يوم 12 جانفي 2011، في الوقت الذي كانت فيه أغلب المدن التونسية تشهد احتجاجات ضد نظام بن علي، كانت قرية صغيرة في ولاية قبّلي تعيش لحظة مفصلية في تاريخها. ففي تلك الليلة، تحرّك عشرات من سكان جمنة نحو ”هنشير المعمّر/ستيل“، ليستعيدوا السيطرة عليه بعد انسحاب قوات الأمن وتراجع الجيش. خطوة لم يتصوّر من أقدموا عليها آنذاك أنها ستكسر طوق النسيان والتهميش المضروب حول بلدتهم منذ عقود، وتحوّل الأنظار نحو واحتهم، التي ستغدو لاحقا رمزا لتجربة فريدة في التسيير الذاتي والتشاركي، وبؤرة نزاع قضائي مرير مع كلّ الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ ذلك التاريخ.


الواحة
– 28 جانفي 2026 –

في بلدة جمنة من ولاية ڨبلّي بالجنوب الغربي التونسي، انتفض السكان سنة 2011 ضد عقود من الاستغلال الفاسد لواحة التمور مصدر الحياة الاول بالجهة. كانت معركة مواطنية من أجل فرض نموذج حوكمة جماعية للأرض لتتحول إلى أنجح تجارب الإقتصاد التشاركي والتضامني التي عرفتها البلاد. تجربة تصادمت مع الخيارات السياسيّة والإقتصاديّة للدولة ما تسبب في ضغوط سياسية وتتبعات قضائية تواصلت حتى سنة 2026. تقدم لكم نواة لأول مرة على وسائط التواصل فيلمها الوثائقي ”الواحة“ المنجز سنة 2018، انتصارا لتجربة جمنة ولنضالات رجالها ونسائها ورفضا للهرسلة المسلطة عليهم.


12 جانفي 2011: بصيص نور بعد قرن من الظلم

في تلك الليلة، كان أبناء جمنة يجوبون واحتهم للمرة الأولى بوصفهم أصحابا فعليّين لأرض سُلبت منهم زمن الاستعمار الفرنسي، ثم واصلت دولة الاستقلال حرمانهم منها. فمنذ 89 سنة، وتحديدا سنة 1922، انتزعت السلطات الاستعمارية ضيعة واد المالح[1]، المعروفة بهنشير المعمّر/ستيل، ومنحتها لمستوطن فرنسي يُدعى «Merillon»، قبل أن تُسند إدارتها لاحقا إلى الشركة التجارية الفلاحية للجنوب التونسي[2] ”S.C.A.S.T“، التي أنشئت خصيصا لتسيير الأراضي المنتزعة من التونسيين. بعد الاستقلال استمر هذا الوضع إلى غاية الجلاء الزراعي في 12 ماي 1964، غير أنّ الأرض التي استُرجعت من يد المحتل لم تعد إلى أهلها، بل أُلحقت بأملاك الدولة[3] تمهيدا لإقامة وحدة تعاضدية. في هذا السياق، اكتتب[4] أهالي جمنة في الهنشير بمبلغ قدره 40 ألف دينار، إثر اتفاق مع والي ڨابس آنذاك، إذ كانت جمنة وولاية ڨبلي تتبعان إداريّا وترابيّا الولاية. لكن الدولة آثرت توجيه ذلك المبلغ نحو مشاريع جهوية تولّت الإشراف عليها بنفسها، إلى أن تخلّى النظام لاحقا عن تجربة التعاضد مع مطلع السبعينيات، إيذانا بدخول مرحلة اقتصادية جديدة. انتُزع هنشير المعمّر/ستيل مجددا من الأهالي، بعد أن فوّت فيه مجلس الوصاية قسرا إلى شركة «ستيل»، التي أدارت الضيعة إلى حدود 2 مارس 2002. بعدها، جرى تسويغه للخواص تحت يافطة «شركات الإحياء والتنمية الفلاحية»، عبر عقد أُبرم بين الدولة، ممثَّلة في وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية، ومستثمرين اثنين، لمدة 15 سنة، مقابل معاليم سنوية لم تتجاوز تقريبا 14 ألف دينار. صفقة لخّصت ملامح مرحلة كاملة، كان الفساد عنوانها الأبرز والخصخصة أحد أهم أدواتها، ولو على حساب الصالح العام. ففي حين كانت 10 آلاف و800 نخلة تدرّ قرابة مليون دينار سنويا من عائدات التمور، لم يكن نصيب الدولة يتجاوز 1.5% من تلك الأرباح.

