Tunisian_Revolution

إهداء: إلى اصدقائي الأعزاء الواقعيين جداً.. إلى كل من طرح علي السؤال مكراً للتبكيت أو براءةً لمحاولة الفهم..

لاشك أن أول ما يتبادر إلى ذهن قارئ عنوان المقال و المتصفح العارف بأدبيات الكتابات السياسية النظرية الكلاسيكية هو كتاب ”ما العمل؟“ للزعيم الماركسي الشهير لينين. كتاب حاول فيه لينين الإجابة على اسئلة الثورة في عصره. وخرج بعد مجهود نظري بضرورة إنشاء التنظيم والحزب الشيوعي الذي ستوكل له مهمة تأطير طبقة العمال والبروليتاريا وإنشاء طليعة ثورية تقود البلاد نحو تحقيق الثورة واهدافها. كما أنه أكد على ضرورة إنشاء وسيلة إعلام توصل أفكار الحزب ممثلة في جريدة البرافدا.

اعتبر أن إجابات لينين هي إجابات سطحية إذا نظرها لحجم التعقيد الذي يكتنف الوضع الذي نعيشه اليوم. ولو كان لينين حي بيننا لما ادعى أو جازف حسب رأيي بإدعاء الإجابة على السؤال الحارق في ما يخص وضعنا بنفس البساطة فقد كانت موازين القوى والإصطفافات في زمن لينين أكثر وضوحاً ولم يكن يعيش في عالم متشابك وقرية كونية مثلما هو الحال اليوم .

يكفي إلقاء نظرة سريعة على ما آلت له أحوال الثورة من انتكاسة وعودة لرموز الفساد وتوافق مغشوش بين اليمين المحافظ البراغماتي (النهضة) واليمين الليبرالي البراغماتي واجهة منظومة حكم 56 (النداء) حتى نتأكد أن الأمر حسم في بلادنا بعد تسويات الكبار التي توجها لقاء باريس بين الشيخين الذي فتح الباب بدوره لخروج آمن للنهضة من السلطة وعودة قوية لمنظومة حكم 56. انتهى الأمر بالبلاد بعد بريق أمل في التغيير الشامل إلى ديمقراطية شكلانية مدارة وذلك عبر المسك الجيد بالملف الإعلامي وصياغة رأي عام موجه وعبر خنق المجتمع المدني والنشطاء بالمحاكمات. نظام تلعب فيه الشركات الخاصة ورجال الأعمال وشبكات اللوبيات دور صانع القرار الحقيقي وذلك باعتماد أدوات الإعلام وتوظيف شبكات العلاقات داخل البيروقراطية. كل ذلك من أجل السيطرة على الحياة السياسية وإفراز نخبة سياسية لا تتجاوز الخطوط الحمر وتخدم مصالحهم.

أمام هذا الواقع نلحظ دون عناء اتجاهان للرأي:

  • من يرى أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان وأننا في الاتجاه الصحيح رغم العراقيل والنقائص 
  • ومن يرى بأنه كان بالإمكان أفضل مما كان وانه لا معنى لنصف الكأس مملوءة والحال أن الكأس نفسها مشقوقة ولا تصلح وعاء لشيء.

أمام هذا الجدال يسأل الفريق الأول حين تنتهي كل الحجج وتسقط أمام الواقع القبيح سؤاله الشهير: ما البديل؟ ما العمل؟

اعترف بأني أخوض غمار مغامرة شاقة بطرح سؤال نظري ثقيل وصعب مثل سؤال البدائل. لا ادعي هنا إمتلاكي لوصفة سحرية أو دليل عملي جاهز يجيب عن السؤال الأهم الذي سيخرجنا من الحالة المتردية التي وصلت لها البلاد بقدر ما يروم مقالي الدفع بإتجاه تعميق السؤال حول هذه القضية التي أصبحت تشغلني. اعتبر المقال مجرد محاولة لإثارة نقاش جماعي حول الموضوع.

I. في طبيعة السؤال

بالنسبة لي سؤال ”ما العمل؟“ هو سؤال مركب وله أوجه عديدة. هو بدون شك سؤال مشروع وحارق يجب أن يطرح على كل معارض وناقد للوضع المختل الذي تعيشه بلادنا. من ينتقد الوضع الذي وصلت له البلاد عليه في النهاية الإجابة على سؤال البدائل. لكن هل هو سؤال مشروع في كل الحالات وفي كل الأوقات؟ أم أنه سؤال يستوجب جملة من الأسئلة التمهيدية والشروط الموضوعية للإجابة عليه؟
يبقى السؤال بدون معنى وأشبه للسفسطة والهراء إذا لم يسبقه تفكير جدي في عناصر أساسية تساهم في الإجابة عليه.

