الكتاب الذي نتناوله بالنقاش وكما قال عنه مؤلفه محسن مرزوق القيادي، السابق بحزب نداء تونس وحاليا لحركة حق، هو عرض لرؤية وحلم وجهد في التفكير الاستراتيجي ونضيف انه مقالة يبتغي منها صاحبها التحسيس لقضية والتحريض الفكري والعاطفي على تبني موقف حزبه. هو منافحة عن تصور ومشروع يريد تبنيه لتونس الآن ومستقبلا و وهو مساهمة في انتاج فكر سياسي بمرجعية دستورية – بورقيبية مطعمة بما أضافه اليسار وبدروس تجربة حركة نداء تونس مع تحيين كل ذلك في ضوء أحداث الثورة و ما تلاها، وصولا الى برنامج طموح يتوق الى ”تحويل أمة من وضع انحلال حضاري الى مسار التقدم من جديد “.
يقول الأستاذ محسن مرزوق اننا لسنا إزاء ”مجرد تعقيدات لمسار انتقالي عادي بل أمام امتحان دولة ووطن وأمة“ وبالتالي مطالبين بأن نطرح في العمق ”مسألة الدولة الوطنية ومسار تشكل الأمة وما نشأ عنها من عقود سياسية واجتماعية“، وهي مسألة لا تنفصل عن غاية ”تحقيق التقدم والنجاح في خلق الثروة لفائدة الانسان التونسي بفضل العدالة والعلم والعمل“ ( ص :65 ، 75 ).
كل هذا يقتضي وفقا له ولاء غير مشروط للدولة الوطنية التونسية وهو ما لا يراه متوفرا لدى القوميين العرب ولدى الاسلاميين. بل يذهب في تقييمه لمسار سبعين سنة مرت على الاستقلال إلى أنه لا المرحلة البورقيبية ولا المرحلة النوفمبرية حسمت المسألة ولا فرصة الثورة أيضا وما نعته بالنكوص من طرف حركة النهضة التي يقول أن ولاءها ايديولوجيا هو للجماعة والدولة الاسلامية قبل الدولة الوطنية والأمة التونسية. حتى حركة نداء تونس التي كان من قيادييها يحملها مسؤولية كونها تصدت للعمل السياسي والحكم باعتبارها وريثة الحركة الوطنية (ص 77) وهو ادعاء يصادق عليه الكاتب ويشارك فيه سائر المنتسبين للمرجعية الدستورية.
قبل مناقشة المقترح الرئيسي للكتاب نود القول بصورة مجملة ان ثمة نقاط التقاء يمكن تسجيلها بين رؤيتنا كباحث في علم الاجتماع ومنتم للحزب الجمهوري وهو كما هو معروف سليل الحزب الديمقراطي التقدمي – مع ما يقدمه محسن مرزوق ويشاركه فيه حزبه وذلك بخصوص أهمية طرح الإشكالية الحضارية وشروط تحقيق التنمية والتقدم (على ما يثيره المفهومان من جدل) وقضايا معالجة الفقر ومطلب العدالة الاجتماعية ومكانة الجهات إلى جانب نقد هنات الثورة والمسار الانتقالي ودستور 2014 والنظام السياسي المنبثق عنه. وعليه لن نتوقف عند نقاط الاتفاق بخصوص هذه المحاور ونذهب مباشرة الى القضايا الإشكالية.
حول المسألتين الوطنية أو القومية
خرجنا من قراءة الكتاب بوجود مواطن اتفاق إلى جانب مواطن اختلاف جدي تتطلب النقاش المعمق بما يتيح مساءلة المسارات والمفاهيم وتنسيب الاستنتاجات ولم لا تجسير الفجوات بين مختلف الأطراف وعليه نقول ابتداء:
- ان المسألة القومية في ذاتها وفي علاقتها بقضايا البناء الدولوي وقضايا التنمية والعدالة والديمقراطية تستحق ان تطرح للنقاش ابتغاء لتدقيق الرؤى وبما يتيح القيام بالمراجعات الضرورية لدى مختلف الأطراف التي تعاطت معها.
