صباح التاسع من جوان 2025 لم يكن شارع محمد الخامس، شريان العاصمة تونس، كعادته. الشارع الذي اعتاد الإيقاع السريع لخطوات العمال والموظفين وضجيج السيارات بدا وكأنه يتهيأ لحركية من نوع آخر. أمام الحافلات المصطفة على امتداد الرصيف ارتفعت الأعلام الفلسطينية وتجمعت حقائب السفر واللافتات والسترات وكاميرات الصحفيين في مشهد ممتد لا يعرف الهدوء. الضوء كان يتسلل ببطء فوق الوجوه والسترات كاشفا انتماءات مختلفة، نقابيون بقبعاتهم وصدرياتهم المعهودة، أطباء وفرق صحية، طلبة ومحامون وعمال ومتقاعدون وشباب من الجنسين. لم يكن الحضور صورة نمطية لجمهور متجانس، بل فسيفساء اجتماعية كاملة تكاد تختصر البلاد في رصيف واحد.

في ذلك الصباح اختفت الحدود السياسية الحزبية الايديولوجية وتلاشت حدود تعصب جماهير الكرة، بقيت كما هي لكنها لم تعد مركز المشهد فما تصدر الصورة كان اتفاقا انسانيا واسعا حول الحق الفلسطيني وحول رفض الحصار باعتباره انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية وللقانون الدولي فبدا الشارع وكأنه يتحول إلى مساحة عامة تستعيد معناها الاصلي يلتقي فيها المختلفون لا لإنكار اختلافاتهم، بل لإعلاء قضية عادلة ونصرة مستضعفين تتم إبادتهم تحت انظار العالم اجمع. تلك اللحظة لم تمح الحدود المعنوية، بل وضعتها في سياق أوسع يجعل من التنوع قوة حين يلتقي حول مبدا العدالة.

على الجانب الآخر من الحافلات تشكلت دوائر بشرية لسلام أخير قبل انطلاق القافلة، عناق طويل لا يحتاج إلى خطاب وأمهات يخفين قلقا مشروعا خلف كلمات ودعاء أو أصدقاء يلتقطون صورا سريعة قبل أن يتحرك الموكب وأطفال يلوحون بأياد صغيرة لا تدرك تماما معنى الحصار لكنها تستشعر جدية اللحظة.

جوان 2025 تونس العاصمة – تجمع مساندة لقافلة الصمود الكاسرة للحدود كما يظهر في الشعار المرفوع – صور نواة

قافلة قضية عابرة للحدود

قد لا نجد قضية حافظت على مكانتها في قلوب أجيال من التونسيين مثل القضية الفلسطينية، قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ عصيّة على النسيان تحولّت إلى مرآة عاكسة لوجدان الشعوب الحرة. ففي كل مرة يشتد فيها الحصار على غزة أو يشتعل فتيل العدوان كانت الشعوب الحرة تحاول الانتفاض متجاوزة حدود المكان واللغة لتؤكد أن فلسطين ليست وحدها وأن الحدود المرسومة على الخرائط لا تستطيع أن تفصل بين القلوب النابضة والجرح النازف.

مع خروج القافلة من تخوم العاصمة تونس وانسيابها في طرقات البلاد بدأ الطريق يكشف بعدا آخر للرحلة بعدا داخليا لا يقل دلالة عن الاتجاه نحو الأراضي الفلسطينية. من العاصمة إلى سوسة، ومن ثم إلى صفاقس ومدن الجنوب، كانت الحافلات تعبر ولايات بتقاليد وأعراف مختلفة لكنها تحظى باستقبال جماهيري مهيب عند دخولها كل محافظة. عند مداخل المدن اصطف مواطنون من تلقاء أنفسهم بعضهم جاء بسيارته ليرافق القافلة كيلومترات وآخرون اكتفوا بالوقوف على حافة الطريق رافعين الأعلام أو هواتفهم لتوثيق اللحظة، لم يكن الاستقبال منظما بقدر ما كان تلقائيا وكأن الخبر سبق القافلة بخطوة وأيقظ في الناس رغبة في المشاركة ولو بالتحية.


قافلة الصمود لكسر الحصار والصمت الرسمي، حوار مع مازن عبد اللاوي
– 24 ماي 2025 –

في سياق التحضيرات المتواصلة لانطلاق قافلة الصمود من تونس نحو غزة، وما تثيره من اهتمام واسع في الأوساط الشعبية والإعلامية، تتكثف الأسئلة حول طبيعة المبادرة، رهاناتها، وتحدياتها السياسية واللوجستية. في هذا الإطار، التقت نواة مازن عبد اللاوي، عضو تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين وعضو الهيئة التنسيقية لقافلة الصمود للحديث عن خلفيات المبادرة و آفاقها.


