لدينا حكومة “غائبة بالحضور”، فاقدة لشخصية قيادية للتّسيير، وبدل شعارها الذي اختارته “حكومة إيجاد الحلول وتحقيق الإنجازات”، هي في الحقيقة تعمل بخطة “حكومة إيجاد تربّص لتحقيق حلم التلميذ الكسول”، وتعمل بأسلوب مدير شركة “يسربي” كل الإطارات والعملة حسب الطلب.

كل أزرار لوحة القيادة تشتعل بالأحمر

أما البرلمان فلا يرتقي لمستوى جعله موضوعا للحديث، بل لنقل هل يوجد تونسي واحد لا يزال يأمل خيرا من هذه المؤسسة التي أصبحت تمثل كابوسا مفزعا بالنسبة له؟ بل أن التعامل معها أصبح يشابه أحداث سلسلة “لا كاسا دي بابيل” (بيت من ورق وبيت المال)، ووجه الشبه بين مجلس النواب وقصة هذه السلسة الدرامية هي في السرقة الثمينة التي يغنمها أحد أبطال السلسلة وهو رجل غامض يلقب بـ “البروفيسور” وهي تعتبر أكبر عملية سرقة أنجزت على الإطلاق، وبالمثل تقع في البرلمان أكبر السرقات للتمثيل الشعبي ومخاتلة الناخبين والإجرام في حقهم كما لم يحصل من قبل.

بالنسبة لرئاسة الجمهورية، يشهد غالبية التونسيين بالنزاهة ونظافة اليد وصدق النوايا لقيس سعيد، ولكن هل هذا كاف لكي يتمكن القائد الأعلى للقوات المسلحة والضامن لحماية الدستور من إنقاذ البلاد من الانهيار والعصابات التي تمددت في الدولة مثل أذرع الأخطبوط، وما تحيكه في العلن وفي الخفاء من دسائس ماكرة .للأسف، رئيس الجمهورية أصبح أحد أسباب الأزمة بتكليفه لرئيس حكومة “هاو” لينقلب ضده لاحقا، وكذلك إفراطه في الشعبوية التي اجتاحت العالم والقائمة على فكر يشطر المجتمع إلى معسكرَيْن متخاصمَين. هما الشعب النقيّ مقابل النخبة الفاسدة، والتي تضع الإرادة العامة للشعب فوق أي اعتبار. لكنها في المقابل تعجز على فعل أي شيء كما هو حال مؤسسة الرئاسة التونسية التي سمعنا عنها أكثر مما رأينا منها .وحتى الحديث المتواتر عن استرجاع الأموال المنهوبة، والتي ستسقط بالتقادم في جانفي المقبل مع انتهاء فترة عشرة سنوات عن المطالبة باسترجاعها، فإننا لن نجني منها إلاّ النزر القليل (30%)، هذا إن نجحت دبلوماسيتنا في استرجاعها  .

أحزاب الحزام الحكومي ناورت وراوغت حتى تمكنت في النهاية من إسقاط حكومة الفخفاخ، “لتسعد” بعد ذلك بهدية رئيس الجمهورية إثر تكليفه لرئيس حكومة تمكّنت من استيعابه وتسييره على هواها. هذه الأحزاب متقاربة ومتوافقة برغم توهّم اختلافها الظاهر، فجميعها يسير بعقلية “تدبير الراس” و”التمكّن من الدولة” لخدمة مآرب اللوبيات والعصابات الصديقة، وما أكثرها .أحزاب معارضة تنقسم لجزء موغل في البذاءة والعمالة والحنين لذل وخضوع الماضي المستبد، وجزء غائــــــب ولا وجود له إلا في أذهان القلة من منخرطيه على قلّتهم، هذا لو سلّمنا بوجودهم أصلا.

هذا بالإضافة إلى صراع نفوذ مدمّر بين مؤسسات الدولة، فرئيس البرلمان في صراع مع رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية في صراع مع رئيس الحكومة، ورئيس الحكومة في صراع مع “نفسه”، وحكومة في صراع مع البنك المركزي حول مشروع قانون المالية التكميلية 2020 وهذا يكذب ذاك، والكل في صراع مع الكل.