أول هاته العناصر هو عنصر غياب الفهم المشترك والإتفاق على تشخيص الوضع و الواقع. فكيف لمجموعة تشخص الواقع بطرق مختلفة أن تجيب على سؤال البدائل؟ لا بد لنا إذاً الإنطلاق من توحيد للرؤية والتشخيص للواقع حتى نستطيع التعامل مع اسئلته الحارقة.

يلحظ المتابع اليومي للساحة السياسية والإعلامية التونسية تخبط وفوضى مواضيع وغياب كامل للرؤية وأجندة التعامل المشتركة مع الأحداث داخل صف من مازال يؤمن بالثورة والتغيير.
 
ثاني هاته العناصر هو تدني نسبة الوعي العام والفهم الخاطئ أو حتى عدم فهم طبيعة الصراع في تونس. هل نحن أمام صراع صفري أم صراع غير صفري؟ ما متطلبات كل صنف وما تبعاته وماهي تكاليفه وماهي حدوده؟

ثالث هاته العناصر هو الإتفاق من عدمه على مدى مشروعية الحديث عن صراع ما في تونس. فهناك من يرى بأننا لسنا في صراع أصلاً.

رابع هاته العناصر هو الإتفاق على الهدف الإستراتيجي والمطالب التي نريد تحقيقها. فإن كان هدفنا إرساء نظام عادل وديمقراطي وتفكيك منظومة الفساد فذلك يتطلب تضحيات وإجابات أكثر عمق من التضحيات والإجابات التي قدمناها في الحدث الديسمبري وبعده. فاقتلاع السيستام لم يتم وبالتالي إلتفت المنظومة وعادت في ثوب ديمقراطي بآليات معقدة وذكية واكبت اللحظة الثورية.

ما يحصل اليوم في ظل الجدل القائم حول سؤال البدائل هو أن يأتيك احدهم ويطرح السؤال دون إستحضار لغياب الفهم المشترك والإتفاق على تشخيص الوضع ودون تفكير في أن الوعي العام لم يرقى بعد إلى درجة السؤال وفي ظل عدم فهم أصلاً لطبيعة الصراع في تونس أو الإتفاق على الهدف الإستراتيجي الذي نريد الوصول له مطالباً بإجابة جاهزة على طريقة الأكلات والوصفات الجاهزة.

II. سؤال الحدث الديسمبري المشروع بقي دون إجابة

من نظام قمعي مكشوف إلى ديمقراطية مدارة مروراً بحدث ثوري ومرحلة انتقالية إصلاحية طرحت عديد الشعارات والمطالب من قبيل ”نظام لا يصلح ولا يصلح“، ”الشعب يريد إسقاط النظام“… فهل طرحت النخب التونسية إبان الحدث الديسمبري أو بعده أو حتى قبله حقاً سؤال البدائل؟ هل كان للأحزاب بدائل جاهزة للنظام التي تدعو لاسقاطه؟ هل طرحت النخب والجماهير الغاضبة سؤال ماذا بعد ”الشعب يريد إسقاط النظام“؟

لم يكن للنخب السياسية التونسية التي طرحت نفسها بديل للنظام إجابة واضحة على السؤال الملح لا قبل الحدث الديسبمري ولا بعده ولا الآن. معظم احزاب المعارضة الراديكالية كانت تطرح شعار إسقاط النظام لكنها لم تتجاوزه بطرح رؤية لكيفية تفكيك المنظومة وطرق التعامل معها وكيفية سد الشغور الذي يلي إسقاط النظام. بل أن العديد من الأحزاب هربت إلى الأمام وحاولت إقناع الناس بإن النظام بالفعل سقط واننا في مرحلة بناء ديمقراطي لدولة قانون ومؤسسات وما يستتبع ذلك من كون اننا في صراع تنافسي داخل خيمة النظام الديمقراطي المنشود.

لقد خرجت فئات شعبية ذات ديسمبر 2010 منادية بالبديل لما بدا لها أن الأمر قضي وكلت الأمر إلى نخب تعترف بأن الحدث باغتها وأن عرضها لا يستجيب لطلب “السوق”. كل ما فعلته هو ركوب الموجهة والتسويق لمنتج سحري لا تمتلكه. فقد كانت هذه النخب تبشر وتتدعي بأنها تمتلك البدائل لكنها تحاول فقط مجاراة طلب السوق المتنامي محاولة عدم الخروج من المنافسة.

حاولت بعض الأحزاب التي رشحها الشعب في 2011 الإجابة عن هذا السؤال لكنها غرقت في اليومي وإدارة الخلافات وإطفاء الحرائق دون تقديم أي إجابات لأي اسئلة تخص البدائل.  

