ghannouchi-essebsi-ennahdha-congres

الباجي قائد السبسي يقف أمام مصدح يخطب في آلاف النهضويين. راشد الغنوشي يرفع يد السبسي تحت وابل من التصفيق واهازيج تتغنى بالشيخين. هكذا كانت أبرز صور المؤتمر العاشر لحركة النهضة. صور رُسّخت في أذهان ملايين التونسيين وجابت صفحات التواصل الاجتماعي محدثتا ردود فعل مختلفة ومتباينة شمل طيف ألوانها من المرحب المهلل الى الساخط الرافض الى المبرر الى الناقد والى المحلل.

مالا يمكن الاختلاف فيه هو اننا نعيش تغييرا في التوازنات السياسية في تونس. هذا التغيير يجعلنا نطرح آلاف الأسئلة وأهمها. كيف؟: كيف يمكن لتيار سياسي كان مقموعا ومسجونا ومعذبا قبل حدوث الثورة أن يضع اليد في اليد مع تيار سياسي معظمه محسوب على النظام الذي قامت ضده الثورة؟

تجمع الخلطة السياسية التونسية اليوم، في نفس الحزب أحيانا، الجلاد بالضحية واليميني باليساري والمعتدل بالمتطرف والمنفتح بالمحافظ في تشكلات حزبية متصاهرة لا أجندة واضحة لها ولا خط سياسي سوى الشعاراتي ينبثق عنها. هذه الضبابية ألبست الطبقة السياسية وشاحا أقرب للهزل والغرابة.

في ظل هذه الضبابية العبثية، لا يمكن أن نفهم الواقع السياسي التونسي استنادا على التصريحات والمواقف. فهي تتسم بالتباين والتخبّط والانقلاب رأسا على عقب من يوم الى آخر. ما يمكن فعله لتحليل الواقع السياسي التونسي هو الغوص في مستوى أعمق من المستوى السياسي، ألا وهو المستوى الاجتماعي.

ما هو النظام الاجتماعي الذي يحكمنا ؟

بينما يعيش السكوندنافيون في كنف نظام اجتماعي يركّز على العدالة الاجتماعية، يعيش الأمريكان في كنف نظام ليبرالي يستند على الطبقية مع الحفاظ على المصعد الاجتماعي الممثل في ثقافة “الحلم الأمريكي”.

أما الهنود فيعيشون تحت وطأة ثقافة “الكاست” التي تجعل من المرور من طبقة الى طبقة أمرًا مستحيلا ومحرمًا. فإن ولدت من عائلة فقيرة لا يمكن ان تمر يوما ما الى طبقة أيسر أو أسمى.

هذه الطبقية الحتمية لمسناها في مصر من خلال تصريحات وزير العدل “محفوظ صابر” عندما قال إنه “لا يمكن ان يعمل ابن عامل النظافة بالقضاء”. تنم تصريحات وزير السيسي عن ثقافة سائدة في مصر وهي ثقافة طبقية تشبه ثقافة “الكاست” الهندية، لكن بقوانين أخرى: الى جانب العائلات الميسورة والثرية تتمثل البرجوازية المصرية في طبقة الجيش وكل من ينتمي الى عائلة الجيش المصري، هذا التحالف المتين بين المال والعسكر احتكر ثروات البلاد المصرية وحكم مصر لمدة عقود وتمكٌن من الإطاحة بحكم الإخوان.

كيف الحال في تونس؟ ماهي الطبقة البرجوازية التي تريد أن تستفرد بالحكم في البلاد؟

منذ تأسيس الدولة التونسية في منتصف خمسينات القرن الماضي، تكوّنت طبقة برجوازية جديدة وهي طبقة الإداريين.

كان للإداريين أهمية كبرى لتكوين مركزية “الدولة الوطنية”، فلا يمر أمر بوليسي كان أو إعلامي أو إداري الا وقد مر بجهاز الإدارة التونسية. وبما أن في عهد بورقيبة لم يوجد فصل بين السياسي والإداري أي بين الدولة والحزب، وبما أن في عهد بن علي كان من صالح النظام تكريس الإدارة التونسية لصالح لوبيات مالية مافيوزية، فإن هاذين الحكمين الدكتاتوريين المتعاقبين عملا على تقوية الإدارة التونسية وتطعيم نفوذها والدفع نحو محوريتها في المسك بالسلطة وفي تطبيق السياسات وفي تكريم الموالين ومعاقبة المعارضين.
هذه القوة الطبقية الإدارية لم تكن إذا في حياد عن الصراع السياسي في البلاد. حيث أن الدخول الى الإدارة التونسية لا يشترط فقط الكفاءة بل يشترط في أغلب الأحيان معايير أخرى أهم من الكفاءة وهي الولاء والاشتراك في نفس النظرة السياسية أو الانتماء الى نفس الوسط الاجتماعي أو اظهار قابلية على التأقلم والتماهي مع كراس شروط ذهني يفتح للإداري أبوابا في صعود سلم الترقيات.