عصابات ولوبيات يزداد تمكنها ونفوذها في الدولة يوما بعد يوم بالاعتماد على الأذرع السياسية وقضاة و”رسل” الإدارة والمرفق العام، فلا مروان المبروك فتحت ملفاته ولا رجل الأعمال الذي استورد لنا فضلات ونفايات الذل والعار من ايطاليا ولا ملفات الديوانة والموانئ والموردين.

إدارة عمومية “محافظة” وقوانين هي بمثابة “الكبّالات”، يعود تاريخها للستينات والسبعينات، لا يمكنها إلا أن تعيق وتجمد وتقتل إرادة الاستثمار والنمو والتطور، ولا أحد تجرّأ على تغييرها بما يشجّع على النجاح والتطور.

جهاز قضائي من المفترض أن يكون شعاره “العدل أساس العمران” حسب مقولة ابن خلدون فإذا به موغل في الفساد والتوظيف السياسي والمالي وسيؤدي في النهاية للقضاء على العمران”.

هذا الوضع الخطير الذي بلغه جهاز القضاء والذي خرج بعضه للعلن إثر خلافات بين رئيس محكمة التعقيب ووكيل الجمهورية السابق بنشر غسيل قذر على شبكات التواصل الاجتماعي تتعلق باتهامات متبادلة بالفساد والارتشاء وامتلاك عقارات بالمليارات ضد الرئيس الأوّل لمحكمة التعقيب، وأخرى تشير إلى تحالف وكيل الجمهورية السابق مع الإرهاب واتهامه بالتستّر على جرائم إرهابية تتعلّق خاصة بقضايا اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. في المقابل، الجميع “مضرب” عن العمل لما يزيد عن ثلاثة أسابيع من أجل المطالبة بتحسين وضعيتهم لا بتطهير هذا القطاع من الفساد والخضوع للأجندات السياسية.

إفلاس الدولة بات وشيكا؟

تعيش البلاد على وقع مشاكل مالية كبرى تنذر بإفلاس مالي وشيك، وعلى وقع انهيار اقتصادي غير مسبوق، زاد وباء كورونا في تسريع وتيرته عبر غلق مئات المؤسسات الاقتصادية وخسارة 161 ألف منصب شغل منذ مارس الماضي وفق أرقام المعهد التونسي للإحصاء. مما خلق وضعا اجتماعيا محتقنا أدى لتنامي طوفان الغضب الشعبي في مختلف الجهات والقطاعات من أبناء المفقرين والجياع وحتى من أبناء الطبقات الوسطى التي أصبح تدحرجها للأسف واقعا ملموسا، فعمت التحركات الاحتجاجية والإضرابات القطاعية وغُلقت “الفانات” التي زادت في تأزيم المناخ العام بما يجعله مفتوحا على إمكانية الانفجار في أي لحظة.

أزمة المالية العمومية سينجر عنها بالضرورة ارتفاع التضخم وانهيار سعر صرف العملة علاوة على تقويض قدرة المنظومة البنكية على القيام بدورها الطبيعي في الاقتصاد (وهي المستفيد الرئيسي من الوضع الحالي.(

للإشارة، صادق البرلمان التونسي مؤخرا على الميزانية التعديلية للعام الجاري 2020 بعجز قياسي بلغ 11.4% وذلك بعد أسابيع من الجدل بشأن كيفية تمويلها، في انتظار إنهاء مناقشة قانون المالية لسنة 2021 والتي تبدو ملامحه الأولى غير مختلفة عن ما سبقه من قوانين مالية تطلبت قوانين تكميلية “لرتق” العجز المسجل، خاصة إن خروج تونس للسوق المالية العالمية خلال المدى القصير والمتوسط سيكون فاشلا لأن المستثمرين يعزفون على الاستثمار في الديون عالية المخاطر حتى لو تم تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. كل هذا في ظل تواصل انحدار الترقيم السيادي والائتماني التونسي الذي أصدرته مؤخرا وكالة «فيتش رايتينق» للتصنيف الائتماني، والذي أقرت فيه بمراجعة تقييمها لتونس من «مستقرة» إلى «سلبية»، والإبقاء على ترقيمها السيادي عند «ب» في صنف تقييم المخاطر، وتحدثت فيه عن انعكاس الآفاق السلبيّة وتعمّق مخاطر السيولة على مستوى الميزانيّة بسبب تدهور المالية العموميّة.