ظلّ هذا الواقع قائما على امتداد السنوات التسع التالية، إلى أن جاءت اللحظة الثورية في جانفي 2011 لتفتح الباب أمام رفع مظلمة تاريخية عن منطقة بقيت، شأنها شأن عشرات المدن والقرى، خارج دوائر الاهتمام التنموي للحكومات المتعاقبة. غير أنّ ذلك التاريخ نفسه، ورغم ما حمله من بشائر مرحلة جديدة للواحة، فقد مثّل أيضا نقطة انطلاق المواجهة مع دولة ما بعد 14 جانفي 2011، الساعية إلى استعادة سلطتها وسطوتها التي هزّتها الاحتجاجات الشعبية، تحت شعار إعادة الهيبة.

جمنة أكتوبر 2017 – بتّة بيع محصول التمور لسنة 2017 وسط حضور كثيف للمواطنين ومساندين من مختلف الجهات – صور نواة

معركة الرمزية: بين هيبة الدولة وشرعية الفعل الاحتجاجي

ساهم المناخ الثوري الذي عاشته البلاد خلال السنوات الأربع التي تلت 2011، إلى جانب موجة الاغتيالات السياسية والاستحقاق الانتخابي في أكتوبر 2014، في ترحيل ملف جمنة. إذ لم يحظَ بمعالجة جدية من قبل الحكومات المتعاقبة. هذا الحيّز الزمني أتاح لأهالي القرية هامشا لتنظيم أنفسهم ضمن إطار قانوني، من خلال بعث جمعية في فيفري 2011 تولّت تقنين إدارة هنشير المعمّر/ستيل، واعتماد صيغ جديدة في استغلال الأرض تقوم على العمل التضامني والتشاركي. غير أنّ التحوّل السياسي الذي أعقب فوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014، وهو الحزب الذي جعل من شعار «إعادة هيبة الدولة» أحد أعمدة خطابه الانتخابي، حوّل جمنة، بما راكمته من تجربة ناجحة، إلى المثال التأديبي الذي بدا أنّ النظام في حاجة إليه.

قبيل نحو أسبوعين من الموعد السنوي لبيع محصول تمور واحة جمنة، والمحدّد ليوم 18 سبتمبر 2016، أصدرت كتابة الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية بلاغا مستهل سبتمبر، حذّرت فيه من أي تعاقد يهمّ الضيعة أو منتجاتها، معتبرة أن كل تعاقد من هذا القبيل «باطل»، ومشدّدة على أن الهنشير يعود إلى ملك الدولة الخاص، وأن جمعية حماية واحات جمنة لا صفة لها، ولا لغيرها، في التصرّف فيه. كما لوّحت البلاغات الرسمية بإمكانية التتبّع القضائي للمشرفين على استغلال الضيعة. تلا ذلك تصعيد مباشر من كاتب الدولة آنذاك مبروك كرشيد، الذي هدّد بمصادرة المحصول السنوي ومنع تنظيم البتّة.

في الجهة المقابلة، عقد أهالي جمنة اجتماعا شعبيّا خُصّص لمناقشة هذه التهديدات ليُجمعوا على المضي في بيع المحصول ومواصلة إشراف جمعية حماية واحات جمنة على تسيير الهنشير، «بالوسائل القانونية ما دام باب التفاهم مفتوحا، أو بالأساليب الثورية إن فُرضت المواجهة»، وفق ما كان يتداول بالمنطقة آنذاك.