كانت العبارات والهتافات تتردد على مسامع المشاركين فتخفف عنهم رهبة المسافة المقبلة. فتسمع أحيانا صوت رجل مسنّ مقتربا من إحدى الحافلات يردد كلمات بسيطة تترجم الاتحاد الذي يعيشه المشاركون، أو شابة ترفع لافتة أو زغاريد نساء الجنوب التونسي وضحكات أطفال يعيشون لحظات ستبقى راسخة في أذهانهم لعقود.

العشرات من أعضاء مجموعات الألتراس التونسية على غير عادتهم كانوا ضمن القافلة يسيرون جنبا إلى جنب يساعدون بعضهم البعض، يرفعون الأعلام الفلسطينية ويهتفون بصوت واحد. شباب طالما ناصروا القضية من مدارج الملاعب عبر لوحات ”تيفوهات“ فنية، قرروا اليوم المشاركة في القافلة رغم الندية الكبيرة والخلافات التي عرفت عنهم.

يقول أحد شباب الألتراس في هذا الشأن:

هذه الرحلة ليست مجرد مسافة نسافرها هي امتحان لقدرتنا على تجاوز كل خلافاتنا القديمة واكتشاف أن التضامن لا يحتاج إلى حدود، وأن العدل يجمعنا على الرغم من كل ما فرقنا في السابق.

هذا النفس الإيجابي داخل القافلة كان يتطور مع كل ساعة و كل كيلومتر مقطوع، في تناغم مع الامتداد الترحيبي الذي كان يستقبل القافلة من ولاية إلى أخرى ويرتقي بالحدث إلى نقيض للخطابات الجهوية التي تطفو على السطح كلما اشتدت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. فالطريق التي كثيرا ما توصف بأنها تفصل بين مركز وأطراف تحولت في تلك الأيام إلى خيط رابط يشد الجهات بعضها إلى بعض، واختلاف اللهجات والعادات تحول من مادة للتصنيف والمفاضلة إلى علامة غنى داخل مشهد تضامني واحد.

القافلة وهي تتقدم جنوبا كانت تعيد اكتشاف البلاد وتعيد تعريفها لا كجغرافيا مقسمة إلى مناطق نفوذ أو توازنات سياسية، بل ككتلة واحدة اجتمعت حول هدف يتجاوز حسابات الموقع في اختبار لقدرة مجتمع، فرّقته الخطابات السياسية، على التوافق حول الانتصار لأم قضايا التحرر وتقرير المصير.

9 جوان 2025 بن ڨردان – قافلة الصمود تصل ليلا الى مدينة بن ڨردان بولاية مدنين على تخوم معبر رأس جدير الحدودي بين تونس وليبيا – صفحة قافلة الصمود

الغرب الليبي.. حين تختفي الانقسامات ويعلو صوت التضامن

قبل الوصول إلى معبر راس الجدير ببن ڨردان كان الطريق يلمّح تدريجيا إلى مدينة لا تشبه غيرها، تبدو بن ڨردان أقرب إلى فضاء مستقل بقوانين عرفية كمدينة تشكلت على إيقاع العبور والتجارة، فمختلف السلع مكدسة هنا على الأرصفة بعد ان ضاقت بها المحلات، لا تزاحمها غير مكاتب تغيير العملة خارج المنظومة البنكية في حركة بيع وشراء لا تهدأ. تحيط بالمدينة نقاط تفتيش للشرطة والعسكر لتعيدنا إلى الواقع وتذكّرنا بهجوم داعش الفاشل على المدينة قبل 10 سنوات.

عند معبر راس جدير تدخل القافلة فضاء مختلفا تحكمه الإجراءات والتراتيب أكثر مما تحكمه المبادلات، العبور هنا كان هادئا في مجمله وإن استغرق ساعات بحكم العدد الكبير للمشاركين وتنوّع وسائل النقل بين سيارات وحافلات وشاحنات مرافقة، سارت الإجراءات ضمن نسقها الإداري المعتاد دون تعقيدات إضافية أو تعطيل غير مبرر مع توزيع القافلة على مراحل في انتظار استكمال العبور.

في ظل بطء الإجراءات بين البوابة التونسية والليبية وطول الانتظار تبادل المشاركون الأحاديث على وتيرة منخفضة توحي بأن الجميع يتحاشى رفع صوته أمام المجهول القريب. انطباعات متفرقة عما ينتظر خلف الخط الحدودي في بلد يدخله غالبية المشاركين في القافلة للمرة الأولى ومحملا في الذاكرة الجماعية بصور التوتر والانقسام وأخبار الاشتباكات التي راكمتها السنوات الأخيرة فلم يكن الخوف صريحا لكنه كان حاضرا في نبرة الكلام وفي الأسئلة المتكررة عن الطريق والمدن وعما إذا كان المسار آمنا بما يكفي، فيما كانت هذه الهواجس تقابل بمحاولات طمأنة متبادلة وبإصرار واضح على مواصلة الرحلة رغم الغموض.

