في أكتوبر 2025، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس أحكاماً نهائية بالإعدام شنقاً بحق قيادات بارزة في تنظيم ”أنصار الشريعة“ المحظور، من بينهم محمد العوادي، المسؤول عن الجناح العسكري، وعز الدين عبد اللاوي. كما قضت المحكمة بالسجن لمدة 37 عاماً بحق أحمد المالكي الملقب بـ ”الصومالي“، بالإضافة إلى السجن المؤبد في حق محمد أمين القاسمي وعبد الرؤوف الطالبي ومحمد علي دمق، بينما تراوحت الأحكام في حق ستة متهمين آخرين بالسجن بين عشرين سنة وأربع سنوات مع الحكم بعدم سماع الدعوى لفائدة 9 متهمين.
انتظر الرأي العام التونسي طويلا الأحكام القضائية في الملف لتبيان حقيقة اغتيال الشهيد شكري بلعيد والجهة التي تقف وراء الاغتيال، وخاصة لمعرفة الجهة السياسية المسؤولة عن اغتياله، لكن الأحكام الصادرة ابتدائيا واستئنافيا أدانت العناصر التي نفذت الاغتيال أو كانت في الإسناد والدعم، ولا نجد بين المُدانين أسماء لشخصيات بارزة في السياسة، وأن لائحة الاتهام لم تُوجه سوى لعدد من عناصر تنظيم أنصار الشريعة. أي أن القضاء تعامل مع القضية بمنطق شمل فقط المنفذين دون أن يبحث في الجانب السياسي للقضية حتى من منطلق المسؤولية السياسية.
هذا التمشي القضائي رفضته هيئة الدفاع حيث أعنلت منذ سنة تعليق حضورها في الجلسات المخصصة لقضية الاغتيال بسبب ما اعتبرته ”اضطرابا وتسرعا غير مبرر في تسيير المحاكمات وضغطا على أطرافها يخشى منه المس من جوهر التتبع القضائي“. تحدثت هيئة الدفاع عن عوامل متضافرة حولت ملفات الاغتيال إلى مجرد ملفات حق عام وجعلت من محاكمة المتورطين عملية محاسبة قضائية تقنية مفرغة من أبعادها الوطنية والتاريخية والسياسية.
طيلة السنوات التي أعقبت الاغتيال شهدت الساحة السياسية سجالا بين حزب الوطنيين الديمقراطيين (حزب الشهيد شكري بلعيد) وهيئة الدفاع ورفاق الشهيد من جهة وحركة النهضة من جهة أخرى، الحركة التي تتهمها هيئة الدفاع وعائلة الشهيد ورفاقه بالتورط في الاغتيال. واعتبر ”الوطد“ أن الأحكام ”بداية المحاكمة وليست نهايتها وأن الحقيقة لا تزال منقوصة طالما لم يتم الكشف عن الجهاز السري والجهات السياسية التي خططت وأعطت الأوامر“، في المقابل تعتبر النهضة أن الأحكام تمثل ”إعلاناً نهائياً لبراءتها وبراءة رئيسها راشد الغنوشي من تهمة التخطيط أو التورط في الاغتيال، وأن القضية استُخدمت لسنوات كأداة لتصفية الخصوم السياسيين.“
لم يكن مسار التقاضي، منذ اليوم الأول للاغتيال وإلى حين صدور الأحكام الاستئنافية، اعتياديا، بل كان مسارا مشحونا منذ البداية طغى عليه الجانب السياسي من اتهامات مباشرة لحركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي بالوقوف وراء الاغتيال، وجلسات عامة في البرلمان لمناقشة قضية ”الغرفة السوداء“ بوزارة الداخلية، وتوظيف سياسي من السلط المتعاقبة وإحالة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي لملف الجهاز السري على أنظار مجلس الأمن القومي في مارس 2019. ثلاث عشرة عاما من البحث والتقاضي والاتهامات والندوات الصحفية والسجال السياسي وأحكام ابتدائية واستئنافية بالإعدام والمؤبد لم تكن كفيلة بكشف حقيقة الاغتيال كاملة، وكأننا نعيش في اليوم التالي للاغتيال ونطرح نفس الأسئلة ونبحث عن الجهة التي تقف وراءه.
تجاوز ملف الاغتيالات السياسية الجانب الجنائي والقضائي ليكون ملفا سياسيا شائكا على طاولة كل الحكومات والأنظمة المتعاقبة، خاصة وأن عائلات الشهيدين وهيئة الدفاع وتنظيماتهم السياسية توجه أصابع الاتهام مباشرة إلى حركة النهضة، النهضة التي كانت في الحكم طيلة السنوات التي أعقبت الثورة إلى حدود جويلية 2021. وتُتهم بأنها عملت على طمس الحقيقة منذ بداية الأبحاث والتحقيقات في القضية، ودافعت بكل قوة عن قاضي التحقيق في القضية بشير العكرمي، بل واقترحته وزيرا للداخلية في حكومة الحبيب الجملي التي لم تحصل على ثقة البرلمان إثر انتخابات 2019. من جهته أيضا حاول الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي توظيف الملف سياسيا بعد خلاف حاد بينه وبين رئيس حكومته يوسف الشاهد الذي حظي بدوره بدعم حركة النهضة في صراعه مع مجموعة حافظ قائد السبسي، بعد تجاوز هذا الصراع استدعى الرئيس الراحل هيئة الدفاع عن الشهيدين ثم طرح ملف الجهاز السري في اجتماع مجلس الأمن القومي ليوصل رسالة مفادها أن التعامل مع الملف سيكون من منظور الأمن القومي، رغم أن حليفه السابق حزب النهضة هو المتهم ويتحمل مسؤولية سياسية في الاغتيال. لكن طرح الملف على أنظار مجلس الأمن القومي لم يتجاوز مرحلة ذلك الاجتماع وبقي الموضوع دون متابعة إلى حين وفاة الرئيس قائد السبسي.
