أرى أن هذا التحليل على بداهته يفتح آفاقا جديدة للفكر اليساري التونسي، إذ يُوصِّف المجتمع توصيفا أقرب إلى الواقع من التوصيفات التقليدية، ويكشف عن أعداء الثورة وأصدقائها على المستوى المحلي وعلى مستوى الكتل الاجتماعية المعنية بها. وهي تعتبر أهم عناوين الصراع الطبقي الحقيقي الذي ما انفك الحراك الاحتجاجي يشير إليها بشتى الشعارات والأساليب، دون أن تلقى صدى جديا لدى مختلف الأحزاب اليسارية. فقد بقيت النخب، طيلة العقد الماضي، متشبثة بأيديولوجياتها الموروثة. تنظر للمجتمع من خارج السياق المحلي، سجينة الاستقطاب الثنائي بين الحداثة والرجعية الدينية، متخلية بذلك عن مهامها المتعلقة برسم بديل اقتصادي واجتماعي تجتمع حوله الكتل الاجتماعية المعنية بالثورة.

نعلم جيدا أن بعض المواقع في نظامنا السياسي/الاقتصادي، كفيلة بتمكين هذا الطرف أو ذاك من امتيازات خاصة ومحميات احتكارية ووسائل كسب سهل تفتح له أبواب مراكمة الثروة على حساب المصلحة العامة وبقية الفئات. وإذا كانت هذه الأقلية المتنفذة وريثة “الاستعمار الداخلي” الذي تحدث عنه الصغير الصالحي[1]، فإنها تعتبر كذلك مَنْفذ الاستعمار الخارجي وأداته لبسط سيطرته على نظم الإنتاج المحلي، وهي بذلك تتموقع سياسيا ضد أي تغيير ثوري وتمثل العدو الأول لعموم الشعب التونسي الباحث عن الانعتاق والتحرر.

توجد على رأس النظام الريعي حلقة ضيقة أصبحت اليوم بيّنة للعيان، هدفها المراكمة السريعة للربح والحفاظ على مواقعها وامتيازاتها. وهي تتكون من كبار رؤوس الأموال وثلة من المسؤولين الساميين، تحيط بهم شبكات علاقات في الدولة والمنظمات والمؤسسات. ترتبط هذه الحلقة خارجيا بالدوائر المالية وبالاقتصاد المعولم عن طريق شبكات التبادل الحر والعلاقات مع الممولين والبنوك والمستثمرين الأجانب، من داخل ومن خارج الدولة. مما يجعلها قناة للمصالح الخارجية في تونس. تصدر عن هذه الحلقة أهم السياسات العمومية المالية والتنموية والتحفيزية والحمائية التي تتحكم في العلاقات الاقتصادية، وذلك مهما كانت نتائج الانتخابات كما لاحظناه في السنوات العشر الأخيرة.

على المستوى الاقتصادي، تتموقع هذه الأوليقارشيا بالخصوص في ثلاث أصناف من الأنشطة: القطاعات الريعية البحتة كالصناعات الاستخراجية والاتصالات والمالية والتجارة المبنية على الملكية الفكرية، والقطاعات التي تستغل اليد العاملة الرخيصة كالنسيج والصناعات الغذائية والخدمات، والقطاعات التي تحتكرها الدولة أو تحفزها أو تمنعها. وهي إما قطاعات تتمتع بامتيازات ضخمة أو بحماية خاصة، مما يفسر تحولها في الأخير إلى قطاعات تولّد ريع المواقع.

تمتاز هذه الحلقة بقُدرتها على تطويع القوانين لخدمتها وتكييف السياسات العمومية بما يخدم مصالحها، مُتماهية مع الهيمنة الخارجية. وهي تتموقع أيضا في أهم التمثيليات النقابية والأطر التفاوضية وتلعب دورا واضحا في رسم السياسات الاقتصادية بما يخدم مصالحها ويقصي مصالح بقية الفئات الاجتماعية، ولعل كارثة جائحة كورونا كشفت عن الوجه القبيح لسياساتها. إذ تعتبر منبعا لا ينضب للفساد بكل أنواعه، وحاضنة لتبييض الأموال وبوابة للتهرب الضريبي كما بينته وثائق باناما وفضائح البنوك العمومية.

