تعتبر المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة متركبة من 12 عضوا حسب ما جاء في الفصل 118 من الدستور التونسي لسنة 2014.

ويصنف القضاء الدستوري خارج ترتيب السلم القضائي العادي المتكون من القضاء العدلي، الإداري والمالي، نظرا لطبيعة اختصاصاته وأهميتها.

وقد نظم الفصل 120 من الدستور اختصاصات هذه المحكمة كما يلي، حيث أوكل لها دون سواها مهام: – مراقبة دستورية مشاريع القوانين (بناء على طلب من رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة أو ثلاثين نائبا).

– مراقبة مشاريع القوانين الدستورية ودستورية المعاهدات الدولية (المعروضة من قبل رئيس الجمهورية).

– مراقبة النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب .

– مراقبة القوانين التي تحيلها عليها المحاكم للدفع بعدم الدستورية.

كما تختص المحكمة في البت في النزاعات المتعلقة باختصاصات رأسي السلطة التنفيذية حسب مقتضيات الفصل 101 من الدستور.

منظومة منافية للدستور

قانونيا، أدى الغياب الفعلي لمؤسسة المحكمة الدستورية إلى عدة آثار جسيمة تصل حد المس بمدى شرعية المنظومة القانونية في تونس حاليا. وبالعودة إلى اختصاصاتها المنصوص عليها بالفصل 120 من الدستور يمكن لنا أن نتبين خطورة هذه الآثار والتعطيلات الناجمة عن غياب هذه المحكمة.

ولمزيد إيضاح ذلك، وجب القول أن غياب هذه الهيئة القضائية يمكن أن يفتح المجال لوضع وتطبيق قوانين تتعارض مع الأحكام والمبادئ المضمنة بالدستور، ومخلة بالتسلسل الهرمي التفاضلي للقواعد القانونية. وعليه فإننا نلاحظ تعدد أمثلة هذه القوانين منذ سنة 2014 (خصوصا مع ضعف الصلاحيات الموكلة للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين). ويمكن أن نذكر في هذا الإطار مثال القانون الأساسي عدد 37 لسنة 2015 المتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني حيث أننا نرصد في فصله الثامن إخلالا بمبدأ دستوري مركزي، ألا وهو مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات (المنصوص عليه في الفصل 21 من الدستور) بحيث نص هذا الفصل الأخير على التالي:

“يتولى الأشخاص المشار إليهم…الإيداع القانوني للمصنفات المعنية بهذا الإجراء والموضوعة على ذمة العموم بمقابل أو من دون مقابل في أجل:

– شهر من تاريخ وضع المصنف على ذمة العموم بالنسبة إلى المؤلفات الموسيقية والأفلام السينمائية والمؤلفات السمعية والسمعية البصرية والكتب.

-48 ساعة من تاريخ وضع المصنف على ذمة العموم بالنسبة إلى المصنفات الدورية وغير الدورية وغيرها من المصنفات المنصوص عليها بالفصل 4 من هذا القانون”.

نلاحظ عند قراءتنا للفصل سالف الذكر، التمييز الواضح في آجال الإيداع بين المواطنين على أساس طبيعة الأعمال وهو ما يعتبر خرقا جسيما للمبدأ الدستوري القاضي بالمساواة بين الجميع على أساس المواطنة.

إلى جانب هذا، يمكن أن نذكر مثالا آخر مثيرا للجدل، ألا وهو مثال النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب وتحديدا فصله الرابع والأربعين بعد المائة القاضي بضرورة تمرير كل تحوير وزاري على الجلسة العامة لمنح الثقة.

ولتبيان مواطن الخلل في هذا الفصل وجب توضيح أمران هامان.

أولا، يجب الانتباه إلى طبيعة هذا النظام الداخلي، فعلى عكس ما روج له البعض مؤخرا، لا يعتبر هذا النظام الداخلي قانونا حتى ولو صدر من مجلس نواب الشعب وإنما هو مجرد نص يهتم بتنظيم العمل الإداري داخل المجلس (عند وضع هذا النظام الداخلي ينتصب مجلس نواب الشعب كهيئة إدارية لا كسلطة تشريعية).

أما الأمر الثاني الذي وجب توضيحه هو أن هذا الفصل، حتى ولو كان في مرتبة القانون، فإنه يبقى نصا لا دستوريا بحكم مخالفته لأحكام الفصل 92 من الدستور الذي يضمن لرئيس الحكومة الحرية المطلقة في التصرف في حكومته (عدا ما استثناه هذا الفصل) دون العودة للمجلس النيابي.

إلى جانب هذه النصوص القانونية الصادرة بعد سنة 2014، تزخر المنظومة القانونية التونسية حاليا بكم هائل من القوانين القديمة المخالفة لأحكام الدستور، ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثل لا الحصر عدم دستورية عقوبة الإعدام، عدم دستورية الفصل 226 من المجلة الجزائية المتعلق بجريمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة، عدم دستورية الفصل 231 من نفس المجلة والمتعلق بجرائم التحريض على الخناء وغيرها الكثير التي سنتعرض إليها بصفة أعمق في الجزء الثالث من هذا المقال.

التبعات السياسية لغياب المحكمة الدستورية

يقول ماكس فيبر أن “الوسيلة الحاسمة في السياسة هي العنف” ويقصد فيبر من هذه القولة العنف في مدلوله المطلق. لكن نظرا لتطور الفكر السياسي والقانوني في الفترة المعاصرة فقد اتجه أغلب الفقهاء والمختصين إلى ضرورة التحكم في ذلك العنف عن طريق قوانين وهيئات قضائية مثل المحكمة الدستورية.

ونظرا لتغييب هذا الشكل الرقابي منذ صدور دستور 2014، فإن البلاد تعيش تصعيدا سياسيا عنيفا بين الرؤساء الثلاث للسلطتين التشريعية والتنفيذية. ولعل واضعي دستور 2014 قد أيقنوا بحتمية هذا الصراع نظرا للتوزيع الغامض للصلاحيات وشدة التداخل بينها. لذلك، فقد ذهب النواب المؤسسين إلى إسناد مهمة البت في هذه النزاعات إلى المحكمة الدستورية حسب ما نص عليه الفصل 101 من الدستور، والذي يقول:

“ترفع النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدستورية التي تبت في النزاع في أجل أسبوع بناء على طلب يرفع اليها من أحرص الطرفين”.

لكن نظرا لغياب هذه الهيئة القضائية الهامة، يبقى هذا الصراع خاضعا لقواعد اللعبة السياسية أي أنه صراع أشخاص وأحزاب وليس صراع مؤسسات بالمعنى القانوني للكلمة.

ولعل أبرز دليل على فوضوية هذا الصراع هو أزمة أداء اليمين الدستورية المطروحة مؤخرا والتي غابت المحكمة الدستورية عن البت فيها بصفتها المختص الوحيد بفض نزاعات رأسي السلطة التنفيذية والمُؤوّل الرسمي للدستور.

وهو ما أدى لتعطيل التحوير الوزاري وفتح الباب أمام رئيس الجمهورية ليُكسب نفسه صفة المؤوّل الرسمي للدستور عملا بمقتضيات عبارة “يسهر على احترام الدستور” المنصوص عليها بالفصل 72.

سياسيا، يمكن أن يثير هذا التصرف عدة تخوفات مشروعة، حيث أنه قد يفتح الباب أمام تغول جديد لمؤسسة رئاسة الجمهورية خصوصا أن الرئيس في هذه الحالة هو الخصم والحكم.

وجب التأكيد في هذا السياق على الدور الحيوي التي تلعبه المحكمة الدستورية في النأي بنا عن الصراعات السياسية العشوائية، وذلك عن طريق تكريسها لسيادة القانون وعلوية الدستور كمرجع نهائي يجب احترامه عند تسيير دواليب الدولة.

ضرب منظومة الحقوق والحريات

لا يختلف اثنان حول الضمانات الدستورية في مجال الحقوق والحريات، بدليل تخصيص دستور 2014 بابا كاملا خاصا بها. ورغم توفر هذه الضمانات نظريا فان غياب المحكمة الدستورية اليوم يطرح عدة إشكالات عملية حول مدى تطبيقها.

نلاحظ يوميا تعدد الانتهاكات التي تمس من الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور. ولعل أبرز مصدر لتلك الانتهاكات هي المجلة الجزائية الصادرة سنة 1913 والتي لا تتخالف فقط مع نص الدستور بل ومع التغيرات الجذرية التي يعيشها المجتمع التونسي اليوم.

