لم يعد خَافيًا على أحد الوضعيّة المتردِّيَة التي يعيشها قطاع الصّحة في تونس والأزمة الخانقة التي يتخبَّط فيها. وليست أصوات الأطبَّاء المحتجّين والمرضى المتذمّرين، خلال هذه الفترة، سوى تأكيدًا على الطَّريق المسدود الذي وصلت إليه حالة هذا القطاع.
حادثة وفاة الوَلِيد في مستشفى فرحات حشَّاد بسوسة، وما رافقها من ردود أفعال مختلفة وتباين في وجهات النَّظر، تُعَدّ بمثابة الفتيل الذي أجَّج لهيبًا كان حَبِيس أروقة المستشفى والمصحَّات، و لم يكن ظاهرًا للعيان. رسَّخ التَّعاطي الإعلامي مع هذه الحادثة قناعةً قديمةً لدى الأطبَّاء تتمثّل في كونهم ضحايا لحملة تشويه منظّمة هدفها ضرب علاقة الثقة بين الطَّبيب والمريض و المواطنين بصفة عامَّة. حيث تبنّت بعض وسائل الإعلام الرِّواية القائلة أنّ الوفاة كانت ناتجة عن خطأ طبِّي قبل التَّحري في ملابسات الوفاة و ما حفَّ بها من ظروف. بل تجرّأ البعض، في غياب تامّ للموضوعيّة و الحرفيّة و في صيغة تحريضيَّة، على القول أنّ الرّضيع قد تمّ إيداعه ثلاّجة الموتى ليتبيَّن في ما بعد أنَّه حيّ! أمام هذه الإدعاءات المستفزة وبعد اتخاذ قرار متسرّع بإيقاف الطّبيبة المقيمة المشرفة على حالة الرَّضيع فمن غير الطّبيعي أن لا يغضب الجسم الطّبي ولا يحتجّ، خاصّة إذا ما أضفنا لذلك عدّة نقاط عالقة بين النقابات و وزارة الصحّة
منذ 2016 سنتطرّق لها لاحقا.

من المستفيد من هذه الحملة ؟

لنطرح السّؤال التّالي ونجيب عليه بشكل قطعي ودون مواربة: من المستفيد من هذه الحملة ؟ ومن يقف وراءها؟
إنّ رأس المال و السّلطة هي المستفيدة من اهتزاز ثقة النّاس في الأطبّاء. وبالنّظر للتّوجّه اليميني للسّلطة الذي يسير بخطى حثيثة في اتجاه خوصصة عدّة مؤسّسات وطنيّة ودعم القطاع الخاصّ على حساب القطاع العامّ ، فإنّ الهدف الخفيّ من مثل هذه الحملات التَّشويهيّة والتَّحريضيَّة (سبق أن شنّت وزارة التّربية حملة مشابهة ضدّ المعلّمين والأساتذة) هي أن يقف النّاس في صفّ أيّ إجراء حكومي يمسّ من مركزيّة القطاع العام في التّنظيم الهيكلي للمرفق الصّحّي، مدفوعين بالاحتقان الذي تبثّه مثل هذه الحملات بينهم وبالظّروف المأساوية للمتشفيات العموميّة.

و هنا وجب التّنبيه إلى أنّ بعض الأطبّاء قد سقطوا في مُنزَلق إلقاء اللَّوم على النّاس والشَّعب، بطريقة تَشُوبها نبرة السّخرية، بحجَّة لا علميَّة الرواية التي راجت حول ارتكاب الطّبيبة المقيمة خطأ طبيّا مُتنَاسِين أنّ ما قد يبدو بديهيّا بالنّسبة للأطباء قد يبدو غريبًا و غير مُقنع بالنسبة للناس. وهو ما تمَّ تفسيره من البعض على أنَّه تعالي من الأطبَّاء. فهذا الخطاب السَّاخر لا يساعد في جَسْر الهوَّة بين الطَّبيب و المريض بقدر ما يصُبُّ لصالح حملات التَّشويه.إنّ مثل هذه الممارسات (مثل الإيقاف دون مبرّر واضح) التي يمكن وصفها دون مبالغة بالتّرهيبيَّة، و استهتار السّلطة بواقع الصّحّة العمُوميَّة في تونس ليست سوى أساليب لدفع الأطبّاء الشبّان(أطباء داخليين و مقيمين دفعًا للانتصاب الخاص أو الهجرة خارج البلاد.