11 جوان 2025 ليبيا – الاستقبالات الجماهيرية للقافلة تواصلت بعد اجتياز الحدود التونسية ودخول مدن الغرب الليبي لتقديم الاسناد المادي والمعنوي للمشاركات والمشاركين – صفحة قافلة الصمود

 عبورنا الحدود الليبية بدا الطريق وكأنه صفحة بيضاء على وشك أن تكتب عليها لحظة استثنائية من التلاقي والفرح الجماعي. غرب ليبيا، هذه المناطق التي عرفت في السنوات الأخيرة انقسامات حادة وصراعات قبلية وسياسية بلغت في كثير من الأحيان اشتباكات مسلحة راح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى، استقبلتنا هذه المرة بابتسامات مشرقة وأيادي مرفوعة في الهواء، كانت الحافلات تتقدّم على الأسفلت وكأنها تجوب مساحة أكبر من الأرض مشحونة بمعنى الوحدة والتضامن.

أثناء عبور المدن الليبية يحدثنا عبد الحميد، شاب ليبي من منطقة مصراته قرر أن يشارك في القافلة ويواصل المسار معها قائلا ”انظروا.. هذه المدن التي فرقها الخلاف والنزاعات الداخلية اليوم تجتمع على الحق والترحيب بضيوفها“، كلمات اختزلت المشهد وأكدت أن القافلة لم تكن تمر عبر جغرافيا فقط، بل عبر مساحة رمزية أعادت ترتيب الأولويات وجعلت التضامن مع فلسطين قوة موحّدة تفوق أي انقسام.

القافلة لم تكتفِ بكسر الحصار الجغرافي المفروض على غزة، بل كانت كسرا عمليا للحدود الرمزية بين الناس أنفسهم بين الجهات والمدن والاختلافات بين الشعوب وبين الانقسامات التي تغذيها السياسة والتاريخ المحلي. المشهد أعاد تأكيد حقيقة واحدة أنه حين تتحد الجماهير حول قضية عادلة تصبح الخلافات الثانوية ضعيفة والحدود وهمية دون معنى وأن كل تحية وكل شارة مرفوعة كانت شهادة حية على قدرة الفعل الجماعي على خلق لحظة وحدة حقيقية في فضاء اعتاد الانقسام.

حين تواجه القافلة حدودا بين وطن وشعب واحد

يوم الجمعة 13 جوان 2025 وصلنا إلى تخوم مدينة سرت، توقفت الحافلات استجابة لقوات شرق ليبيا في نقطة تفتيش غير منتظرة، لم يكن بالمكان منشآت خاصة للإدارة والراحة كتلك التي تعترض المسافرين عند الحدود ومداخل المدن ونقاط الاستخلاص، لكن الجميع فهم أن القافلة أدركت أعقد البوابات والحدود، بوابة وهمية معقدة بين شرق ليبيا وغربها وحدود نفوذ القوى المتنازعة بين الغرب والشرق الليبي، حدود سياسية وفكرية تقسم الوطن الواحد والشعب الواحد. كانت لحظة قاسية أدرك فيها المشاركون أن الحدود ليست فقط ما يحدد على الخرائط، بل أيضا ما يصنعه الانقسام السياسي والهيمنة على القرار الذي يمكن له أن يحاصر الجسد والروح معا.

13 جوان 2025 – مخيم اضطراري للقافلة بعد توقف مسارها على مشارف مدينة سرت – صور نواة – ياسين القايدي

بعد تأكد استحالة التقدم نحو سرت ورفض مرور القافلة بالشرق الليبي ومنه إلى الحدود الليبية المصرية، أقيم مخيم في العراء على أطراف الطريق في مساحة صغيرة طوقتها قوات شرق ليبيا بالحواجز لتمنع خروج أو دخول أي شخص بحرية. وكأن اختيار المكان كان مدروسا، فهو صحراوي بعيد عن تغطية الاتصالات والانترنت، لتفشل كل محاولاتنا في التصوير المباشر والنشر على شبكات التواصل وكأن العالم كله اختفى فجأة وراء أسوار غير مرئية.