أمام كل هذه المصاعب التي تمر بها تونس، والتي تعد الأخطر منذ ما يزيد عن 50 سنة بسبب عجز النخبة السياسية عن تحقيق وعود التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين وإحداث تغيير جدي في منوال التنمية، فإن جزءا مهما من النخبة السياسية تعمد تلخيص الأزمة والبحث في معالجتها بتغيير النظام السياسي أو الانتخابي الحالي، في انبتات كلي عن الواقع الاجتماعي وانتظارات الشارع التونسي الذي أصبح فاقدا للثقة في مؤسسات الدولة وفاقدا في نفس الوقت لمقومات العيش الكريم.

كل هذه المؤشرات السوداوية رافقها انهيار قيمي ومجتمعي سيطرت عليه ثقافة الأنانية واللّهفة والخلاص الفردي وتزايد شبح التفكك المجتمعي بتراجع دور المؤسسة التربوية التي تحولت من مؤسسة دامجة إلى مؤسسة طاردة، إلى جانب التفكك الأسري وارتفاع نسبة الجريمة.

شبح الانهيار الاقتصادي

كل الأحزاب والكتل والخبراء والإعلاميين، وبالرغم كثرة اختلافاتهم وتعدد خلفياتهم، إلا أنهم حذروا جميعهم من “خطر الانهيار الاقتصادي والمالي” الذي أصبح يهدد المالية العمومية والاقتصاد الوطني، سواء عن حسن نية أو لأجل إثارة الخوف عند عموم المواطنين من أجل تمرير برامجهم اللاوطنية.

لا نأمل أن نصل لانهيار الوضع الاقتصادي أو الإفلاس، لكن لو حصل المحظور فإن أكبر المتضرّرين هم بلا شك الطبقة العليا من المجتمع، أي الطبقية الثرية (البورجوازية) التي ستصبح مجبرة على التفريط في رفاهية عيشها وفي عدم قدرتها على التصرف المطلق في حساباتها البنكية “الضخمة”. أما الطبقة الوسطى والضعيفة فخسارتها لن تكون من الحجم الكبير وستقتصر على مزيد التقشف الذي ستفرضه الأوضاع المالية والمعيشية والتي هي بدورها محدودة، بل وقد يكون لهذه الأزمة وقع محرّك ومحفّز لها للانخراط في تغيير حقيقي للأوضاع.

أما بالنسبة للدولة التونسية، فستجد نفسها مجبرة على اتخاذ إجراءات جدّية لمعالجة أسباب الأزمة ووضع حدّ للتسيّب الذي عمّ مختلف أركان الدولة، والذي يعود أساسا للفساد السياسي والقضائي وعدم الشفافية في المبادلات المالية والتجارية والاستثمارية العامة والخاصة وللتهرب الضريبي، والفساد المتعدد الأبعاد، من رشوة وتهرب ضريبي ومعاملات غير مشروعة، وغياب الإرادة الجدّية في الإصلاح الهيكلي، ورجعيّة القوانين والتشريعات المعرقلة للاستثمار والتنمية وبيروقراطية الإدارة والمرفق العام.

هذا الشبح والذي لا شك بأنه سيتسبب في خسائر للدولة والمجتمع التونسي، بنسب متفاوتة،  فإنّه قد يكون سببا في إيقاف حالة التسيب والتسليم بسلطة المتنفّذين والعصابات الذين يتحكمون في الدولة من خلف الستار.

هل ينجح “الحوار الوطني” كحل للإنقاذ  ؟

كما سبق وأبرزنا طبيعة العلاقة المتنافرة بين رموز السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان)، فإن التنافس على مضمار الحوار الوطني أصبح العنوان الرئيسي الذي تتمحور حوله العملية السياسية في الفترة الأخيرة، كما حصل ذلك خلال سنتي 2013 و2014. لكن ليس بنفس الظروف وفي نفس السياقات.

