presse-tunisie

لا شك ان الوضع قد تغير منذ أن اطلق احمد شوقي‏ (1868-1932) قصيدته الشهيرة عن الصحافة ‏:

لـكـل زمــان مـضى آيـة ** وآيـة هـذا الـزمان الصحفْ.

فقد برزت بعدها آيات اخرى ربما تكون اكثر منها خطورة واعظمها ادهاشا (التلفزيون الفضائي – الاذاعة الرقمية – الانترنت – الصحف الالكترونية – الشبكات الاجتماعية …الخ).

لكن الصحيفة (او الجريدة ) الورقية لا زالت – ولمدة لا يمكن تقديرها – الاداة المتداولة لدى شريحة كبرى من الناس لمعرفة الاخبار الموثوقة مهما كان نوعها والتعمق فيها وزيادة فهمها.

ودون التوقف عند الاسباب (التي نتفق أونختلف في تقديرها) والتي ادت الى تراجع مبيعات الصحافة المكتوبة وايراداتها الاعلانية – حتى ان بعضهم قد بشر بانتهاء عصر الصحافة المطبوعة- قد يكون من الواجب ان نعود في كل مرة وبدون مناسبة الى صحافتنا المحلية بعد خمس سنوات من اطلاق حرية التعبير غير المسبوقة: هل كانت ”ثورة الكلمة“ كافية لتحسين اداء الصحافة التونسية؟

من الطبيعي ان يتم التاكيد على اتساع فضاءات الحرية بعد الثورة وان يكون الصحافيون متيقظين لحماية حقوقهم والدفاع عنها (بكل شراسة) وهذا مفهوم، لكن هل يمكن السؤال عن مساهمة ذلك في تطوير نوعية الصحافة واطلاق المواهب ونشاة اعلام متخصص وأقلام رائدة وصحف ذات جودة عالية – حتى لا أقول مرجعية- تكون قادرة على توسيع قرائها ومزاحمة وسائل الاعلام الاخرى (التي تشجع على اعلام هو اقرب للوجبات السريعة و الخفيفة) ؟.

لايبدو ذلك متاحا في وقت يقل فيه الحديث عن الجودة – في كل المجالات – وتبرز فيه على خلاف ذلك ازمة داخلية تعصف بالصحافة المكتوبة.اذ تظهر تلك الازمة – بصفة جلية – في عدم مصداقية ذلك النوع من الصحافة (وليس الامر على اطلاقه بطبيعة الحال) وارتباط عدد من المؤسسات الصحفية بالمال السياسي الفاسد – وهو ما اكدته نقابة الصحفيين – وخضوع بعض الصحف الى ضغوطات السلطة او تاثيراتها.

واضافة لذلك يمكن الاشارة الى انحسار الصحافة المستقلة – او حتى غيابها – وغلبة الاكاذيب وتلفيق الاخبارو التلاعب بها وتراجع الموضوعية والمهنية (ربما تحت تاثير من يسمون اللفيف الاجنبي ).فليس غريبا ان تعثر في بعض الصحف على من يحرف الاخبار و”يسلخ“ المقالات او ينقلها (من منكم لا يتذكر حكاية ”المقص سيدي الرئيس“) او يخترع عشرات القصص.

وانا شخصيا اعرف اكثر من مثال لبعض ”المتلبسين“ بصفة الصحفي من غيرالمتفرغين الذين لم يبرحوا اماكنهم بنفس الصحيفة ويستعملون نفس الاساليب المكتسبة قبل الثورة مساهمة منهم في الاساءة الى سمعة الصحافة التونسية ومصداقيتها.

ويحضرني في هذا السياق محاولة بعض الكتاب وضع ادلة لقراءة الصحف تحت عناوين مشابهة من مثل ”كيف تقرا جريدة ؟“ او ”كيف تقرا الصحيفة و تستفيد منها؟“ او ”كيف تقرا صحيفة بنجاعة؟“ …الخ. وعادة ما يعرض هؤلاء الكتاب نصائح لقراء الصحف حول كيفية التحقق من الخبروالوقوف على مصداقيته (مصدر المعلومة – الهدف من نشرها…) وتبين معقوليته فضلا عن المؤشرات التي تدل على حصول تلاعب بالمعلومات او تضليل في العناوين (لان بعضهم لا يقرأ من الصحيفة الا العناوين)…الخ.

وقد خطر ببالى ان دليلا- لكن لغرض آخر – يمكن ان يوجد للتعرف على الصحيفة التونسية ويحتاج ذلك الى تقصي التجارب ”الشخصية“ للقراء في تعاملهم مع صحفهم المفضلة. فعلى سبيل المثال لن تجد في غير الصحيفة التونسية (وهذا في حد ذاته بمثابة الهوية) مساحات غير معقولة للاخبار الرياضية والاعلانات ووقائع مكررة عن جرائم متشابهة مستمدة من محاضرالشرطة العدلية زيادة على اخبار سياسية تكون في الغالب قد سمعتها في الراديو او التلفزة …وفي غياب كامل- باستثناء حالات محدودة- لمقالات الراي المحترفة او التحاليل المتخصصة او الحوارات المتميزة.

واضافة لذلك يمكن ان تلاحظ – بصفة مطردة – واقعا فوضويا يخص عناوين الصفحة الاولى والعناوين الداخلية وعدم تطابق في حالات كثيرة بين عنوان المقال ومحتواه واستهانة باللغة العربية وخروجا عن قواعد الكتابة السليمة واساليب التحرير الصحفي…الخ.
فهل يمكن في ضوء ذلك ان نتغاضى عن هذه المظاهر الاضافية لازمة الصحافة التونسية التى تضيق– بصف محسوسة – من فرص الاستفادة من حرية التعبير والاعلام و النشر؟