في هذا المقال الثاني، سنواصل الغوص في الجذور والأسباب التاريخية للهيمنة الاقتصادية الفرنسية الأوروبية على تونس التي بدأت تتكرس معالمها منذ أواسط القرن الثامن عشر في اطار مساعي فرنسا لبسط هيمنتها على تونس بعد احتلالها للجزائر سنة 1830 وذلك تزامنا مع الثورات الصناعية الغربية وما تبعها من نهضة صناعية ومن تكريس للسياسة الامبريالية و الاستعمارية الأوروبية القائمة على اقتسام مناطق النفوذ في إفريقيا و بسط الهيمنة الغربية على العالم.
وفي حقيقة الأمر كانت فرنسا حريصة أثناء المفاوضات مع تونس على الحكم الذاتي ثم الاستقلال، على ضمان استمرارية مكانتها السياسية والاقتصادية المهيمنة المكتسبة بتونس والمنطقة المغاربية أثناء فترة الاحتلال المباشر فضلا عن الحفاظ عن وجودها العسكري في تونس والمغرب للتصدي لحركة التحرير الجزائرية لاسيما وأن فرنسا كانت تنوي الإبقاء على احتلالها للجزائر كنقطة ارتكاز لسيطرتها على شمال افريقيا باعتبارها منطفة نفوذ فرنسية حصرية .
ولتحقيق هذه الغاية سعت فرنسا إلى إسناد تونس استقلالا صوريا ومشروطا بإنجاز مفاوضات لاحقة لبروتوكول 20 مارس 1956 تهدف إلى نقل مقومات السيادة إلى تونس بصفة تدريجية مع الإبقاء على التبعية الاقتصادية و الدبلوماسية لتونس إزاء فرنسا.

تاريخ تونس حافل بالخضوع للهيمنة والاحتلال الأجنبي

ويجدر التذكير بأن فرنسا قد فرضت الاحتلال على تونس سنة 1881 بعد حصولها على التزكية والضوء الأخضر من الأطراف الأوروبية الرئيسية المتصارعة على النفوذ في المنطقة وذلك في إطار مؤتمر برلين المنعقد سنة 1878 لتقاسم مناطق النفوذ بإفريقيا. ولابد من التذكير بأن هذا الاحتلال جاء في أعقاب أزمة المديونية التي فتحت المجال لبسط الوصاية المالية الدولية على تونس تمهيدا للتوقيع على معاهدة باردو بتاريخ 12 ماي 1881 التي جردت تونس من سيادتها في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية ثم معاهد المرسى الممضاة بتاريخ 8 جوان 1883 التي منحت فرنسا الحق في إدارة الشؤون الداخلية لتونس.
وبذلك فتح المجال لانتقال جالية أوروبية وفرنسية هامة واتسع هذا الوجود السياسي والعسكري والبشري طيلة 75 سنة من الاحتلال الاقتصادي والاستيطاني الذي كرّس الهيمنة الفرنسية المطلقة على تونس.
وقد سبق لتونس أن خضعت منذ القرن السادس عشر وتحديدا سنة 1535 إلى احتلال إسباني دموي تركز في المناطق الساحلية، واستمر لمدة أربعين سنة قبل عودتها سنة 1574 إلى سيطرة الامبراطورية العثمانية وذلك في إطار النزاع الدائر آنذاك بين تركيا وإسبانيا للسيطرة على الحوض الغربي للمتوسط.
وبعد تركيز سلطة البايات بتونس، برزت لديهم نزعة استقلالية متزايدة إزاء الامبراطورية العثمانية وقد سعت فرنسا لتشجيع هذا التوجه الانفصالي للاستفراد بتونس و لخدمة أهدافها الاستعمارية في المنطقة، وكما سبق بيانه في المقال الاول شرعت في بسط سيطرتها على مفاصل الاقتصاد التونسي مستغلّة منظومة الامتيازات للأجانب (Systéme des capitulations) التي منحتها الامبراطورية العثمانية لفائدة الجاليات الفرنسية والأوروبية.
وبموجب هذا النظام لا تخضع الجالية الأوروبية للقوانين والمحاكم التونسية وتحظى بحماية حقوقها الاقتصادية والاجتماعية المكتسبة علما أنه تم في مرحلة لاحقة إدراج هذه الامتيازات الاستثنائية في وثيقة عهد الأمان لسنة 1857 وكذلك في دستور 1861 وأيضا إتفاقيات الحكم الذاتي الموقعة سنة 1955.