   لم تدخل جمنة هذه المعركة وحيدة، إذ تشكّل، بالتوازي مع تصاعد الأحداث واتساع الجدل حول القضية خلال الأسابيع الفاصلة بين الإعلان عن موعد البتّة وتنفيذها في 9 أكتوبر 2016، ما يشبه حزاما مواطنيّا داعما. هذا الحزام تطوّر تدريجيّا ليأخذ شكل «الحملة الوطنية لدعم جمنة»، التي جمعت في صفوفها مجموعات من شباب الحراك الاجتماعي، ومنظمات من المجتمع المدني، إلى جانب اصطفاف قوى سياسية ممثّلة داخل البرلمان. هذا الزخم كسر الطوق المفروض على البلدة، ونقل معركتها من هامش الجهات إلى قلب العاصمة، وتحديدا إلى مدارج المسرح البلدي، في خطوة أربكت أحد أهم تكتيكات السلطة، والقائمة على حصر الاحتجاجات في الفضاءات المحلية وتفكيك الجبهات لعزل الغضب الاجتماعي خارج المجال السياسي المؤثّر، ثم إنهاكه عبر مفاوضات جزئية ومطالب فئوية ضيّقة.

جمنة أكتوبر2016 – نشطاء من العاصمة ومن مختلف جهات البلاد توافدوا على جمنة تزامنا مع بتّة موسم التمور مساندة للتجربة ودعما للقائمين عليها – صور نواة

بلغ هذا الحراك ذروته يوم 9 أكتوبر 2016، الذي شكّل محطة مفصلية في مسار الصراع، حيث تمّ بيع محصول التمور تحت حماية الأهالي، وبحضور قافلة مساندة قدمت من العاصمة ومن مدن أخرى، وضمت حقوقيين وسياسيين ونوابا في البرلمان وفنانين ونشطاء. جرى ذلك تحت أنظار السلطات التي آثرت عدم التدخل المباشر، قبل أن تلجأ لاحقا إلى ما يمكن وصفه بالقمع الناعم. ففي 23 أكتوبر 2016، أقدمت وزارة المالية على تجميد الحسابات البنكية لكل من جمعية حماية واحات جمنة والتاجر الفائز بالبتّة. غير أنّ محكمة الاستئناف بتونس أسقطت هذا الإجراء بعد نحو ثمانية أشهر، حين قضت بإلغاء بطاقة الإلزام الصادرة في حق التاجر ورفع التجميد عن حسابه، مع إعفائه من الخطية المالية وتحميل المصاريف القانونية للمكلّف العام بنزاعات الدولة.


روبرتاج: جمنة تجربة خارج قانون الثورة المضادة
– 10 أكتوبر 2016 –

شكّل إنجاز بتة صابة التمور لسنة 2016  لحظة مفارقة في تاريخ منطقة جمنة (قبلي). حالة احتفاء شعبي يوم الأحد 9 أكتوبر 2016 أسقطت قرار قضائي-سياسي عطّل انجاز البتة في موعدها. طابور طويل من المترجّلين نحو مكان انعقادها: أهالي جمنة، قافلة مساندة قدمت من العاصمة ومن أماكن أخرى، حقوقيون ورجال سياسة وأعضاء من مجلس النواب، فنانون وإعلاميون ونشطاء…

تجربة تسيير هنشير ”ستيل“ بجمنة التي انطلقت منذ 2011 مازالت مستمرة في ظل واقعين متناقضين: مساندة شعبية ومدنية متنامية يقابلها موقف حكومي مركزي، متمسك بخيارات سياسية واقتصادية وتشريعية تحمل كل دلائل فشلها التاريخي والراهني.


