على إثر هذه التراكمات شهدت تونس يوم 25 جويلية 2021، الموافق للذكرى الرابعة والستّين لعيد الجمهورية التونسية، انطلاق موجة من التحركات الشعبية الاحتجاجية في مختلف مناطق الجمهوريّة مُطالبةً بحل مجلس نواب الشعب ورحيل الحكومة لتنتهي باتخاذ رئيس الجمهوريّة جملة من القرارات ذات طابع سياسي بالأساس وذلك تفعيلا للفصل 80 من دستور 14 جانفي 2014 ثمّ إعلانها إلى كافة الشعب.

حيث شملت هذه القرارات وفقا لما جاء بالأمر الرئاسي عدد 80 لسنة 2021 المؤرّخ في 29 جويلية 2021 المتعلّق بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب، التدابير التّالية؛

تجميد كل سلطات مجلس النواب ورفع الحصانة عن كل أعضاء البرلمان مدّة شهر ابتداء من 25 جويلية وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه مع تعيين حكومة يرأسها رئيس حكومة جديد ويُعينه رئيس الجمهورية، ممّا يؤول إلى تولي هذا الأخير السلطة التنفيذية معلنًا غايته في مكافحة الفساد بالوقوف على جميع الملفات والجرائم التي ارتكبت.

نُلاحظ في هذا الإطار، أنّ تفعيل الفصل 80 من الدستور يطرح عدّة تساؤلات، وهو ما يجعل شرح مقتضياته أساسيًا.

تأويل موسّع للفصل 80؟

نصّت الفقرة الأولى من الفصل السالف ذكره أنّه: “لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.”

في هذه الصورة، يمكننا اعتبار أنّ لرئيس الجمهوريّة وحده السلطة التقديريّة المطلقة لاعتبار الوضع الراهن “خطرا داهما مهددا لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها”، خاصة وأنّ الدستور لم يفسّر ما المقصود بهذه المقتضيات وبقي صامتاً حيالها، ممّا يخول لرئيس الجمهوريّة تأويلها واتخاذ التدابير التّي يعتبرها ملائمة لهذه الحالة الاستثنائية.

تجدر الإشارة كذلك إلى أنّ الفقرة الأولى طرحت شرطين متلازمين لقيام هذه الحالة الاستثنائية؛ فإلى جانب وجود خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها يشترط معه تعطيل السير العادي لدواليب الدولة.

كما نصّت نفس الفقرة على جملة من الإجراءات المُتمثلة في استشارة كلّ من رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، وهو ما أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد. لكن يبقى السؤال مطروحا حول وجوبيّة الآراء المتخَذة. بمعنى آخر، هل الرأي الذي يبديه كلا الشخصيتين وجوبي أم جوازي؟

وإضافة إلى ذلك، أوجب الفصل إعلام رئيس المحكمة الدستوريّة، وهو إجراء يستحيل إتمامه لعدم تركيز المحكمة إلى حدّ هذه اللحظة، بما لا يعتبر معه ذلك إخلالا بمقتضيات هذا الفصل.

مجلس نيابي مجمّد “في حالة انعقاد دائم”

أمّا فيما يتعلق بالفقرة الثانية من الفصل 80 من الدستور، فهي تنص على إبقاء مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. كما لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب أو تقديم لائحة لوم ضدّ الحكومة. فإبقاء المجلس في حالة انعقاد تجيز إمكانية ممارسة أعضاء مجلس نواب الشعب لاختصاصاتهم بأيّ مكان من تراب بالجمهوريّة (الفصل 51 من الدستور).

وفي تقديرنا، فإن تجميد اختصاصات البرلمان يعدّ من قبيل تعطيل السير العادي لدواليب الدولة، كما أنّ هذا الإجراء يطرح عدّة إشكاليات فيما يخص احتمال تجديد الحكومة والتّي تستوجب منح الثقة من طرف مجلس نواب الشعب.

وعلاوة على ذلك، فإنّ منع أعضاء المجلس من التمتع بحقّهم في ممارسة اختصاصاتهم يتعارض، باعتباره ضمانة دستوريّة، مع حالة الانعقاد الدائم المنصوص عليه بالفصل 80 من الدستور. وبالتالي يعتبر هذا الإجراء المتعلق بتجمد اختصاصات البرلمان، إجراء غير دستوريّ.

أما بالنسبة لمدى تدخّل المحكمة الدستوريّة، فقد تعلّق بطلب يُعهد إليها، وفقا لما أقرّه الفصل 80 في فقرته الثالثة، من طرف كلّ من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه، للبت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه وذلك بعد مرور ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير.

إلّا أنّ مضي هذه المدة لا يعني إنهاء العمل بهذه التدابير، بل يمكن الإبقاء عليها بتواصل وجود أسباب اتخاذها التّي أقرها رئيس الجمهوريّة، وهو وحده من يقضي بزوالها.

هل تتواصل الإجراءات الاستثنائية بعد الثلاثين يوما؟

ممّا لا شك فيه، إنّ إرساء المحكمة الدستورية كان و لا يزال ضرورة حتمية لضمان كل ما جاء بالدستور خصوصا في ظل ما تشهده البلاد التونسيّة من أزمات. فعلى الرغم من أن معظم التونسيين متفقون مع ما حدث، فقد أعرب البعض أيضًا عن مخاوفهم وقلقهم من هذه الإجراءات.

حيث يجدر القول أنّ قرارات رئيس الجمهورية لا تخلو من المخاوف. فبالرغم من المحاولات التي أقدم عليها رئيس الجمهوريّة بإعفاء كلّ من تورّط في شبهات فساد (كالأمر الرئاسي عدد 75 لسنة 2021 المؤرّخ في 27 جويلية 2021 المتعلق بنهاء مهام مكلّفين بمأمورية بديوان رئيس الحكومة) وفتح أبحاث تحقيقية تتعلّق بالفساد المالي والإداري، فإنّ غضّ النظر على مبدأ الفصل بين السلط واحتكار رئيس الجمهورية لجميع السلطات دون وجود أي رقابة يدفعنا إلى حالة من الضبابية والتساؤل إن كانت هذه الإجراءات قد تؤدي إلى عودة النظام الاستبدادي.

بالتّالي يخلص القول إلى أنّ الأقرب إلى الصواب هو أن تضمن هذه التدابير الاستثنائية المستجيبة للإرادة الشعبيّة العودة إلى السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال واستمرارية مؤسساتها مع ضرورة استكمال المسار الديمقراطي في ظلّ نظام جمهوري يقطع مع الفساد ويضمن علويّة القانون واحترام جميع الحقوق والحريّات المكرّسة في دستور 2014.