يعتبر البعض أن الريع يدخل ضمن طبيعة النظام الرأسمالي، فلا يرى بُدّا من التركيز عليه عند توصيف النظام الاقتصادي في تونس، فيكتفي بوصفه بالرأسمالي التابع. لكني أرى في وضعنا الراهن مؤشرات يستحيل معها تقبّل هذا الطرح. اقتصادنا الرسمي هو بلا شك مستعمَر وتابع، لكن الرأسمالية تفترض حرية الاستثمار وتثمين المُخاطرة، فهل يمكن الحديث عن نظام رأسمالي في ظل تقييد نظم الإنتاج بمنوال مُعين، وضمان مراكمة الربح لمن يتّبعه؟ فالنظام الاقتصادي يقيّم أولا من زاوية علاقات الإنتاج، ومن الواضح أن سن مناويل تتبع سياسات رأسمالية من الخارج لا يُفضي محليا إلى علاقات إنتاج رأسمالية تحكمها قوى اجتماعية وطنية.

كما لا يمكن الحديث عن نظام يشبه الإقطاع في ظل تمركز أنشطة الطغمة في المجالات الجغرافية والاقتصادية نفسها. ثم ما مكانة اقتصاد الهامش في هذه الأطروحات؟ وفي الأخير، هل يمكن استبعاد فرضية أن التقاء الرأسمالية والتبعية والدكتاتورية يولّد نظاما اقتصاديا هجينا مقّيدا، يمثّل ريع المواقع فيه الوسيلة الأسرع لـ”اختطاف” الثروة ومراكمتها؟

لقد ساهمت أطروحات “الشبه شبه” و”الرأس مالي التابع” في صقل هويات اليسار التونسي وشد صفوفه لمحاربة الدكتاتورية والانحياز للشعب المفقر، لكننا نجدها اليوم بفعل نفس التحاليل منبتة عن مجتمعها خاصة مع عدم تطابق رؤاها مع الواقع الاقتصادي المعيش، وبُعد خطابها عن أصداء الشارع والمجتمع، حتى أصبح يصعب على من لم يترعرع في “ماكينات” اليسار التقليدية المنغلقة على ذاتها فهم مواقفها، أو حتى لغتها.

التداخل والتنافر بين الاقتصاد المهيكل والآخر المهمش

أدى المنوال التنموي الحالي إلى تخلّف الإدارة وتهميش القطاعات الطبيعية وإفقار الأرياف والمناطق الداخلية وانتشار البطالة وتوسع مجال الاقتصاد الخارج عن سيطرة الدولة أو ما يسمى بالاقتصاد الموازي أو غير المهيكل، وهو يمثل اليوم أكثر من نصف الناتج المحلي الخام. في الحقيقة، لا يمكن تحليل الاقتصاد التونسي دون أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الازدواجية بين المنظومة الرسمية التي يوجهها المنوال التنموي المدعوم من الخارج نحو السوق العالمية، والمنظومة المهمشة التي أفرزها عضويا المجتمع المحلي. لذلك، سنبدأ حديثنا عن الاقتصاد المغيب الهامشي.

قليلة هي الدراسات التي تتعمق في الاقتصاد غير المهيكل من زوايا اجتماعية وبشرية، فتكتفي أغلبها بتعداد المخالفات القانونية واحتساب ما خسرته الدولة من ضرائب لم تجمعها. كما لا تتوفر معطيات كمية جديرة بالثقة حول قيمة التداولات في الأسواق السوداء أو الكلفة الاجتماعية والبيئية للقطاع أو غيرها من المعطيات اللازمة لتمثل الأنشطة وأحجامها وآثارها. لكننا، من خلال واقعنا المعيش، نعلم أن معظم الاقتصاد الحقيقي بات خارجا عمّا هيكلته الدولة.

القطاع العضوي غير المهيكل

يقوم هذا القطاع على أنشطة متنوعة يمكن تصنيفها حسب ظروف العمل:

  • الاسترزاق اليومي، كالخدمات المنزلية المتنوعة والعمل في قطاع البناء وقطاع الباعة المتجولين…إلخ
  • العمل الموسمي، في الفلاحة عبر المراوحة بين الزراعة والصيد والرعي والتحطيب… وبالمراوحة مع قطاعات أخرى الحرف، التجارة، النقل، الخدمات…
  • العمل شبه القار في أطر غير مهيكلة، كالخدمات المنزلية والاجتماعية، التجارة المستقرة والمتنقلة، الحرف والمهن والورشات، الخدمات السياحية والترفيهية، الفنون…
  • العمل غير المهيكل في أطر مهيكلة، في مقاولات البناء، و مكاتب الدراسات والخدمات بأنواعها وكذلك في التجارة والنقل وغيرها…
  • العمل في الأنشطة المحظورة، كالتهريب والتحفير والاستيراد والتسويق العشوائي والحرقة والاستخراج العشوائي…