بعد 25 جويلية 2021 حاولت السلطة توظيف الملف لإدانة حركة النهضة التي تخوض معركة مفتوحة مع نظام قيس سعيد، الذي استقبل عائلة الشهيد شكري بلعيد مؤكدا على ضرورة كشف الحقيقة كاملة في قضية الاغتيالات السياسية. بعد ذلك خصصت القناة الوطنية، على غير العادة، بثا مباشرا للندوة الصحفية لهيئة الدفاع عن الشهيدين، وكان البث الأول والأخير، إثر ذلك نظمت الهيئة مظاهرة في الذكرى التاسعة للاغتيال أمام المجلس الأعلى للقضاء الذي اتهمته بالتغطية على القضاة المتورطين في طمس الحقيقة وعلى رأسهم البشير العكرمي. بدوره استغل قيس سعيد هذا المناخ لإصدار قرار بحل المجلس الأعلى للقضاء بحجة تأخر القضاء في إصدار الأحكام في قضايا الفساد والإرهاب.
نحن إزاء أحد أهم القضايا في تاريخ تونس الحديث، جريمة سياسية مكتملة الأركان ذهب ضحيتها مناضل يساري بارز، أخضعتها القوى السياسية التي سيطرت على قصري قرطاج والقصبة بلا استثناء لمصالحها السياسية بشكل مفضوح. حتى صدور أحكام مشددة بالإعدام والمؤبد في حق المتهمين لم تنه الجدل بخصوص قضية حكم عليها بالبقاء في منطقة رمادية.
بمناسبة هذه الذكرى الأليمة، التي أثرت أيما تأثير في مجريات الاحداث السياسية بالبلاد، تقدم لكم نواة ملفا لأبرز اعمالها الصحفية المتعلقة بجريمة الاغتيال السياسي التي ذهب ضحيتها الشهيد شكري بلعيد.
عقدت هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي نقطة صحفية، الاربعاء 6 فيفري تزامنا مع الذكرى 12 لجريمة اغتيال بلعيد، أعلنت خلالها تعليق حضورها في كل جلسات المحاكمة احتجاجا على وقائع سجلت في الأشهر الأخيرة، في علاقة بالتعاطي القضائي مع ملف الاغتيال. نواة التقت الأستاذ محمد جمور عضو هيئة الدفاع لبيان أخر التطورات.
الذكرى الحادية عشرة لاغتيال الشهيد شكري بلعيد تزامنت مع انطلاق جلسة المرافعات في القضية، بعد تحقيقات استمرت لسنوات بين باحث البداية وقاضي التحقيق ودوائر الاتهام بمختلف أطوارها. انطلقت جلسة المرافعات باستنطاق بعض المتهمين رغم طلب الدفاع عن المتهمين تأجيل النظر في القضية، مع انتظار تواصل الجلسة لأيام قبل النطق بالحكم.
نظمت اليوم هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وقفة احتجاجية أمام مقر المجلس الأعلى للقضاء المطوق بحواجز أمنية، وذلك احتجاجا على ما وصفه أعضاء الهيئة بتستر المجلس على حقيقة الاغتيالات وتعطيل مسار هذه القضية.
عام 2013 كان صعيب على تونس. في نفس العام، يصيرو زوز اغتيالات سياسية ضحاياهم الشهيدين شكري بالعيد ومحمد البراهمي. ليوم، يتعداو 8 سنين عالجرائم هاذي والحقيقة مازالت ما خرجتش. في الحقلة هاذي من التركينة، باش نرجعو للأعوام لي بعد الثورة والأحداث إلي صارت وساهمت في الاغتيالات. باش نحكيو عالقضية وين وصلت، علاش تعطلت وشنيا آخر المعطيات.
هذه “الغرفة السوداء” احتوت على وثائق تم نقلها من مقر مدرسة تعليم السياقة لصاحبها مصطفى خضر إلى وزارة الداخلية دون محضر حجز ودون علم فرقة الشرطة العدلية ولا قاضي التحقيق المتعهد بالقضية. ولم يتم الاعتراف الرسمي بوجود هذه الغرفة إلا بعد تنقل قاضي التحقيق في قضية الشهيد محمد البراهمي إلى وزارة الداخلية وحجزه للصناديق الكرتونية والاكياس التي تتضمن كما هائلا من الوثائق ونقلها لاحقاً إلى مقر القطب القضائي لمكافحة الإرهاب بتاريخ 13 نوفمبر 2018.





iThere are no comments
Add yours