في عهد الترويكا، حاولت حركة النهضة اختراق منظومة الإدارة التونسية، لكنها فشلت.
لم تبوء محاولاتها بالفشل فقط، بل جوبهت الترويكا آنذاك بعداء كبير من آلة الإدارة التونسية. فكانت القرارات السياسية تجمّد وتعصى ولا تطبق وتماطل إن اتخذت من طرف أحد سياسيي الترويكا.

عند إطلاق حزبه الجديد، كان الباجي قائد السبسي يخاطب الإداريين ويغازلهم في العديد من تصريحاته فقد فهم أن الطبقة الإدارية هي طبقة فاعلة ومصيرية سياسيا.

حاولت حركة النهضة في أول الأمر محاربة الإدارة التونسية بخلق مصطلحات جديدة عدائية للإدارة كفكرة “الإدارة العميقة” متهمين الإدارة بالوقوف وراء تعطيل المشاريع.

إلا أن رد الإدارة التونسية كان عنيفا وجوبهت الترويكا بمزيد من المعادات. كل ذلك جعل حركة النهضة تتراجع عن هذه الاستراتيجية وتقررت مهادنة الإدارة باختيار حليف جديد يقرّبها من السلطة الإدارية وهكذا تتمكن النهضة من الإقتراب من الطبقة الحاكمة.

كانت حركة النهضة في تحالفها الترويكي تعتقد أنها ستقترب من الحكم مع أحزاب تمثل التيارات الثورية الشعبية الديمقراطية أي الثاني و الثالث في انتخابات 2011 : المؤتمر من أجل الجمهورية و التكتل الديمقراطي … إلا أن النهضة فهمت أن التشكلات السياسية الديمقراطية تستند أساسا إلى نظرة مثالية لا تمت بالواقع التونسي الحالي بصلة. فهذا التمشي الثوري يحتّم مسارا شاقا وطويلا لكي تتبدل راديكاليا كل الموازين والتمثيلات الذهنية التونسية.

أما مشاركة البرجوازية التونسية الممثلة في لولبيات مالية وفي إطارات إدارية وفي طبقة سياسية برجوازية جديدة هو الأقرب والأسهل في خضم الواقع الاجتماعي الحالي.

وكان هذا اختيار حركة النهضة، فالثورة وتغيير الواقع الاجتماعي ليس من أفضلياتها. فالأفضلية الكبرى هي الحكم ولا شيء غير الحكم.

لكل هذه الاعتبارات، نحن بصدد معايشة تشكل تاريخي جديد الا وهو دخول الإسلاميين الى مربع برجوازية الحكم، فقد تم مباركة هؤلاء من طرف النظام القديم وبالتالي من طرف شبكة السلطة الإدارية وهي أقوى أجنحة النظام.

هذا التشكل ليس بتشكل ظرفي أو استراتيجي كما يدّعي البعض. إنه تشكّل تاريخي، يقوّي النظام القديم ويضعّف فكرة دمقرطة النظام التونسي. حيث أن هذا التحالف يستند أساسا على طبيقيته وليس مطروحا بأي حال من الأحوال تفريط هذا التحالف في قوته وسلطته في إطار تنازلات ديمقراطية. هذا ما يجعلنا نعتقد أن انصهار الطبقة السياسية الإسلامية في نظام الحكم القديم وتبنّي إرثه لا يبشّر بتمشي نحو مسار ديمقراطي في تونس، بل الأرجح أننا نسير نحو استرجاع الطبقة الحاكمة القديمة لسلطتها ومركزيتها وتسلطها مع الحفاظ على بعض الممارسات الديمقراطية الظاهرية والتزويقية دون التمشي نحو دمقرطة فعلية للمجتمع التونسي.