يشترك جملة الفاعلين في الاقتصاد غير المهيكل في كونهم “خارجين وخارجات عن القانون”، لكن بالتمعن في  أنشطتهم، يتضح أن الفئات الأربعة الأولى تمارس أنشطة طبيعية لا يمكن منطقيا تجريمها بتعلة خروجها عن قوانين مجحفة. وإن لم تتسم علاقات الإنتاج دائما بالتوازن في عالم الهامش، إلا أن هذه الأنشطة تمثل متنفسا حقيقيا لجملة المقصيين من المنظومة الرسمية ومكملا مهما للأجور الضعيفة وبديلا طبيعيا لمنوال رسمي يقطع الأرزاق.

أما الفئة الأخيرة، فهي تتقاطع مع الأوليقارشيا الرسمية بتموقعها في القطاعات المربحة وعلاقاتها بالسلطة[2] واستغلالها للعمل الهش. وتمتاز بتشكلها في تنظيمات مافيوزية إجرامية تحت سلطة أقلية من أباطرة هذا الميدان تشتري الأمن لتضمن تواطؤه. ففي الاقتصاد العضوي أيضا، نجد طغمة تتمعش من نظام كامل ينبني على ريع المواقع، لكنها تختلف عن نظيرتها في القطاع الرسمي بافتقادها وسائل تطويع نظم الإنتاج الرسمية والتأثير في السياسات العمومية، فتتوسع في هامش المنظومة وتتماهى معها.

لا يمكن القول بأن الدورة الاقتصادية الهامشية قد فكت الارتباط مع النظام الاقتصادي الرسمي نهائيا. فمن ناحية، لا نعرف تحديدا كم الفاعلين الذي ينشط بالتوازي في القطاع المهيكل وغير المهيكل، وهو ما يستحيل معه تقدير حجم تداخل الشقين. ومن ناحية أخرى، نلاحظ أن الديناميكية العضوية تتفاعل مباشرة مع النظام الرسمي، مثلا بتعويضه أو تجاوزه أو الاستفادة من ثغراته…

لكن مما لا شك فيه، هو أن هذا النشاط يغطي جملة القطاعات الاقتصادية شبه الطبيعية ويرتكز حسب الأصناف في أحواز المدن والأرياف والمناطق الحدودية، لكنه أيضا ينتشر داخل المدن بكثافة. هو الوجه الثاني لنظامنا الاقتصادي الحقيقي، وجه تغيّبه أغلب التحاليل والدراسات. وهو يشغّل قرابة 75 بالمائة من الناشطين ضمن الفئة العمرية بين 15 و29 سنة[3] والأغلبية الساحقة للعمال المهاجرين وجزء هام ممّن تقصيهم تلقائيا المنظومة كالفلاحات والفلاحين دون أرض، وأصحاب الشهائد والمُسرحين والمتقاعدين والمعاقين…

وينعش اقتصاد الهامش دورة مالية منفصلة عن المؤسسات، وهو بذلك يتيح مراكمة الثروة داخل المجتمع ويساهم في تحسين ظروف عيش عامة الناس مباشرة وتدوير عجلة الاقتصاد المحلي. لكنه يعيش تهميشا ممنهجا بإقصائه من منظومات التغطية الاجتماعية وغياب الأطر القانونية التي تتأقلم مع طبيعة أنشطته. كما أن غياب أي مراقبة لظروف العمل وعدم تنظّم العاملين في أطر نقابية أو تعاونية يجعله مجالا للعمل الهش والخطير ومستباح الحقوق.

القطاعات المهيكلة

*قطاع الفلاحة

تتكون كتلة المزارعين أساسا من فلاحين صغار ومتوسطين لا تتجاوز مساحة مستغلاتهم 10هك للفرد بنسبة 75 بالمائة[4] من المساحة المستغلة ومن مزارعين ومزارعات بدون أرض. تعاني هذه الفئة من سلب ممنهج لحقوقها الأساسية كالنفاذ للعقار الفلاحي والماء والموروث الجيني، وحقوقها الاجتماعية كالتمتع بخدمات المرافق العمومية والتغطية الاجتماعية والدعم والتأمين. وتقاسي استيلاء الوساطات والكارتيلات والدولة على القيمة المضافة التي تنتجها وذلك عبر سياسات الأسعار ومسالك التوزيع.