والملاحظ ان إتفاقيات الحكم الذاتي لسنة 1955 ـ التي ظلت سارية المفعول بموجب بروتوكول الاستقلال لسنة 1956 الذي نص على تعديلها في مفاوضات لاحقة لملاءمتها مع مقتضيات الاستقلال التام مع الاشارة الى عدم اجراء هذه المفاوضات بسبب التوتر الذي ساد العلاقات بين البلدين بعد الاستقلال ـ حافظت على الأسس والمرتكزات الأساسية التي بنيت عليها الهيمنة الفرنسية خلال فترة الاحتلال المباشر وهي:
ـ الحفاظ على الهيمنة الفرنسية على الاقتصاد والتجارة الخارجية التونسية من خلال الوحدة الجمركية و ابقاء تونس بمنطقة الفرنك وذلك بهدف مواصلة احتكار الصناعات الفرنسية الأسواق التونسية مع السعي إلى ضمان استمرار منظومة اقتصاد السوق والتبادل الحر مع تونس في اطار الاتفاقيات الثنائية وكذلك اتفاقيات التعاون المستقبلية مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية.
ـ الحفاظ بعد الاستقلال على منظومة الامتيازات والحوافز الممنوحة للأجانب من خلال ادراجها بالقوانين التونسية المحفزة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية انطلاقا من قانون 1972 وصولا إلى اتفاقيات الشراكة والتعاون الموقعة مع أوروبا و منها اتفاقية 1995 للتبادل الصناعي مع الاتحاد الاوروبي و كذلك اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق الجاري التفاوض حوله ومجلة الاستثمارات المعتمدة أخيرا.
ـ الحفاظ على نظام اللزمات (Système des concessions) الذي يسمح للقوى الصناعية العظمى احتكار استغلال الثروات الطبيعية والنفطية والقطاعات الاقتصادية الأكثر ربحية ومردودية من خلال عقود طويلة الأمد تتيح لها تحقيق أرباح طائلة على حساب المصلحة الوطنية التونسية.
– الحفاظ على الازدواجية الاقتصادية الموروثة عن الفترة الاستعمارية القائمة على تواجد منظومة اقتصادية تونسية متخلفة تكنولوجيا وعلميا ومتخصصة في المناولة والانشطة ذات القيمة المضافة المتدنية الى جانب المنظومة الفرنسية الاوروبية العصرية والمتقدمة تكنولوجيا وهي المسيطرة على الاسواق التونسية والانشطة والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية فضلا عن تحكمها في توجيه الخيارات والتوجهات الاقتصادية لتونس بما يخدم مصالحها. كما ان هذه المنظومة تعمل بمعزل عن الدورة الاقتصادية والبرامج التنموية التونسية في اطار الاعفاء التام من الرسوم والضرائب بحجة انها مصدرة كليا و الحال انه سمح لها ببيع نصف منتجاتها بالاسواق التونسية.

عرقلة فرنسا لمحاولات تونس الرامية لتحقيق استقلالها الاقتصادي

بعد امضاء بروتوكول الاستقلال التام بتاريخ 20 مارس،1956، الذي لم يكن سوى اعلان مبادئ، سعت تونس لاسترداد الحد الأدنى من مقومات الاستقلال الاقتصادي، ومن أهم الخطوات التي إتُخِذت لتحقيق هذا الغرض خلال السنوات الخمس الأولى تأميم القطاعات الاستراتيجية الحيوية في مجالات الطاقة والكهرباء والمياه والنقل والبنوك إلى جانب إحداث البنك المركزي التونسي والعملة الوطنية التونسية سنة 1958.
ولكن التخلص من أثار هذا الاحتلال الاستيطاني الذي تجاوز السبعة عقود و طال كافة مفاصل الدولة والاقتصاد لم يكن بالأمر الهين خاصة و انه يتطلب تحقيق الجلاء الزراعي والعسكري وبناء منظومة انتاجية صناعية وزراعية وطنية عصرية، لذلك كان من الضروري وضع استراتيجية وطنية واعتماد سياسة التخطيط طويل الأمد وهو ما تم من خلال احداث وزارة التخطيط ووضع الآفاق العشرية للتنمية 1961-1972.
غير أن فرنسا لم تكن مستعدة للتفاعل إيجابيا مع هذا الخيار الاستراتيجي الذي كان يهدد مصالحها وحضورها السياسي والاقتصادي المتميّز باعتبار أنه يهدف إلى تمكين تونس من إسترداد استقلالية قرارها في تحديد سياساتها الاقتصادية وتنويع علاقاتها الخارجية بما يخدم مصالحها و يحد من تبعيتها الخانقة إزاء فرنسا.