- نذكر بانتمائنا إلى حزب ينحدر من التنظيم الماركسي المشهور باسم ”آفاق العامل التونسي“ الذي شهد موقفه تحولا من تأكيد فكرة الأمة التونسية ومناهضة المشروع الوحدوي في تطابق مع النظرة البورقيبية – إلى تبني مقولة الأمة العربية الواحدة ومطلب الوحدة العربية واستبدال الحديث عن أمة تونسية بمصطلح الشعب التونسي، وهي انعطافة تمت في مرحلة الاعتقال ببرج الرومي وفي منتصف السبعينات تحديدا. رغم ذلك وبعد خمسين سنة لم نعد نرى في الكلام عن قومية أو أمة تونسية أمرا جللا ولا رجوعا عن الانتماء إلى الأمة العربية وعن الحلم الوحدوي ( نقول الوحدوي وليس القومي بالمدلول الايديولوجي )، وقد جاء هذا التطور اقرارا بواقع ملموس وبحقيقة سوسيولوجية و تاريخية بزغت خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار وترسخت في ظل الدولة الوطنية المستقلة وتأكدت اثر مخاضات ما بعد الثورة وهي ان الجماعة البشرية والثقافية السياسية التي تعيش في اطار الدولة التونسية تستحق موضوعيا ان تعامل كأمّة بالنظر لوحدة التراب والتاريخ واللغة والثقافة والدين إضافة إلى وحدة الدولة والشعور البيّن لدى معظم التونسيين بالانتماء المشترك لوطن يجمعهم .
نتفق مع محسن مرزوق وحركة حق في ان الوعي بالانتماء إلى أمة تونسية ذات شخصية مميزة والى كيان سياسي تحققت له استمرارية عبر التاريخ منذ قرطاج انما يكتسي أهمية كبيرة للحفاظ على اللحمة الوطنية والتحسيس لمعركة واحدة عنوانها كسب تحديات التنمية وتوفير أسباب الكرامة والتقدم.
هذه مجالات الاتفاق، ولكن إلى جانبها تطرح معاملة صاحب الكتاب لمواقف الاطراف القومية والاسلامية إشكالات وتضعنا إزاء اختلاف في كيفية التعاطي مع خارطة الانتماءات وأشكال الوعي.
لنبدأ بالمفاهيم وسياقات استخدامها واستعادة المؤلف للالتباس الحاف بمفهوم ”الوطنية“ والذي يستخدم في المجال المغاربي كبديل لمفهوم النزوع القومي nationalisme ما يسمح بالخلط او التلاعب بمفهوم الوطنية وهو المقابل في اللغة العربية لمصطلح patriotisme اي حب الوطن والتعلق به. فبهذا المعنى يفترض ان كل التونسيين (باستثناء بعض احاد) وطنيون بغض النظر عن انتمائهم الفكري والسياسي وعليه فلا مقبولية لما يدعيه الدستوريون او البورقيبيون من انهم ورثاء الحركة الوطنية ولا مشروعية لزعم احتكار الوطنية ونزعها عن الآخرين علما بأن نفس الادعاء يتكرر اليوم من قبل الرئيس قيس سعيد وانصاره. فالمطلوب التثبت بخصوص استخدام مصطلحات ظهرت في البدء بصورة عفوية ثم أصبحت تمثل سلاحا ايدولوجيا لتزييف الوعي.
كذلك وفي اطار التمييز المطلوب بين مدلولات المفاهيم نذكر بأن هناك معنيان لمصطلح الأمة في استخدام العرب اليوم:
- الأول هو الأمة بما هي جماعة دينية كبرى كانت لها تعبيرة سياسية ومؤسسات هي الخلافة (في استخدام السنة ويسميها الشيعة الامامة) وقد سقطت سنة 1924 وحصلت محاولات لإحيائها دون جدوى واتضح أن رسوخ الكيانات القطرية التي ظهرت في صلبها يحول دون عودتها كسلطة مركزية ولا تبقى منها الا الرابطة الدينية وتضامن المسلمين في الملمات.
- أما الاستخدام الثاني فهو الأمة بمفهومها الحديث والعلماني الذي انتجته التجربة البورجوازية الأوروبية والذي ينطبق على الجماعة البشرية التي تقوم على وحدة التراب والتاريخ واللغة ما يجعل منها قومية nationalité وعندما تتوفر لها الحياة الاقتصادية المشتركة أي السوق المشتركة وكذلك الدولة الواحدة تصبح أمة، كما توسع هذا المدلول المعاصر إلى حالات التطلع لغاية كهذه والعمل من اجلها.
