فيفري الماضي تمّ تأسيس منظّمة شباب المسار وانبثق عن مؤتمرها الأوّل مكتب شبابي قيادي ترأسته الشابة يسرى المورالي. الأهم أن شباب هذا الحزب تسلّم دفّة القيادة وأوّل ما قام به هو التخلّي عن صراعات الماضي ليبني بنفسه أسس عمل نضالي جديد يشبهه أكثر ممّا يشبه تاريخ التنظيم.

كتب السيد أحمد إبراهيم يوم 17 فيفري الماضي في صفحته على الفايسبوك:

“مرحبا بشباب المسار في بيتي.
زارني اليوم وفد من منظمة شباب المسار التي انتخبت منسقتها ومكتبها الوطني في مؤتمرها االتأسيسي يوم الأحد الماضي. وكان الوفد برئاسة منسقة المنظمة الآنسة يسرى المورالي، ويضم أعضاء قيادتها وعدد من الإطارات الحزبية والمناضلين منهم الأمين العام سمير الطيب.
شكرا للفتيات والفتية وباقي الرفاق على هذه الزيارة التي ادوها ظهر اليوم مباشرة بعد الندوة الصحفية التي عقدها مكتب الشباب صباح اليوم.
شكرا وامتنانا وتمنياتي القلبية بالتوفيق في خدمة شباب تونس وشعب تونس.”

كان أحمد ابراهيم أوّل المشجعين لهذا الجيل الجديد. اكتفى باستقبالهم في بيته ذات يوم للفرحة لا لتقديم الدروس. اقتنع بأن لم تبق له إضافة وأنّ ما ناضل من أجله تسلّمته أياد أمينة وانتهجته أجيال أخرى غير هذا الجيل. فكريّا قد تختلف رؤى شباب المسار مع رؤى جيل التجديد. لكن لا حرج في الأمر. وأعلم أنّ ليسرى المورالي شأنا عظيما.

فليرقد المناضلون في سلام. فلنحفر لأنفسنا طريقا سليما للحياة.