المنظمتان النّقابيّتان، النقابة العامة للأطباء والصيادلة وأطباء الاسنان الاستشفائيين الجامعيين (التابعة للإتحاد العام التونسي للشّغل) و المنظمة التونسية للأطباء الشبان (تم تأسيسها قبل فترة قصيرة من حادثة وفاة الوَلِيد)، اللتان تقودان هذه التّحرّكات الاحتجاجية، تدركانهذا البعد السياسي العميق للمعركة الحاليّة و لمعاركها النقابية القادمة، لذلك يتم تبني خطاب مُرتَكزه الدفاع على القطاع العام و تحسين ظروف العمل وجودة الخدمات الصحّية به. ويبدو من خلال هذه التحركات أنّ المنظّمة التونسية للأطبّاء الشبّان ترفع خطابا أكثر جذرية من كلّ المتداخلين في قطاع الصحّة وصل حدّ التنديد على لسان أمينها العام ب”عصابات وسماسرة تعمل داخل المستشفيات العمومية لصالح الخواص”(تصريح في قناة الحوار التونسي). إنّ هذه الرؤية لملف الأزمة الصحّية تؤكّد وعيًا مهمًّا ومطلوبًا بالتّناقضات وتضارب المصالح والرؤى بين القطاع العام والخاصّ، وداخل القطاع العامّ نفسه الذي قد تجد فيه أطبّاء وأساتذة كبار يتعاملون مع المستشفى العمومي كخزّان و جسر عبور لزيادة عدد مرضاهم الذين يباشرونهم في إطار عملهم الإضافي في القطاع الخاص بتواطئ من عدَّة أطراف عدّة أطراف داخل منظومة الصحة العمومية.

تناقض التّصورات حول اختلال خارطة توزيع الخدمات الصّحية

و لعلّ من الأمثلة التي يمكن أن نسُوقَها في هذا الصّدد هي تناقض الرؤى والتّصورات إزاء مشكلة جوهرية تقف عقبة أمام تطوّر قطاع الصّحة في تونس ألا و هي الاختلال الرَّهيب في خارطة توزيع الخدمات الصّحية لصالح جهات وأقاليم وغيابها في الأرياف والمناطق الدّاخلية. وكنتيجة حتميّة لهذه الوضعيّة (التي تُعتبر إفرازًا لخيارات سياسيّة واقتصادية تبنّتها النّخب الحاكمة منذ السّبعينات) يزداد الضّغط البشري والإقبال في مستشفيات قليلة متمركزة بأقاليم محدودة. هذا اللاتوازن الجهوي يعني بالنسبة لبعض الأطباء، الذين أصنّفهم كفئة عليا داخل الجسم الطبّي، تثبيت عائداتهم الماليّة الهائلة بينما يعني لأطباء آخرين وللأطباء الشبان، و هم الفئة الدنيا داخل هذا الجسم، عملا إضافيّا وضغطا مستمرّا وبالتالي الترفيع من إحتمالية الخطأ الطبي و تدنّي جودة الخدمة الصّحّية.

في قلب كل هذه التَّناقضات و التّجاذبات يجد الطّبيب الشَّاب نفسه تائها بين تصوّره عن مهنة الطب وحقيقة الوضع على أرض الواقع، ويجد نفسه يعمل في ظلّ غياب إطار تشريعي يحدِّد وضعيّته القانونيّة. فهو عمليًّا لم يعُد طالبا كما أنّه ليس طبيبا لكنّه أحيانا يقوم بوظائف الطّبيب وحتّى العملة مثل نقل المرضى والتّحاليل، وفي ذات الوقت يُحاسب كطبيب مكتمل التَّكوين مثل ما حصل مع حالة الطّبيبة المقيمة. لا أحد يعرف بالضبط أين تبدأ مسؤوليّته قانونيّا وأين تنتهي. وأمام هذه الوضعيّة ظلّت وزارة الصّحة تتلكّأ و تماطل ورفضت الإلتزام بتعهداتها مثل قبول 30 بالمائة من الذين اجتازوا مناظرة الإقامة في ديسمبر 2016. كما أن الوزارة رفضت إشراك المنظمة التونسية للأطباء الشّبّان في اتخاذ القرارات والحال أنّهم هم مستقبل الطّب و الصحّة في تونس، و ربّما يعود هذا التجاهل لتبنّي المنظمة لخطاب منحاز ومدافع عن حقّ المواطن في صحّة راقية ومجانية وفي عدالة التوزيع الجغرافي للخدمات الصحّية.