لكن في الحالة العربية ثمة اشكال يتمثل في ازدواجية الانتماء واستخدام المصطلح. فهل نتحدث عن أمة عربية واحدة حتى وان كانت فاقدة للوحدة السياسية التي تجسمها دولة واحدة، أم عن أمم عربية بعدد الدول المعترف بها دوليا رغم عدم توفر مقومات كافية في بعضها كما هو الشأن بإمارات الخليج حيث تكاد تتلخص الدولة في العشائر الحاكمة وهذا دون نسيان نتائج تقسيم – سايكس- بيكو.
تتأتى الصعوبة هنا من كون الجدل يتجاوز كلا من النظرية واستقراء المعطيات التاريخية الى تدخل المصالح العتيدة والعواطف الجامحة والى تأثير الايديولوجيات السياسية التي عادة ما تقدم وجهات نظر أحادية ومتعصبة. وعليه لا يمكن في تقديرنا التعاطي بموضوعية ومسؤولية مع هذه الاشكالات ان لم نأخذ بالاعتبار سيرورة تطور أشكال الوعي بالهوية الجمعية.
الحالة التونسية
إذا اقتصرنا على تونس فلا شك انه ظهر وعي مبكر لدى النخبة الاصلاحية المنفتحة على الفكر الغربي بالذاتية التونسية كما تشهد به تسمية جريدة ”التونسي“ التي أصدرها صادقي هو علي باش حامبة وزيتوني هو عبد العزيز الثعالبي، كما شهدنا تطلعا للأفق المغاربي مع محمد باش حامبة وحصل هذا مع استمرار هيمنة الانتماء للملة الاسلامية مع افساح مجال متزايد لهوية عربية- اسلامية ثم لصعود ترسخ الوعي الوطني التونسي بعد فشل مؤتمر الخلافة الذي سعى لعقده الثعالبي وغيره. لكن رغم التركيز اللاحق على المطلب الخاص باستقلال تونس وعلى خصوصية الشعب التونسي كما عبر عنها علي البلهوان في كتاب ”نحن أمة“ فإن الراي العام أو الوعي السائد تميز بتعايش كل هذه الانتماءات من دون تضارب.
لم يتحول الأمر إلى انقسام وصراع ايديولوجي وسياسي الا في أعقاب النزاع البورقيبي – اليوسفي وتوتر العلاقات بين بورقيبة والرئيس جمال عبد الناصر ثم مع حركة وأنظمة البعث العربي. في ذلك السياق أنتج بورقيبة ليس فقط خطابه حول الأمة التونسية المتميزة والوحدة القومية الصماء وإنما كذلك ما اعتبر مقاربة عقلانية واقعية للتحديات التي تواجه العرب ونقيضا للقومية الرومنسية والحالمة. بل ذهب الأمر ببورقيبة الى تتفيه المشاريع الوحدوية واستصغارها بوصفها إضافة أصفار إلى أصفار كما كان يقول في أواسط الستينات وفي بداية السبعينات في خطاب ”البلمريوم“ الشهير أمام معمر القذافي، ثم حصل ماهو معلوم من امضاء اتفاقية جربة للوحدة الاندماجية وفسخها في أربعة وعشرين ساعة وما تلا ذلك من رد فعل ليبي. خلال كل تلك السنين عاش التونسيون المراوحة والتوترات بين الميل القومي العربي والميل القطري التونسي وبين واقع الأمة الصغيرة وحلم الأمة الكبيرة مما أنتج في النهاية نزعة نحسبها غالبة نحو الاعتدال والبراغماتية في التعاطي مع الموضوع. وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم حيرة محسن مرزوق ازاء ما سماه “عدم الحسم“ في الاتجاه الذي ينادي به سواء في ظل رئاسة بورقيبة او في عهد بن علي وبصورة أعم عدم تحمس الكثير من التونسيين لفكرة الأمة التونسية المنعزلة عن محيطيها العربي والإسلامي.
الاستاذ مرزوق تكلم في هذا الصدد عن ”تعرض الانسان التونسي لعملية غسل دماغ بتحويله إلى جزء من كيان متخيل غير واقعي“، بل تحدث عن ”مؤامرة ضخمة (ص 115) وعن “جريمة مرتكبة بقصد أو بدون قصد“. (ص 119).