وفي المقابل كانت فرنسا تدعو إلى التقيّد بما ورد ببروتوكول الاستقلال وتشترط على تونس إبرام معاهدة تكرس ما يسمّى بالتكامل أو «التبعيّة المتبادلة» المنصوص عليها بوثيقة الاستقلال وذلك قبل الشروع في المفاوضات المتفق على إجراءها بخصوص نقل مقومات السيادة إلى تونس وتعديل اتفاقيات الحكم الذاتي لسنة 1955 لتجريدها من البنود المتعارضة مع مقتضيات السيادة الوطنية التونسية.غير ان هذه الاتفاقيات لم تكن في واقع الامر، بحكم طبيعتها ومضامينها الاستعمارية، قابلة للإصلاح بل كان على تونس اتخاذ قرار سيادي بإلغائها من جانب واحد.
وهكذا يتضح أن فرنسا لم تكن جادة في ما تدعيه من رغبة في توفير الظروف الملائمة لتمكين تونس من حق تقرير مصيرها واحترام خيارات وتطلعات الشعب التونسي نحو التحرر والاستقلال الفعلي وممارسة حقه في السيادة على أرضه وتحديد خياراته ووضع خطته التنموية الوطنية وتنفيذها بما يتماشى مع مصالحه العليا.
وهذا ما يفسّر التوتر وعدم الاستقرار الذي ميز العلاقات بين تونس وفرنسا طيلة العشرية الأولى الموالية للاستقلال، وقد بلغ هذا التدهور مداه وأدى أحيانا إلى القطيعة الدبلوماسية وحتى إلى الصدام المسلح خاصة أثناء عدوان ساقية سيدي يوسف وحرب الجلاء عن بنزرت وكذلك قرار تأميم الأراضي الفلاحية سنة 1964.
وقد أدت مثل هذه القرارات، التي اضطر الرئيس بورقيبة لإتخاذها بصفة أحادية، إلى ردود فعل عنيفة من قبل فرنسا ومنها تجميد برامج المساعدات المالية والتعاون الثنائي، كما أثرت هذه الأجواء السلبية في العلاقات مع فرنسا و كذلك على جهود تونس الرامية إلى إبرام اتفاق للتعاون مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية بهدف مساعدتها على إنجاز مخططاتها التنموية التي تم وضعها في إطار تنفيذ الآفاق العشرية للتنمية.
التأثير السلبي للعلاقات المهتزة مع فرنسا على التعاون المتعدد الأطراف مع أوروبا
يجدر التذكير بأن الآفاق العشرية للتنمية ـ وهي الاستراتيجية التنموية التي هيأت الأرضية لبناء أسس الدولة التونسية الحديثة ـ كانت تحمل في طياتها مشروع مجتمعي جديد وترتكز على المحاور والأهداف التالية:
ـ إزالة الاستعمار الاقتصادي واستعادة مقومات الاستقلال والسيادة الوطنية.
ـ تحقيق التنمية الذاتية أي التعويل بدرجة أولى على الادخار الوطني والامكانيات المالية الوطنية لإنجاز البرامج التنموية التونسية مع اللجوء المدروس والحذر إلى الاقتراض الخارجي والاستثمارات الأجنبية بما يحافظ على استقلالية القرار الوطني وبما يتماشى مع قدرة تونس على التداين واحترام التزاماتها الدولية.
ـ بناء اقتصاد إنتاجي يرتكز على إنشاء صناعة وطنية وإصلاح وتحديث القطاع الفلاحي بما يسمح بتحقيق الأمن و الاكتفاء الذاتي الغذائي و كذلك التنمية الصناعية وتطوير القطاع السياحي.
ـ النهوض بالإنسان التونسي تعليميا وثقافيا واجتماعيا والارتقاء بمستوى حياته من خلال تأمين الحد الأدنى من الدخل والموارد والخدمات الأساسية لكل مواطن ومواطنة.
وفي الجزء الثالث من هذه السلسلة من المقالات ـ التي نسعى من خلالها إلى كشف الحقائق والجوانب الخفية للعلاقات التونسية الفرنسية الأوروبية وتأثيراتها على الأوضاع الاقتصادية والمسيرة التنموية التونسية – سنتطرق بأكثر تفصيلا إلى مرحلة الستينات وخفاياها باعتبار اهميتها و محوريتها في المسيرة التنموية التونسية ، كما سنحاول الوقوف على مدى نجاح تونس في تجسيد الأهداف الاستراتيجية الموكولة للآفاق العشرية للتنمية.
هذا و سنتطرق ايضا إلى المفاوضات التي انطلقت سنة 1963 مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية لبناء تعاون وعلاقات مشاركة متكافئة بين تونس وأوروبا وسنتساءل عن مدى توفق تونس في تحقيق هذا الهدف من خلال الكشف عن طبيعة ومضامين اتفاق «المشاركة» المبرم بين الجانبين سنة 1969.