يتعرض القطاع أيضا إلى تهميش الفلاحة المعاشية[5] وارتفاع كلفة الإنتاج مقابل استنزاف الاستثمار الموجه نحو التصدير لجملة الموارد الطبيعية والبشرية والمالية. وهي عموما لا تحظى بانتباه الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري الذي يعمل على حماية مصالح فئة كبار المالكين والمستثمرين في الفلاحة الاستخراجية والريعية.

وتعيش فئة الفلاحين مفارقة أساسية تُفقدها توازنها الاجتماعي بشكل كلي وتتعلق بوضعية المرأة الفلاحة. فاليد العاملة الفلاحية تتكون في معظمها من النساء أساسا في كافة أنواع المستغلات[6] التي يحتكر الرجال التصرف فيها بنسبة 95 بالمائة. هذا فضلا عن عدم الاعتراف بعمل النساء في المستغلات العائلية أو بنشاطهن الحرفي والخدماتي في المنازل والأسواق الريفية، هذا دون الحديث عن ظروف الشغل والأجور والمخاطر…

إن صغار منتجي الغذاء هم أول المتضررين من التلوث البيئي والتغيير المناخي وهما قضيتان على ارتباط وثيق بالمنوال التنموي. فالاستخراج الصناعي والتمدد العمراني والمقاطع العشوائية كلها نتائج مباشرة لمنوال معاد للعمران وللبيئة. كما أن شح المياه وتملح التربة وغزو الرمال وارتفاع درجات الحرارة وتغيُّر المواسم عوامل تؤثر عميقا في منتجي الغذاء وتهدد في عديد الأحيان مصيرهم.

بقي أن نشير إلى أن هذه الفئة تحمل على عاتقها مسؤولية خاصة، تتعلق بوظيفتها الاجتماعية والسياسية المتمثلة في إنتاج الغذاء للحفاظ على السيادة الوطنية، وظيفة همشها المنوال التنموي كليا حتى أصبحت ممارسة الفلاحة المعيشية مقاومة يومية وخسارة مؤكدة في حين تحول الاستثمار في الفلاحة التصديرية والصناعات الغذائية إلى عملية تكثيف لريع المواقع تحت حماية الدولة.

*القطاع الخاص

86 بالمائة من الشركات التونسية لا تُشغّل أحدا سوى أصحابها، بينما تؤمن 12 بالمائة منها موطن شغل أو إثنين[7]، أي أن النسيج الاقتصادي يعتمد أساسا على ما سنطلق عليه في هذا المقال صفة “الشُريْكات”[8]. تنشط هذه المؤسسات الصغيرة جدا أو الميكروسكوبية في القطاعات الموجهة للسوق المحلية، لكنها تواجه إشكاليات شتى من جملتها صعوبة النفاذ للتمويل وتسويق المنتوجات والخدمات وتدهور المقدرة الشرائية لدى المستهلكين.

وتواجه هذه الشركات منافسة شرسة من أباطرة التوريد والمحتكرين وتعاني نظاما جبائيا يفتقد للحد الأدنى من المساواة، وتدفع ثمن تخلف الإدارة وفسادها. وهي تعرف منذ جائحة كورونا تدهورا خطيرا في أوضاعها المالية بسبب تراكم عدد ضخم من قضايا الشيكات دون رصيد والأرقام المفزعة حول إفلاس هذه الشُريكات وانقطاع الأرزاق وتسريح العمال.

أما “الشركات الصغرى والمتوسطة” PME والتي تشغل أكثر من 10 أشخاص فهي لا تمثل سوى 3 بالمائة من جملة النسيج الاقتصادي فيما لا تتجاوز الشركات التي تشغل أكثر من 200 عامل نسبة 0.1 بالمائة[9]، وتنشط أساسا في القطاعات الريعية[10] أو تلك التي يمثل ضعف الأجور فيها ميزة مقارنة[11]. وهي تشغل ¾ العاملين والعاملات في القطاع الخاص في ظروف مستنزفة وبمقابل بخس وتستفيد من جل الامتيازات والإعفاءات الجبائية والمنح وخطوط التمويل على اعتبار توجهها نحو التصدير. ومن الملاحظ أن هذه الفئة من الشركات تستفرد تقريبا بالتمثيلية السياسية المتمثلة في اتحاد الأعراف.