نحن هنا إزاء مقاربة تآمرية تحل محل القراءة العلمية التاريخية لتشكل أنماط الوعي الهوياتي، وفي ضوئها لا نستغرب استغراب محسن مرزوق من عدم استسهال اليسار التونسي الحديث عن ”أمة تونسية“ ذاكرا مثال الهادي التيمومي الذي لم يستخدم عبارة الأمة في كتابه ”كيف صار التونسيون تونسيين“ وكذلك تعجب مرزوق من مثقف دستوري كبير كالبشير بن سلامة يكتب عن ”الشخصية التونسية: مقوماتها وخصائصها“ ولكن دون استخدام مفهوم الأمة التونسية! ونحن لا نرى في الأمر مؤامرة وانما تأثيرات عادية ومنتظرة من جهتي التيار القومي العربي والتيار الاسلامي: فالقوميون العرب في تونس يقرون اليوم بشرعية الدولة القطرية مع الحفاظ على حلم الوحدة القومية العربية والارجح ان موقفهم السابق كان بفعل الخلط بين النظام المكروه والدولة ونفس الشيء حصل للإسلاميين الذين أدى عداؤهم للنظام البورقيبي إلى تحفظ شديد على رمزيات الدولة المستقلة كما ظهر من احجام حكومة الترويكا وفي الواقع حركة النهضة عن الاحتفال بعيد الاستقلال سنتي 2012 و2013. ولكن ذلك كان أقرب الى مخلفات عداوة ماضية وحالة مخاض فكري وسياسي أخذت دفعا جديدا إثر الحملات الشديدة التي استهدفت حركة النهضة وقيادتها وتوجيه اتهامات خطيرة لها بتشجيع الغزو الثقافي للسلفية الوهابية ورعاية الارهاب. إثر ذلك شهدت الساحة التونسية سنة 2014 و بمناسبة الحملة الانتخابية البرلمانية تغييرا كبيرا دشنه راشد الغنوشي في الخطاب المألوف عنه وعن الحركة وذلك بتبني مفردات خطاب الوحدة الوطنية والاشتراك في الانتماء مع خصوم الأمس لينتهي الأمر إلى اعلان الطلاق مع الاسلام الإخواني وبحيث لم يتبق من يدعو لإقامة دولة الخلافة او إمارة الشريعة سوى حزب التحرير والجماعات السلفية الجهادية.
في ضوء ما تقدم نخشى أن يتحول الاستقطاب الهوياتي الذي دعا اليه محسن مرزوق إلى السير عكس الاتجاه التاريخي الذي استقرأناه من مسار متعرج لامحالة ولكنه سهمي وجهته استيعاب التنوع وتكامل الانتماءات وتعايشها عوضا عن التصادم، وبالتالي نتحسب من العودة إلى وضع التخندق الايديولوجي والاحتراب بين أربع معسكرات.
نعتبر أن جدلية الواقع التاريخي أفرزت منذ تكوين الحزب الدستوري سيرورة لبروز وترسخ الذاتية التونسية وأنه من المشروع علميا وسياسيا الإقرار بتواجد دوائر انتماء متداخلة وغير متضاربة بالضرورة تحتل فيها تونس المركز بالنظر لمعطيات الواقع والمعيش اليومي ولكنها تتسع إلى الدوائر المغاربية (رغم النكسة التي حصلت بعلاقة بقضية الصحراء الغربية) والعربية الإسلامية (انتماء يتجلى اليوم خاصة في التضامن مع الشعب الفلسطيني وغزة المعذبة) بالإضافة إلى الانتماء الافريقي (حتى وان تلقى ضربة موجعة بعلاقة بالهجرة من جنوب الصحراء وما أثارته من ردود فعل) ووصولا الى العالم الثالث والإنسانية جمعاء.