ورغم هذا الانتصار القضائي، فقد كانت للقرار تداعيات سلبية على الموسم اللاحق، إذ تسبّب في تعطيل الإنتاج وإحالة عشرات العمّال على البطالة. كما تجاوزت آثاره حدود الهنشير لتطال أنشطة الجمعية داخل مدينة جمنة، التي حُرمت مدارسها وجمعياتها الخيرية ومرافقها البلدية والصحية من عائدات محصول سنة 2016. ومع ذلك، صمد أهالي جمنة وواصلوا الدفاع عن تجربتهم، مدعومين باستمرار حزام المناصرة، ليتمّ بيع المحصول مجددا في 2 نوفمبر 2017 تحت إشراف جمعية حماية واحات جمنة، وبحضور ممثلين عن الدولة. محطة ثانية اكتسبت هذه المرة دلالة رمزية أقوى، إذ عكست اعترافا ضمنيّا من السلطة باستحالة إنهاء التجربة أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 2011.

بين جمهوريتين: عقد من الصراع مع تكلّس القوانين

بعد هذا التاريخ، انطلقت سلسلة من المشاورات بين الطرفين بحثا عن تسوية تحفظ للدولة شيئا من «الهيبة»، وتضمن للجمعية مواصلة المسار الذي فرضته ونجحت في ترسيخه. غير أنّ هذه المساعي ظلّت محدودة الأثر، وبقي الملف معلّقا إلى غاية 8 جويلية 2020، تاريخ اللقاء الذي جمع وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية غازي الشواشي برئيس جمعية حماية واحات جمنة الطاهر الطاهري وأعضائها. وقد تمحور الاجتماع حول إعادة فتح ملف هنشير المعمّر/ستيل والسعي إلى تسوية نهائية لوضعيته العقارية، في سياق صدور القانون عدد 30 المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني يوم 17 جوان 2020. بدا حينها أنّ بصيص أمل يلوح في الأفق بعد وضع إطار قانوني دائم لتقنين عمل الجمعية. لكن هذا الأمل تبدد سريعا، إذ لم تصدر الأوامر الترتيبية اللازمة لتفعيل القانون، مما أبقى الجمعية في حالة فراغ قانوني.

جمنة أكتوبر 2016 – فرادة تجربة جمنة تجلت في تخصيص جانب من المرابيح لتحقيق مطالب اجتماعية تجاهلتها السلطة. في الصورة سيارة وفرتها الجمعية – صور نواة

هذا الانسداد القانوني الذي تواصل إلى غاية انقلاب 25 جويلية 2021، دفع التجربة إلى التحوّل نحو نموذج ”الشركات الأهلية“ بعد صدور المرسوم عدد 15 في 20 مارس 2022. تغيّر المنوال القانوني المقترح من الدولة من ”الاقتصاد التضامني“ المعطل إلى ”الشركات الأهلية” المُبهمة كان مدفوعا بعدة حيثيات؛ أولها انسداد الأفق القانوني الناتج عن عدم تفعيل قانون 2020، مما أبقى الجمعية في حالة ”واضع اليد“ قانونيا ومهدّدة بالإخلاء. ثانيا، كان خطاب قيس سعيد الذّي روّج للشركات الأهلية كبديل وحيد وناجع، مُعتبرا جمنة ”نبراسا“ لهذا المشروع الجديد عاملا إضافيا في دفع المشرفين على جمعية واحات جمنة إلى تغيير صبغتها القانونية. أما الحيثية الثالثة والأكثر إلحاحا فكانت المحافظة على التجربة، حيث قرر الأهالي تأسيس شركة أهلية كـ ”أهون الشرين“ لضمان استمرارية استغلال الأرض وتجنب الإخلاء القسري. ليتمّ في 23 جانفي 2025، الإعلان رسميا عن تأسيس الشركة الأهلية المحلية ”عراجين الكرامة“ بجمنة والتي أشرفت لأوّل مرّة في أكتوبر 2025، على موسم جني التمور وتغليفها، رغم استمرار النزاع القضائي حول ملكيّة الأرض.