III. من سؤال مشروع إلى سؤال مغالط

« جميل.. ماهو البديل؟ ما رؤيتكم للخروج من الوضع؟ »

المحزن في الأمر أن التساؤل عن البديل أصابه ما أصاب عديد المعاني والمصطلحات في وطننا.فقط تم إغتصاب معناه وإخرج من سياقه إلى سياقات أخرى مثلما اغتصبت عديد المعاني الجميلة في وطننا في ظل المماحكات السياسوية.

من سؤال مشروع وحد اهتمامات التونسيين التائقين إلى التحرر وإلى بناء غد أفضل لهم وأبنائهم تحول السؤال إلى سلاح سفسطائي في يد الساسة وأذرعهم الإعلامية من مستكتبي الدعاية الحزبية بغرض التبكيت والمحاججة.
 
سيوهمك هؤلاء بأنهم في حيرة وشك من أمرهم وأنهم ينتظرون إجابات شافية ولكننا للأسف أمام تغليف خبيث للرد غير المنطوق به لأننا أمام سؤال إنكاري موجه لا يحتمل إلا جواب واحد وهو أن لا بديل عن ”بديلهم“.

هذا يعني اننا لسنا في سياق سؤال في إطار حوار بناء وإنما أمام تمترس وراء موقف ما.

الأكيد أن هذا السؤال يتنزل ضمن المغالطات المنطقية الذي أصبحت خبز الفاعلين السياسين وانتلجنسيا السلطان والشيخ اليومي. هو إذاً سؤال أفرغ اليوم كما قلنا من معناه وأصبح سلاحاً نفسياً مشرعاً أمام الديمقراطيين الحقيقيين الذين لا يؤمنون بأنصاف الحلول ومقولات ديمقراطية القطرة قطرة.

يجب علينا قبل الولوج وسبر أغوار الإجابة على السؤال المشروع أن لا نقع في الفخ وأن لا نكلف نفسنا عناء الإجابة على السؤال الملغوم. علينا عوض ذلك أن نسأل سؤال “ما بديلكم؟” ومتى كانت الانهزامية والفشل بدائل حتى وإن تمت تغطيتها برداء الواقعية الأنيق؟ 

IV. منهجية الإجابة عن السؤال

1) اسئلة تمهيدية 

بعيداً عن المماحكات السياسوية وللخروج من المستنقع الآسن الذي غرقنا فيه علينا التحلي بالشجاعة والتفكير الإبداعي والتفكير فعلاً في كيفية الإجابة عن السؤال الملح.. إلا أن أسئلة كثيرة تفرض نفسها في هذا السياق حتى ندخل المدخل الطبيعي وحتى لا نقع في فخ التعويم والتعمية.

  • هل الإجابة عن السؤال مجهود نظري فردي أم هو مجهود جماعي؟

    الأكيد أن الاجابة هي مجهود جماعي. على كل الفئات الحية في المجتمع وخاصة الشباب تحمل مسؤوليتها التاريخية والإبتعاد عن ثقافة السلبية والإستقالة وذلك بالمساهمة الفعالة في إيجاد الحل والبديل

  • هل الإجابة عن السؤال فعل آني أم مجهود تراكمي؟

    الأكيد أنه مجهود تراكمي عبر الزمن

2) الشروط الموضوعية للإجابة على السؤال

مع أن الأمر يطلب مجهود جماعي في سياق تراكمي فإنه من الواجب رفض ومقاومة أنصاف الحلول والحلول الانهزامية بمنطق غياب البديل الجاهز. بالعكس فأن من أوكد واجبات في إطار الإجابة عن السؤال حول البديل هو مقاومة كل أشكال الحلول الزائفة الموهومة.

من يطالب بالبديل عليه إسناد من هم في الواجهة. من يطالب بالبديل عليه أن يسأل نفسه قبل غيره ماذا فعل حتى يتشكل البديل المنشود؟ علينا أن نقتنع بأن البديل لن يتشكل إلا في حالة تشكل وعي عام مقاوم ذكي يبدع أشكال فعل جديدة ويتصدى لكل أشكال المغالطات والتضليل التي تمارس من قبل الساسة وإعلام مجموعات الضغط. هي حرب.. أدواتها الفكر والحرب النفسية والقلم والذكاء.

خاتمة

 
حاولت في هذا المقال عرض رأيي ورؤيتي لسؤال لم يفارقني طيلة السنوات الأخيرة. لعله مقدمة لمقال أو مقالات أخرى تحاول بكل تواضع الإجابة عن السؤال الملح.