الأستاذ مرزوق أبدى في الكتاب تحفظه إزاء هذا التوجه المعتدل والتوافقي كما يعتبر أن عدم الحسم باتجاه ما يدعو إليه يحول دون إقامة دولة وطنية قوية ودائمة ومع الاقرار بالحاجة الى التعبئة لمعركة تنمية طويلة تجند فيها المشاعر واللحمة الوطنية، إلا ان ما يذهب اليه الكتاب من ربط بين قوة الدولة واستمراريتها بفرض انتماء احادي وتوجه ضيق الأفق في التعاطي مع مسألة الهوية فيه نظر على أكثر من وجه. ففي شمال افريقيا العربي توجد أقطار تعيش داخليا وضعية الهوية المزدوجة: عربية / بربرية (أو أمازيغية) في الجزائر والمغرب ومسلمة /قبطية في مصر، ولكن ذلك لم يهدد وحدة الدولة وديمومتها في الاقطار الثلاثة، بل اننا شهدنا فيها في العقود الأخيرة غلواء الإيديولوجية القومية الضيقة الشوفينية. برأينا ان قضية الهوية ليست مصدر الخطر الوحيد ولا حتى الرئيسي على وحدة الوطن والدولة وعلى السلم المدنية واستقلال البلاد، بل ان للبنيات الاجتماعية والثقافية وتوظيفها السياسي للتنافس على السلطة أو احتكارها دورا قد يكون أكبر وأخطر والدليل ما تشهده ليبيا التي لم تنقسم إلى نظامين ومنطقتي نفوذ غربية وشرقية بسبب وجود جماعة ناطقة بالبربرية في الجبل أو جماعة التبو في الجنوب ولا بسبب الخطاب القومي للقذافي وانما بسبب نظامه الشعبوي التسلطي الذي تلاعب بالوعي القبلي و المصالح العشائرية والمناطقية لأجل التسلط و ما أدى اليه من العبث بالثروة النفطية.
هنا تجد محاولة التفسير نفسها في مواجهة إشكاليّات العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين السلطة المركزية والمحليات. وهنا نعود الى مساءلة الحالة التونسية، لا من باب المسألة القومية (الوطنية) بل من باب قضية التنمية وحق التونسيين بكافة فئاتهم وجهاتهم واجيالهم في العيش الكريم. وهنا نجد مقولة الاستعمار الداخلي التي استعادها محسن مرزوق بعد أن اشتغل عليها الصغير الصالحي والنظر في كيفية استخدامها لفهم جانب اساسي من اوضاع تونس قبل اقتراح حلول لمأزقها.
لقد لخص محسن مرزوق العراقيل التي تعطل تحقيق هدف الأمة في خلق الثروة المادية والرمزية في ظاهرة الاستعمار الداخلي مع الاشارة الى ان هذا المفهوم المستعمل عادة لوصف سيطرة طرف خارجي يمكن اعتماده ايضا للحديث عن سيطرة قوى محلية داخل الدولة نفسها. يعتبر مرزوق اننا امام نموذج هيمنة لا يمكن فهمه فقط بالبراديغم الطبقي إذ فيه عناصر مناطقية – جهوية واجتماعية – مؤسساتية (البيروقراطية العمومية) تنتج عن مسار تهميش وتمييز كما يمكن أن يستند إلى معطيات ثقافية ودينية. وعلاوة على التمييز والتهميش يضيف الكاتب كعامل تفسير للعجز الإنمائي التونسي المكانة التي يحتلها اقتصاد ريعي يتجسد في طبقة المهربين والمحتكرين صلب القطاع الخاص وفي المؤسسات العمومية التي صارت تعمل لتأمين مصالح المستفيدين منها (ص 156 – 159)، وهو تحليل نلمس فيه بصمة اليسار التي تنضاف إلى البصمة البورقيبية وتأثير الليبرالية السياسية في تفكير محسن مرزوق.
نسجل التقاء ما ورد بمقاله مع ما سبق وقلناه في كتاب ”الدولة والتنمية في المغرب العربي. تونس انموذجا“ بخصوص استقلال الدولة النسبي عن الطبقات بل انتاجها لطبقات جديدة من عدم ، كما نثمن ما قاله بخصوص الميز والتهميش المناطقي ولكننا نعاين عمومية مبالغا فيها جعلته يغفل النزعة الجهوية لسلطة بقيت نواتها الصلبة ساحلية منحدرا وعصبية ونلمس بالخصوص المفارقة المتمثلة في جمع بورقيبة بين الدعوة للوحدة القومية الصماء وادانة نزعات الانقسام من جهة ومن جهة أخرى تحيزه الجهوي الواضح في إسناد المناصب السامية والمسؤوليات الحساسة إلى جانب الاعتناء الخاص بتنمية منطقة سوسة – المنستير وهو ما تم على حساب الداخل والجنوب وكان من أخطر التناقضات التي ميزت حكمه واستمرت بعده حتى في عهد بن علي.