الانضواء تحت ”المظلّة التنموية لسعيّد“ لم يحم الشركة الناشئة، لتتجدّد النزاعات القضائية مع وزارة أملاك الدولة أمام القضاء. فقد انعقدت جلسة أولى للنظر في مطلب إخلاء الواحة بتاريخ 31 ديسمبر 2025، تأجّلت إلى يوم 14 جانفي 2026 ومن ثمّ إلى يوم 28 جانفي ليتمّ رفض النظر في القضية.

تتجلى المفارقة البنيوية في القضية الأخيرة لجمنة في التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي التمكيني للرئيس قيس سعيد والإجراءات القانونية الإقصائية التي تتخذها أجهزة دولته، مما يضع المشروع التنموي الجديد في مواجهة مباشرة مع البيروقراطية الإدارية والقضائية. فمن الناحية السياسية، لطالما رفع سعيد تجربة جمنة كـ ”نبراس“ ورمز حي لمشروع الشركات الأهلية و”البناء القاعدي“. إلا أن هذا الخطاب السياسي يصطدم بصلابة التناقض القانوني المتمثل في أن المرسوم عدد 15 لسنة 2022 المتعلق بالشركات الأهلية لم يعالج بوضوح وضعية الأراضي الدولية (مثل واحة جمنة)، بل ركز على الأراضي الاشتراكية، مما خلق فراغا تشريعيا. هذا الفراغ سمح للمكلف العام بنزاعات الدولة بالتحرّك وفق القوانين العقارية الكلاسيكية التي تعتبر استغلال الأرض ”استيلاءً بدون صفة“ على ملك الدولة الخاص.

عندما حلّت الواحة محلّ الدولة

لم تكن جمنة استثناء في الواقع الاقتصادي والاجتماعي القاتم الذي طبع منطقة الجنوب الغربي التونسي نتيجة الخيارات التنموية لدولة ما بعد الاستقلال. فمع مطلع سنة 2011، كانت ولاية قبلي، التي تتبعها جمنة إداريّا، تتذيّل ترتيب الجهات على مؤشر الجاذبية باحتلالها المرتبة 24، كما احتلت المرتبة 14 في مؤشر التنمية الجهوية. في المقابل، بلغت نسبة البطالة 25.3%، فيما وصلت نسبة الفقر إلى 18.5%، واقتربت الأمية من 18.7%، ولم يتمكّن سوى 10.1% من سكان الولاية من بلوغ التعليم العالي. وعلى مستوى العمل البلدي، لم يكن الوضع أفضل حالا، إذ حلّت بلديات قبلي، ومن ضمنها بلدية جمنة، في المرتبة 19 من أصل 24 من حيث جودة ونجاعة الخدمات البلدية.

جمنة أكتوبر 2016 – تجربة هنشير ستيل بجمنة وفرت للسكان مكاسب هامة على مستوى الصحة والبنية التحتية لم توفرها الدولة، في الصورة القاعة المغطاة إحدى هذه المكاسب لفائدة المنطقة وشبابها – صور نواة

أمام هذا الواقع، وفي ظل حضور باهت للدولة وعجز مزمن في سياسات الحكومات المتعاقبة، وجدت جمعية حماية واحات جمنة نفسها مضطرة لتحمّل عبء تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدة، معتمدة حصريّا على مواردها الذاتية المتأتية من هنشير المعمّر/ستيل بعد استرجاعه في جانفي 2011. في بدايات التجربة، وتحديدا خلال سنتها الأولى، لم تكن الجمعية تمتلك الإمكانيّات المالية الكفيلة بتمويل عملية الإنتاج، ما دفعها إلى اللجوء للاقتراض من الجمعيات المائية ومن تجار تمور بمبلغ قارب 142 ألف دينار، إلى جانب تنظيم حملة تبرعات محلية أسفرت عن جمع نحو 34 ألف دينار. وُجّهت هذه الموارد إلى تهيئة الأرض، وإصلاح قنوات الري، واقتناء المعدات والتجهيزات الضرورية، في حين لم تتجاوز مداخيل سنتي 2011 و2012 حدود تغطية كلفة الإنتاج وتسديد الديون المتراكمة.