تحت الشمس الحارقة بدأ الإرهاق يظهر على وجوه المشاركين والتعب الجسدي لم يكن وحده ما يثقل كاهلنا، بعض الأخبار الشحيحة كانت تتحدث عن استحالة قبول قوات شرق ليبيا مرور الحافلة لأسباب أمنية استراتيجية، مقابل انطلاق حملات إسناد واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي وضغط على قوات الشرق ومصر لتسهيل مرور القافلة وعدم اعتراضها، من ذلك رواج شعار يعتبر نقطة توقف مسار القافلة بمثابة بداية لحدود الاحتلال “الإسرائيلي” الواقعية.

 كانت الروح الجماعية التي نشأت بين المشاركين في المخيم طاغية على اختلاف الفوارق العمرية والجنسيات والايديولوجيات، فالكل يشارك جزءا من طاقته وطعامه. المشاركون من تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا وحتى بعض الفلسطينيين المقيمين في ليبيا الذين رافقوا القافلة جلسوا معا على الأرض يتبادلون القصص ويخففون عن بعضهم لحظات القلق والخوف. رغم الإرهاق كان هناك شعور بأن القافلة تجربة حية لاختبار قدرتنا على كسر الحدود الداخلية، وتجاوز الاختلافات السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية من أجل قضية واحدة مشتركة داخل فضاء جغرافي صغير محاصر، فكنت تسمع حوارات ثنائية أو حلقات نقاش أو خطابات للمشرفين على القافلة يجددون فيها الدعوة للتماسك وتجنب أي خطاب أو سلوك يفرق الناس ويكسر لُحمتهم.

14 جوان 2025 سرت ليبيا – تحركات احتجاجية من المشاركين رفضا لتعطيل سير القافلة ومضايقات المسلحين المكلفين بحصارها – صور نواة – ياسين القايدي

رغم الصبر والتحلي بالمسؤولية إلا أن الحقيقة لم تختف حينها، كنا في قافلة غايتها كسر الحصار فوجدت نفسها محاصرة، القوات المسلحة التي طوقت المكان صعّدت في استفزازاتها ومرّت إلى تنفيذ اعتداءات واعتقالات لعدد من المشاركين، أما الوفد الذي مثل القافلة للتفاوض بغاية مواصلة الطريق فقد تعرض للتهديد والابتزاز وحتى للعنف، لتقرر القافلة العودة من حيث انطلقت بعد التأكد من إطلاق سراح الموقوفين وسلامتهم.

الحسرة والأسف على وجوه المشاركين من ليبيا بصفة خاصة ترجمت الموقف كله، بعد أن أدركوا حقيقة ما صنعته الخلافات السياسية بين الشرق والغرب، صنعت حدودا جديدة تفصل أبناء وبنات الشعب الواحد داخل وطنهم، فالقافلة التي تجاوزت الحدود التونسية الليبية بسلاسة، اصطدمت بحدود أوسع وأكثر صلابة صنعها الانقسام الداخلي.

شدّت القافلة طريق العودة والعقول لم تستسلم للحزن أو اليأس، بل انطلقت تفكيرا في قادم الخطوات وفي قوافل وأساطيل لا حدود برية تعترضها. طريق العودة كانت الاستقبالات الشعبية فيها عند مداخل المدن مضاعفة، وكأن أنصار القضية يجيبون من عرقل مسار القافلة بأنها حققت أهم أهدافها بتجميع الشعوب الحرة من كل العالم عبر إطلاق مبادرات مماثلة برية وجوية وبحرية. فالزخم الذي حققته القافلة والتعاطف الذي كسبته بعد ما تعرضت له عند مداخل سرت، بالإضافة إلى منع مصر تجمع نشطاء من مختلف الجنسيات ومنعهم بالقوة من التوجه إلى الحدود، كل ذلك جعل الحركة تأخذ بعدا أكبر وتزداد صلابة واصرارا، مع اكتسابها تجربة ميدانية فريدة في القيادة وإدارة الأزمات وسرعة التعامل مع الطوارئ.

19 جوان 2025 تونس العاصمة – استقبال جماهيري بالعاصمة لعودة قافلة الصمود – صور نواة – ملاك بن دخيل

لم تكن قافلة الصمود البرية مجرد عبور للأراضي وتجميعا عدديا غايته المشهدية، بل رحلة بحث في جدية الحدود وماهيتها، حدود الجغرافيا والسياسة والمعتقد والايديولوجيا والعادات والعرف والنفوذ…من التي ستستجيب ومن ستكون حدّا يصعب تخطيه؟  تجربة تجاوزت الاختلافات في منطقة لم تعرف الهدوء منذ سنوات وصارت رقما صعبا حرّك أنظار وقلوب ملايين الأحرار وحفّزهم على الحراك، كل من موقعه وحسب إمكانياته، لوقف حرب الإبادة على غزة وفضح التطبيع معها.