2015/2016 : هاجر أكثر من 1000 طبيب شاب

وبما أنّني لست من الذين يترفّعون عن المطالب المادية في العمل النّقابي فإنّه من الضروري أن نلقي نظرة سريعة على الظروف المادة القاسية للأطباء الشبان. تخيّل أيّها القارئ أنّ هناك في تونس من يعمل بالمجان، نعم بالمجان. ذلك أنّ بعض الأطبّاء الداخليّين المتطوّعين لازالوا ينتظرون خلاص أجورهم لشهري ديسمبر ونوفمبر من سنة 2016 ! هذا فضلا عن عدد ساعات العمل التي تتجاوز90 ساعة عمل أسبوعيًّا في بعض الأقسام مقابل أجر شهري يعادل 900 دينار. دون أن ننسى أنّ المداومة (أو الاستمرار) الليلية لا يتقاضى نظيرها الطبيب الداخلي أيّ مقابل مادّي ولا يتمتّع براحة في اليوم الموالي، فيُضطَرّ للعمل 30 ساعة متواصلة دون راحة !
في ظلّ هذه الظّروف تسيطر أفكار الهجرة على بعض الأطبّاء الشبّان (هاجر أكثر من 1000 طبيب شاب خلال سنة 2016 و 2015 للعمل في فرنسا و ألمانيا) و فكرة العمل في القطاع الخاصّ على البعض الآخر. ويتّضح جليّا أنّ إيقاف هذا النّزيف رهين تحسين الظّروف المادّية للأطباء الشبّان والدفاع عن القطاع العام،الذي تشكّل قوّته العماد الحقيقي لبناء صحّة شعبيّة.

من جملة التَّفاعلات مع تحرّكات الأطباء حاليّا يمكن أن نرصد سَطحيَّة بعض المواقف، التي يعتبر أصحابها أنفسهم يساريين وتقدّميّين، وتعاملهم مع الأطبّاء كجسم موحّد مثل المعلّمين أو سائقي سيَّارات الأجرة دون الأخذ بعين الاعتبار ما يشقّ هذا القطاع من تناقضات في التّصوّرات والمصالح. اتهامهم للأطبَّاء بالقطاعيّة، والتّغاضي عن طرح تساؤلات مهمَّة قبل الإصداح بأيّ موقف: من يقود هذا التحرّك؟ ما هو خطابهم؟ كيف ينظرُون للسّلطة و للصَّحة في تونس؟ إذا كان المقصود بالقطاعيَّة هي الدّفاع الأعمى عن زميلك في المهنة سواء كان مُذنبًا أم بريئًا تحت شعار “أنصر أخاك ظالما أو مظلومًا”، فإنّنا بعيدون جدّا عن هذا المنطق الرّجعيّ و المُضِرّ بل هو نقيضُ المنطق الذي على أساسه قسّمتُ الأطبّاء، في ما سبق، لفئتين: فئة عليا وفئة دنيا.
يخوض الأطبّاء خلال هذه الفترة تحرُّكات نقابيّة مشرُوعة، و يَبْدُو الأطبّاء الشبّان و منظّمتهم (إلى جانب نقابة الاستشفائيين الجامعيّين التي تُبدِي تعاونا مهمًّا مع منظّمة الأطبّاء الشبّان) هي الأكثر تأثيرا ــ إلى حدّ الآن ــ في خِضمّ هذه الحركيَّة التي بدأ مختلفُ المتداخلِين في القطاع (عمادة الأطبّاء، نقابة أطباء قطاع الممارسة الحرّة، نقابة الأطباء الاستشفائيين الجامعيين، المنظمة التونسية للأطباء الشبان، عُمداء كلّيات الطب، وزارة الصحَّة…) يُحاوِلون استثمارها وطرح تصوّراتهم في كلّ ما يتعلّق بالوضع الصّحّي.

من عناصر القوّة بالنّسبة للمنظمة التونسيّة للأطبّاء الشبّان، تبنّيها لمطالب نقابيّة قطاعيَّة مُلحِّة و تعبويَّة لم يعد من الممكن تأجيلها، واعتمادها على كتلة بشريّة فعّالة داخل المستشفيات الجامعيّة هم الأطبّاء الشبّان والطَّلبة الذين راكموا منذ سنة 2014 تجربة نقابيّة كبيرة. هذا فضلا عن دفاعها على توجّه يُعْلِي من شأن القطاع العام و مركزيّته في هيكلة المؤسّسات الصحّية. لكن تبقى رؤية المنظّمة التونسيّة للأطباء مُقتصرة أحيانا على العموميّات دون الخوض في التّفاصيل.

و يمكن تفسير ذلك بحداثة هذه المنظّمة، وهذا لا يجب أن يكون عائقا بل دافعا حقيقيًّا لأنّه كثيرا ما تُبنَى التصوُّرَات و تتوضَّح أفكار كلّ الفاعلين في مثل هذه التَّحرّكات. من المُؤكَّد أن هذه الحركة الاحتجاجية لن تكون الأخيرة في مسيرة الدفاع عن صحّة شعبيّة وفي طريق تكريس الشعار الذي رفعته إحدى مسيرات الأطباء الشبَّان:”مجانية العلاج للفقير والمحتاج.”