بالمقابل يجدر التنبيه الى ان الحديث عن هيمنة مناطق مثل تونس وصفاقس والساحل بأسلوب التعميم غير ملائم ويتطلب التدقيق والتنسيب لما يعلمه الجميع من وجود تفاوت اقتصادي واجتماعي كبير داخل هذه الجهات ذاتها. ففي الحالة التونسية لسنا إزاء تفاوت وتمييز جهوي صرف ولا إزاء تفاوت وتمييز طبقي محض وانما بالأحرى امام وضع مركب تسيطر فيه نواة صلبة لبورجوازية كبرى ناشئة عن سيرورات فرز واستراتيجيات طبقية – جهوية وجهت طيلة نصف قرن سياسات وقرارات السلطة السياسية ووظفت بيروقراطية الدولة والاجهزة لخدمتها.
تبقى مسالة استخدام المفاهيم المناسبة لتوصيف هذا الوضع وعبارة الاستعمار الداخلي يمكن أن تعتمد أداة للكشف والتحليل، ولكن المشكل يكمن في احتمال سوء فهمها وسوء استخدامها وبالتالي التأثير السلبي على العلاقات بين سكان الجهات المحظوظة وتلك التي تحولت إلى مخزون القوى النشيط في خدمتها. فاستخدام مفاهيم من قبيل اللاتكافئ بين المناطق او استغلال الدواخل من قبل الجهات الساحلية اقل وطأة من الحديث عن استعمار بعض الجهات من قبل اخرى. نتحدث هنا عن فرص الالتقاء والتفاهم بين التونسيين وهو ما قد تنال منه استخدامات غير مدروسة من حيث أثرها على الوحدة الوطنية والتعايش.
كل هذا يستدعي تقليب النظر في دقة المفاهيم وفي جدواه ونفس الشيء يمكن أن ينطبق على ما يسميه محسن مرزوق ”التحرير الوطني الجديد“ والذي لن ينجح في التمايز عن شعار ”حرب التحرير الوطني“، هذا الشعار الذي يرفعه الرئيس قيس سعيد في إطار استراتيجية مزايدة لا تصمد امام واقع استمرار تبعية تونس للخارج في تمويل المشاريع والنفقات العمومية وتوليها دور الحارس لسواحل ايطاليا وجنوب اروبا من الهجرة غير المنظمة.
في كل الحالات نرى من المستحسن ربط قضية الفوارق الحادة المناطقية والقطاعية والعلاقات اللامتكافئة بين الجهات المحظوظة وتلك الأقل حظا وبين المراكز والهوامش – بقصور السياسات المتبعة وبمنوال تنموي منتج للاختلالات والفوارق المجحفة ولا يمكن التحرر منه الا بالعمل من اجل الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية وبمفهوم سليم للدولة الاجتماعية لا يجعل منها مؤسسة خيرية وانما رديفا ومكملا لمجتمع ينشغل بإنتاج الثروة قبل توزيعها. المطلوب العودة إلى مفهوم الانتقال الديمقراطي الذي تعثر وانتهى إلى الأزمة والمأزق، ولكن مع تجديد منظوره وتجذير مضمونه بحيث لا يقتصر على المستوى السياسي والعودة إلى نمط حكم ليبرالي وانما يكون بمراجعة عميقة لتجربة 2011 – 2021 وتلافي تقصيرها في مجال التنمية ومكافحة الفساد والحوكمة وثغراتها في مجال الحفاظ على السيادة الوطنية. هذا هو رأينا وهو ما نقترحه على مكونات المجتمعين السياسي والمدني بتونس.




“الأمة التونسية” بدعة من بدع بو رقيبة فبعد أن ادعى أن باريس أقرب له من مكة و ان رسول الله صلى الله مجرد راعي أغنام وماعز. نصب نفسه “” المجاهد الاكبر”” ونسي أو لم ينتبه أن. الجهاد قيمة في دين مكة.
السؤال إذا كانت فرنسا التى وجدت منذ القدم مثل ألمانيا وإيطاليا و مع ذلك يفعلون الممكن و المستحيل لبعث أمة أوربية لا تجمعها الا الجغرافيا ويفرقها ما سوى الجغرافيا.
كل تونس لا تساوي حارات القاهرة و لا نتحدث عن مدن أخرى مثلا طهران و مئات المدن في الأرض. ياسيد مرزوق لماذا لا تكون المنستير وحدها أمة؟ وكل الدول العربية ولا واحدة تملك مقومات الدولة. ولكن قد يكون ان من يسكن تونس هم شعب من كوكب آخر.