مثّلت سنة 2014 منعطفا حاسما في مسار التجربة، إذ سجّلت العائدات قفزة نوعية واستقرّت، منذ ذلك التاريخ، في حدود معدل سنوي بلغ 1.6 مليون دينار إلى غاية خريف 2019. هذه الموارد، وبعد خصم المصاريف وأجور العملة، الذين ارتفع عددهم من 40 عاملا سنة 2011 إلى 152 عاملا قارّا سنة 2019، وُظّفت بالكامل في تنمية الجهة وسدّ الفراغ الذي خلّفه انسحاب الدولة من أدوارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية وحتى الرياضية. وقد تجاوزت قيمة الاستثمارات والمساهمات التنموية التي ضخّتها الجمعية خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2018 مبلغ 1.726 مليون دينار. توزّعت هذه المبالغ على مجالات متعددة؛ إذ فاقت الاعتمادات المخصّصة للجمعيات ذات الطابع الاجتماعي 119 ألف دينار، فيما بلغت المساهمات في المجال الرياضي نحو 554 ألف دينار، شملت دعم جمعية الفروسية وألعاب القوى في جمنة وقبلي، ونادي الرماية، ودار الشباب. أما في القطاع التربوي، فقد تجاوزت الاستثمارات الموجّهة لتحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية 321 ألف دينار. وعلى الصعيد الصحي، خُصّص ما مجموعه 109.5 آلاف دينار لتأهيل المستوصف المحلي واقتناء سيارة إسعاف والمساهمة بمبلغ 10 آلاف دينار لاقتناء آلة للكشف المبكر عن سرطان الثدي. كما لم يُغفل عن البعد الثقافي، حيث وُزّعت تبرعات على الجمعيات والمهرجانات الثقافية بقيمة إجمالية قاربت 52.8 ألف دينار. اقتصاديّا، برز مشروع السوق البلدي المغطّى، الذي ستؤول مداخيله إلى البلدية، كأحد أبرز المشاريع التنموية، بكلفة ناهزت 391.6 ألف دينار.

لم تكن تجربة جمنة، إن صحّ التعبير، مجرّد لحظة حالمة التفّ حولها أنصار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بل قامت على معطيات رقمية وإنجازات ملموسة، جعلتها على امتداد سنوات، فاعلا محوريّا في تحسين الأوضاع المعيشية في المنطقة وداعما رئيسيّا لنسيجها الجمعياتي، بل وحتى لمؤسسات الدولة نفسها، حقائق تحيل إلى عبث سعي السلطة عرقلة هذه التجربة وهرسلة القائمين عليها بماراتون ملاحقات قضائية انتهت أحدث فصوله في جانفي 2026 لا بسبب اقتناع السلطة، بل خوفا من أن يجر الغضب الشعبي المنطقة والبلاد إلى احتجاجات لا تقوى على مواجهتها.


[1] محمد ضيف الله، نوافذ على تاريخ نفزاوة. المغاربية للطباعة، 2008 تونس

[2] عميرة علية الصغيّر -نفزاوة زمن الاستعمار وجدليّة الخضوع والمقاومة (1881-1956) – منشورات المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، تونس 2005.

[3] قانون عدد 5 لسنة 1964مؤرخ في 12 ماي 1964 يتعلق بملكية الاراضي الفلاحية في تونس.

[4] طاهر الطاهري – رئيس جمعية حماية واحات جمنة – وثائقي جمنة: الكرامة في عراجينها – نواة 2015