يتضح إذن أن القطاع الخاص ينقسم بدوره إلى فئتين: فئة واسعة ومفقرة تستجيب للسوق المحلية وفئة ضيقة تتوجه نحو التصدير وتراكم الأرباح اعتمادا على المنوال التنموي الرسمي ونظام ريع المواقع.

*الوظيفة العمومية

رغم ثقل كتلة الموظفين العموميين (785 ألف موظف في 2018 يضاف إليها تقريبا 50 ألف عامل في المناولة والآلية 16، ومثلهم أو أكثر في البستنة والبيئة…) فإن أجهزة الدولة تتميز بضعف أدائها وقلة مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية واستشراء الفساد فيها وتعزيزها للفوارق الاجتماعية والتنموية، وتفتقد في كثير من الأحيان للحد الأدنى من العقلانية. وتمثل جهازا متكاملا ومنتشرا في كل القطاعات والجهات دوره تطبيق المنوال التنموي، أي أنه أداة المنظومة الأولى، قبل البنوك والممولين.

يساوي معدل الأجر الشهري الخام في الوظيفة العمومية 1380 دينار أي تقريبا 416 أورو، وهو معدل ضعيف بالمقارنة مثلا بالمغرب حيث يناهز 750 أورو. وتمثل نسبة الاقتطاع المباشر منه تقريبا 30 بالمائة بعنوان المساهمات الاجتماعية ومختلف الضرائب وهو بذلك عماد الصناديق الاجتماعية وخزينة الدولة.

يوفر القطاع العام نوعا من الرفاهة للموظفين المتعلق أساسا بضمان الأجر وموطن الشغل وحد أدنى من التغطية الصحية ومنحة تقاعد وظروف عمل مريحة نسبيا. ورغم ضعف الأجور فهو يبقى الهدف الرئيسي للمعطلين عن العمل في تحركاتهم المطالبة بالتشغيل لما يمثله من استقرار مادي واجتماعي.

كما أن القطاع العام يتسم بتوازن ديموغرافي نسبي بين الموظفين والموظفات عموما، لكن مع تغييب صارخ للمرأة في مواقع المسؤولية، سواء كان ذلك في المؤسسات أو في النقابات. ولهذه القضية أهمية قصوى في تحديد العلاقات الاقتصادية بين المرأة والرجل، داخل الدولة وخارجها.

ويعرف هذا القطاع ضغطا متواصلا من المؤسسات المالية العالمية من أجل تقليص كتلة الأجور والحد من الدور التعديلي للدولة. وبالرغم من التزام الاتحاد العام التونسي للشغل بالدفاع الجدي عن مكتسبات الموظفين والعمل على تحسين ظروفهم، نجده في عدّة مناسبات يغض الطرف على سياسات التقشف والخوصصة[12] المصاحبة للتعديلات الهيكلية والإصلاحات الاقتصادية التي تفرض التبادل الحر، بما في ذلك الإبقاء على سياسة الأجور الضعيفة وإضفاء “المرونة” لأطر التشغيل وفتح الباب للشراكات بين القطاع العام والخاص في المرافق العمومية وغيرها من الاعتداءات على حقوق الشغالين.

عموما، يمكن القول إن جملة المنتسبين للقطاع العام، باستثناء أولئك المتورطين في علاقات زبونية مع نظام ريع المواقع ومع الممولين للمنوال التنموي، معنيون ومعنيات بالثورة على المنظومة التي تهمشهم. سياسيا، تمثل هذه الفئة خط الدفاع الأول عن المكتسبات الاجتماعية والمرفق العام وكتلة الضغط الأساسية من أجل الترفيع في معدّلات الأجور.

إلى حد الآن، يتم تعويض ضعف الأجور في القطاعين العام والخاص بدعم المواد الاستهلاكية الأساسية، خاصة المواد الغذائية (الحبوب، الحليب، البيض…) وذلك على حساب فئة صغار الفلاحين دون الطغمة التي تموقعت في مسالك التصدير والتوريد والتوزيع والصناعات الغذائية. أما المحروقات، فقد تم تحرير أسعارها تزامنا مع تدهور قيمتها في الأسواق الخارجية تطبيقا لإملاءات صندوق النقد، وستعرف لا محالة ارتفاعا كبيرا خارجا عن كل سيطرة.