وكدليل على ذلك، يمكن أن نذكر بعض الفصول التي تعرضنا لها سابقا ضمن هذه المقالة، مثل الفصل 226 المتعلق بجريمة الاعتداء على الآداب العامة والاخلاق الحميدة والذي يمكن أن يطرح عدة إشكالات في علاقته بالفصل 49 من الدستور. حيث يربط هذا الفصل الدستوري الآداب العامة ومقتضياتها بالدولة المدنية الديمقراطية القائمة على مبادئ العقلانية وسيادة القانون وليس على الاعتبارات الأخلاقية اللاموضوعية والمتقلبة.

أضف الى ذلك، فان تقدير الآداب العامة يرجع أولا وقبل كل شيء إلى القضاء في إطار دوره الحمائي للحقوق وللحريات حسب مقتضيات الفصلين 49 و102 من الدستور، وهو بالتالي ليس حاميا مطلقا “للأخلاق” و “الآداب العامة”.

إلى جانب ذلك، يمكن الاستشهاد أيضا بالفصل 230 من ذات المجلة والذي لا زال إلى إليوم يتعرض لنقد واسع من قبل أغلب مكونات المجتمع المدني والدولي، ألا وهو الفصل المتعلق بجريمتي “اللواط” و”المساحقة”. حيث أن هذا الفصل يطرح عدة إشكالات دستورية، فمن جهة أولى يخل الفصل 230 من المجلة الجزائية بمقتضيات الفصل 24 من الدستور الذي ينص على حماية الدولة للحياة الخاصة و”حرمة المسكن”، وإذا اتبعنا هذا الفصل في تطبيقاته سنلاحظ اختراقا واضحا للحيز الشخصي للمواطنين وذلك لورود عبارات القانون مطلقة لا تفرق بين الفضاء الخاص والعام.

من جهة ثانية، فإن هذا الفصل يخل أيضا بالمبدأ الدستوري القاضي بحماية الذات البشرية وحرمة الجسد من كل أشكال التعذيب، حسب مقتضيات الفصل 23 من الدستور، وهو ما يطرح إشكالا عمليا جديا خصوصا إذا ما تعلق الأمر بوسائل إثبات الجريمة (فحوصات طبية قسرية).

كما يخرق هذا الفصل، بشكل واضح، مبدأ عدم التمييز المنصوص عليه بالفصل 21 من الدستور، وذلك لتجريمه وجود أقلية من المواطنين بناء على ميولهم الجنسية.

إضافة الى هذين المثالين من المجلة الجزائية، يمكن أن نتطرق أيضا إلى مجلة الأحوال الشخصية التي وإن كانت تعتبر عنوانا للحداثة وللثورة الاجتماعية العصرية، فإنها أصبحت اليوم تمثل إشكالية حقيقية لإحالتها على بعض القيم الرجعية المخالفة لروح العصر وروح الدستور.

وللاستدلال على هذا الموقف، يمكن أن نذكر مثلا الفصل 13 من المجلة السابق ذكرها، والذي ينص على إجبار الزوج، زوجته على ممارسة الجنس بمجرد دفع المهر. أي بعبارة أخرى، فإن هذا الفصل يشرع ضمنيا للاغتصاب الزوجي بسبب عدم تفرقته بين الممارسة الجنسية الرضائية بين الزوجين وبين الممارسة القسرية. بالتالي، فان هذا الفصل لا يعتبر لا دستوريا لمخالفته لروح الدستور ومنظومة الحقوق والحريات التي أنشىء من أجلها.

فمن جهة أولى، يخالف هذا النص، الفصل 23 من الدستور والذي ينص على حماية الدولة لكرامة الذات البشرية وحرمة الجسد. وبطبيعة الحال، يندرج الاغتصاب عموما والاغتصاب الزوجي خصوصا تحت طائلة المساس بكرامة الذات البشرية والتعذيب لما يحدثه من أثار جسدية ونفسية مدمرة.

ومن جهة أخرى، يعد هذا النص خرقا واضحا لمقتضيات الفصل 46 من الدستور الذي ينص في مطته الأخيرة على أن “تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة”.

وبما أن الاغتصاب يندرج تحت طائلة العنف (بل وحتى التعذيب) الذي يمكن أن يسلط على المرأة، فإنه يمكن اعتبار الفصل 13 من مجلة الأحوال الشخصية لا دستوري وباطلا بكل المقاييس.

لكن، ورغم تعدد الأمثلة السابق ذكرها (والتي لا تعتبر إلا عينة صغيرة من منظومة قانونية فاسدة بالمعنى الدستوري)، فان المواطن يبقى عاجزا عمليا عن التصدي لمثل هذه الاخلالات القانونية نظرا لغياب الهيكل القضائي الدستوري المختص بالنظر فيها.