فبعد استفحال الأزمة كما سبق ووضحنا ذلك في بداية المقال، فإن المطالبة بالحوار الوطني أصبح عنوانا تسويقيا للانفراج، فتعدّدت الجهات المطالبة به واشتدت المنافسة حوله. فرئيس الجمهورية، ومن خلفه اتحاد الشغل، يتفقان حول حوار وطني حول محاور اقتصادية والاجتماعية و سياسية (أي مراجعة النظام السياسي والانتخابي.(

كما أن تصريحات الصادرة عن ديوان رئيس الجمهورية تؤكد أن قبول الرئاسة الإشراف على الحوار الوطني سيكون مشروط باستثناء “الفاسدين” من الحوار، والاستجابة لمطالب الشعب بعيدًا عن الحسابات السياسيّة الضيّقة. وألا يكون الحوار نفسه تكرارًا للتجارب السّابقة، وهو ما يعني استبعاد حزب قلب تونس الذي تحوم حول رئيسه شبهات وقضايا فساد.

أما رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، فقد انظمّ لجوقة الداعين للحوار الوطني تحت قبة البرلمان لحل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. وقد تعمّد إسقاط المحور السياسي، وهذا متوقع، فحركة النهضة تخشى إن تمت مناقشة ملف مراجعة النظام السياسي أن تنفلت الأمور من بين يديها، إضافة إدراكها المسبق بأن إمساك غريمها الرئيس قيس سعيد بالمبادرة يعني إعادة زمام المبادرة له بعد أن تحايلت عليه ونجحت في افتكاكها منه إثر احتوائها لرئيس الحكومة هشام المشيشي.

أما الطرف الثالث الداعي للحوار الوطني في القصبة فهو رئيس الحكومة هشام المشيشي، وهي دعوة لا تخفي محاولته “عبثا” عدم ترك الكرة في ملعب رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية فقط، للخروج بمظهر رجل الدولة المنفتح على جميع المقترحات، إلا أن دعوته لم تجد صدى إعلاميا ولا سياسيا.

إن تسابق الجميع للدعوة لحوار وطني في الوقت الذي أصبحت المؤامرة والمناورة هي العناوين الأبرز لعقلية وثقافة الفعل السياسي في تونس، وفي الوقت الذي تُخفي فيه كل جهة من الجهات الداعية للحوار خنجرها تحت معطفها لاستعماله عند الضرورة”، وفي الوقت الذي تغيب فيه المضامين والمقاربات الجدية والصادقة للإنقاذ، وفي وقت تتزايد فيه حدة التنافر بل التضاد بين أطراف الأزمة، فإن الحديث عن حوار وطني يعتبر أمرا عبثيا، بل أكاد أجزم أنه ولد ميتا قبل انطلاقته.

ما العمل ؟

قبل طرح رؤية وتصور جدي للحل الذي يمكن أن يخلّصنا مما بلغناه من انحدار، وجب الإقرار بأن الأزمة شاملة ولا يمكن معالجتها إلا بتصور شامل، كما أنه من العبث أن يعالج الأزمة من تسبّب فيها. المعالجة الجدية للأزمة تكون بداية بتحميل كل المتسببين فيها مسؤوليتهم.

عمليا، فإن الحديث عن حوار وطني جامع وناجح دون تغيير الأداة التنفيذية و”اللوجيسيال” السياسي يعد مضيعة للوقت.

الخروج من الأزمة يتم عبر مراحل تنطلق بتغيير الحكومة الحالية وتكليف رئيس حكومة وفريق جديد لهم من الجرأة والصرامة ما يمكنهم من تنفيذ برنامج عاجل للإنقاذ، وخوض حرب حقيقية على المافيات والعصابات التي احتلت موقع الدولة، والقيام بإجراءات استعجاليه لتسخير هذه الدورة البرلمانية لإجراء تحويرات على القوانين والترتيبات المعرقلة للاستثمار والتنمية، وتحقيق توافق حقيقي وواسع من أجل إقرار هدنة اجتماعية، وترشيد الواردات وتشجيع الإنتاج الوطني. لا معنى لحوار وطني دون هذه الإجراءات.