ويتواصل كبت الاقتصاد الطبيعي العضوي عن طريق التحكم في الموارد، كالمخزون العقاري مثلا، وبوضع أراضي الدولة على ذمة المقربين من السلطة والمستثمرين الأجانب والإبقاء على جزء واسع من العقارات الخاصة والجماعية في وضعيات قانونية هشة، تسمح بسلبها من أصحابها إن لزم الأمر. كما تتزايد الضغوطات عليه عن طريق قطع المسالك الطبيعية للتجارة مع دول الجوار وتجريمها مقابل توجيه الاقتصاد والبنى التحتية نحو التبادل مع الشمال. وهي أساليب استعمارية بامتياز.

كما يتواصل توجيه الموارد المالية نحو القطاعات الثانوية، مما ينجر عنه الانزياح من الانتاج المعيشي نحو الاستيراد والتصدير. ويتسبب بالنسبة إلى جموع المنتجين في التبعية وافتقاد التقنيات والانحدار في سلاسل القيمة بينما يسهل على المتموقعين في المنظومة عملية مراكمة الثروة (استغلال اليد العاملة الرخيصة، الامتيازات، المنح، الإعفاءات، خطوط التمويل، برامج التأهيل..).

ويتم بالتوازي سحق كل من الموظفين و”الشُريكات” والاقتطاع من مداخيلهم ومدّخراتهم بشتى الطرق للإبقاء على امتيازات الأقلية (الاقتطاع المباشر من أجور الموظفين وجرايات التقاعد دون أي وجه حق، الاقتطاعات الاستثنائية مع كل أزمة، الترفيع في فوائض القروض، إعادة الهيكلة الآلية للقروض بعد جائحة الكورونا، إثقال الضرائب…). وبينما تتدحرج الأغلبية الواسعة منها تحت خط الفقر، تتعاظم ثروات البنوك.

يتم التعامل مع اقتصاد الهامش على أنه حالة عرضية وجب كبتها وإدماجها في الأطر الموجودة، في حين أنه نتيجة لتقيُّد المنظومة الرسمية بقوانين السوق والأوليقارشيا معا. وهو، إن صح التعبير، الوجه المشرق للاقتصاد المحلي الذي يبرهن على قدرة الاقتصاد الطبيعي العضوي على الصمود والمقاومة بخلق دورة موازية تستجيب للسوق المحلية.

من ناحية العلاقات الاقتصادية الخارجية، تم بتر الذراع المالي للدولة المتمثل في البنك المركزي، الذي أصبح يقتصر دوره على قبول القروض والهبات من الخارج وتوزيعها على كارتيلات البنوك محلية، حتى أصبحت هذه البنوك ذات مصلحة مباشرة في تراكم الديون التونسية. فلم يعد بإمكان البنك المركزي اليوم تمويل الاقتصاد المحلي (كما فعل البنك الأوربي لمجابهة أزمة الكورونا)، أو إقراض الدولة، أو تعديل دخول وخروج العملة الصعبة. وتجاوزت الديون 100 بالمائة من الداخل المحلي الخام، وتعمل الحكومة الحالية على مزيد تعميق الأزمة بمزيد التداين مقابل مزيد تقييد الاقتصاد بالمنوال المفلس ذاته.

[1]صغير الصالحي، الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكافئة، 2017، تونس

[2]الأمن، الديوانة، الدوائر السياسية

[3]Martinage J.L.& Crozet M. Breaking the cycle of poverty in Tunisia.Organisation international du Travail (OIT). 2016. https://bit.ly/2Uha1M2

[4]http://www.onagri.nat.tn/uploads/divers/enquetes-structures/index.htm

[5]انتاج الحبوب واللحوم والحليب والبقول والبيض، إنتاج الخضروات والغلال الموجة للسوق المحلية

[6]المستغلات الفردية أو العائلية أو الدولية التي تحت تصرف الديوان أو الشركات الخاصة أو التعاضديات أو المقاسم…http://www.onagri.nat.tn/uploads/divers/enquetes-structures/index.htm

[7]المعهد الوطني للإحصاء

[8]مقدمي الخدمات كالحلاقة والبناء والترفيهة والخياطة والاعتناء بالأطفال، والمهن كالتمريض وانتاج الدراسات والسباكة والتصليح، والصناعات الخفيفة والورشات والحرف، والتجار بأنواعهم من المواد الغذائية للملابس مرورا بقطع الغيار…

[9]المعهد الوطني للإحصاء

 الصناعات الاستخراجية، الاتصالات[10]

[11]قطاعات النسيج والجلد والصناعات الغذائية والخدمات الموجة للشركات الأجنبية كمراكز الاتصال centres d’appels

[12]بيع **** شركات عمومية بين 1995 و2010، سن قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص…