حين يعود سؤال ”مين عم يتذكر؟“ في نهاية هذا المسار، ربما تتذكر المادة أيضا بطريقتها الخاصة. وربما لا تكون الذاكرة في نهاية المطاف ما ننجح في الحفاظ عليه سليما، بل ما يواصل التغيّر أمام أعيننا، حاملا أثر ما جرى، عاجزا عن العودة إلى ما كان عليه من قبل.
«مين عم يتذكر؟»
يبدو السؤال للوهلة الأولى موجها إلى الإنسان، فهو الذي يتذكر ما حدث، ومن يحمل آثار الفقد، ومن يستطيع أن يعيد وصل الحاضر بما انقطع عنه. لكن في تجربة الفنان السوري سعد شعيب يتسع السؤال تدريجيا إلى ما هو أبعد من الذاكرة البشرية. فماذا لو كانت الورقة نفسها تتذكر، وماذا لو احتفظ الحجر في صميمه بمكان لم يعد موجودا، وماذا لو كان العفن، بما يفعله في سطح الصورة، ينتج شكلا آخر من الذاكرة، شكلا لا نعرف بعد كيف نقرأه؟
ربما لهذا السبب ظل حديثي مع شعيب، حين التقيته في تونس خلال دورة 2026 من مهرجان ”See Djerba“، يعود بصورة أو بأخرى إلى سؤال واحد لم أطرحه عليه بهذه الصيغة منذ البداية، من يملك العمل الفني حين لا يعود الفنان وحده قادرا على تحديد ما يحدث داخله؟
جاء شعيب إلى جربة ليقدم ”في تكريم تمّام“، تركيبا حسيا نشأ من فقد شخصي قريب من موعد العرض. لكن العمل، كما تكشّف لي من الحديث، امتداد طبيعي لبقية تجربته، فالتمزيق والماء والعفن والتكرار والأنظمة اللونية والحجارة والطقس تبدو جميعها محاولات مختلفة للتعامل مع المشكلة نفسها، كيف يمكن للفنان أن يصنع عملا من دون أن يظل مستحوذا بالكامل على عملية صنعه؟
وهنا تحديدا يكمن ما نبحث عنه في تجربة شعيب. فالمواد ”غير التقليدية“ التي جعلت من العفن علامة مميزة في أعماله ليست سوى الوجه الظاهر لمسألة أعمق، هي إعادة النظر في فكرة التأليف نفسها. يتراجع في لحظة ما عن مركزية القرار، ولا يفعل شيئا سوى أنه يوفّر شروط تحقّق العمل، تاركا للمادة والزمن والمكان والجسد، وأحيانا لكائنات غير بشرية، أن تدخل في تحديد ما سيصبح عليه.
التخريب طريقة للرسم
بعد انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر بيته ومرسمه وأتى على أعمال سبق أن أنجزها، عاد شعيب إلى لوحات قديمة أخرى فأخذ يمزّقها. كانت حركة يد تحرّر أكثر منها فعل احتجاج، تحرر من ماض أثقلته الخسارة. لسنا نعرف على وجه اليقين فيم كان يفكر في تلك اللحظة، لكنه كان عازما على التخلص من شيء، لا على إنقاذه.
ألقى باللوحة الممزّقة في برميل، ونسي أمرها. بقيت هناك عاما كاملا تختبر مصيرها وحدها، بينما تسربت إليها مياه الأمطار شيئا فشيئا، غيّرت ألوانها وملمسها، ومنحتها حياة لم يأذن بها أحد. حين عاد إليها، وجدها قد واصلت العمل عليها في غيابه، وكأنها لم تكن يوما ملكا خالصا ليده. تسلل إليها عنصر لم يقصده الفنان ولم يخضع لإرادته، وأعاد تشكيلها من الداخل.
يصف شعيب إحساسه بأن اللوحة ”تغسلت“، وهذا الفعل بالذات، فعل الغسل، يفتح ما ظن الفنان أنه أغلقه إلى الأبد. من هذه اللحظة تحديدا، من هذا الانفتاح غير المرغوب فيه، ولد مفهوم ”التأليف المشترك“ الذي سيصبح لاحقا أكثر وضوحا في تجربته كلها. يصبح المطر والبكتيريا والزمن شركاء في الإنتاج، لا خلفية له ولا ظرفا محيطا به.
يعيد شعيب هنا تعريف سلطة الفنان نفسها. لم تعد هذه السلطة في قدرته على تحديد النتيجة سلفا، بل في قدرته على خلق الشرط الذي يتيح لنتيجة غير محسوبة أن تحدث.
أن تصنع نظاما لكي تفلت منه
جزء أساسي من تجربة شعيب قام على بناء الأنظمة قبل أن يتعلم كيف يفلت منها. في مشروع ”الترپتيك“، الذي طوّره خلال إقامته في مدرسة الرسم الملكية بلندن، انطلق من اهتمام بالثلاثيات والحركة والتسلسل، ثم بنى تدريجيا نظاما لونيا معقدا يتيح للعمل أن ينتج علاقات بصرية لا تستند إلى سرد خطي واضح.
كان هذا النظام محاولة لإيجاد وسيط بينه وبين عمله. بدلا من أن يقرر كل صورة وكل شكل بنفسه، وضع قواعد قادرة على توليد احتمالات لم يكن يتحكم فيها بالكامل. ثم أخذ هذا النظام الذي بناه بيده يضيق حوله شيئا فشيئا حتى صار أشبه بسجن. وهذه المفارقة تكشف شيئا جوهريا في منهجه، لا يبحث عن الفوضى في ذاتها، بل عن نظام قادر على إنتاج فوضاه الخاصة من داخله.
يبني القاعدة أولا، ثم يختبر قدرتها على الانحراف. يكرر الحركة الواحدة مرارا حتى تظهر فيها نتيجة لم تكن في الحسبان، متعاملا مع الخطوط كما لو كان يتأمل الغيوم، باحثا فيها عن أشكال لا يعرف مسبقا أنه يبحث عنها. التكرار عنده وسيلة لاكتشاف ما لم يكن يعرفه قبل أن يبدأ، أقرب إلى تعويذة منه إلى تدريب.
من هنا يمكن فهم عبارة شعيب عن الفنان الذي ”لا يختفي لكنه يتراجع خطوة“. إنها دعوة إلى تغيير موقعه داخل عملية الإنتاج، بحيث يبدأ العمل من دون أن يحتكر ما سيؤول إليه.
المصادفة ليست حادثا
من السهل أن ننظر إلى الماء الذي تسرب إلى اللوحة أو العفن الذي ظهر على الأوراق باعتبارهما مصادفة تحولت لاحقا إلى مادة فنية. لكن الأمر يبدو معكوسا حين نتأمله جيدا، كشفت المصادفة هنا عن منهج كان يتشكل أصلا في صمت.
حين عاد شعيب إلى سوريا في 2024، ووجد العفن قد نما على أكثر من ستة عشر ورقة من مشروع تركه قبل مغادرته، أصغى إلى ما رآه كحدث يستحق المتابعة. بدأ التغير المادي هناك ينتقل من كونه شيئا يقع للوحة إلى كونه شيئا يخاطب الفنان.
تحمل كل مادة سلوكها الخاص الورق يمتص والفحم يتشبع والزيت يقاوم والماء يتسرب والعفن ينمو والزمن يغيّر كل ذلك من غير استئذان. يختار الفنان الذي يتعامل مع هذه المواد أكثر من مجرد أداته، يختار إلى أي حد يسمح لها بأن تشارك في قراره.
يصبح سؤال نهاية العمل شائكا بطبيعته، متى ينتهي شيء قابل للاستمرار في غياب صاحبه؟ حين يقرر الفنان التوقف؟ حين تقول المادة كلمتها الخاصة؟ حين يفرض الموعد والاقتصاد منطقهما؟ أم حين يشعر الجسد نفسه أن عليه أن يتوقف؟ يقول شعيب إنه يحاول أحيانا أن يجد الإجابة ”بجسمه“، وبعدما يتنازل عن جزء من سلطته لصالح المادة، لا يبقى أمامه سوى أن يصغي. يصبح العمل محصلة تفاوض متصل بين اليد والمادة والزمن والجسد.
العفن ليس استعارة للخراب
يستحق الأمر حذرا من القراءة الأسهل لأعمال شعيب، تلك التي ترى في العفن استعارة جاهزة لسوريا أو للحرب أو للفقد. العفن في تجربته يمارس فعلا يشبه الخراب، أكثر مما يمثّله، ينمو على صورة قائمة فيغيّرها، يأكل بعضها، يترك فيها أثره الخاص، ويخلق من المادة القديمة شيئا جديدا لا يستقر على معنى واحد ولا يثبت كعلامة. إنه عملية متصلة لا تكف عن الحدوث.
يحدث العفن للعمل وهو في قيد التشكل، وبهذا يتحول الخراب من موضوع يُصوَّر إلى منهج يُمارَس. دمّر الانفجار المكان، ودمّر التمزيق اللوحة، وغيّرها الماء، وواصل العفن العمل عليها من بعدهما جميعا. وكانت النتيجة في كل مرة إعادة تشكيل متصلة، لا عدما.
يتحدث شعيب عن شعوره بـ”النجاة أو الأمل“ حين رأى العفن ينمو على أوراق مرسمه. تصبح هنا علامة التلف المفترضة دليلا على استمرار الحياة، دون أن يعيد العفن الشيء إلى حالته السابقة أبدا، بل يمضي به إلى حال جديدة لم تكن فيه من قبل.
ماذا يعني أن نتذكر من خلال التلف؟
من هنا يأخذ سؤال الذاكرة مكانه الحقيقي في تجربة شعيب. حين تدخل الحجارة التي أحضرها من بيت عائلته في السويداء إلى عمله، أو حين يحتفظ بأوراق غيّرها الزمن والكائنات الدقيقة، يبحث عن ذاكرة لا تحتاج إلى أن تبقى سليمة كي تظل ذاكرة.
يقوم الأرشيف التقليدي على فكرة الحفظ، نضع الوثيقة في مكان آمن نحميها فيه من الرطوبة والضوء والتلف والنسيان، وترتبط قيمتها بمقدار ما نستطيع أن نبقيها قريبة من حالتها الأولى. أما الأرشيف الذي تقترحه أعمال شعيب فيحفظ نفسه من خلال التغير ذاته. وهذا ما يجعل العفن أرشيفا حيا، يضيف إلى الماضي زمنه الخاص، فتصبح كل بقعة جديدة وكل تغير في اللون وكل تآكل جزءا من تاريخ العمل نفسه.
يُفتح هنا سؤال سياسي دون أن يتحول العمل إلى خطاب سياسي، من الذي يحق له أن يكتب الذاكرة، ومن الذي يقرر ما يجب أن يبقى منها؟ في السياق السوري، حيث تتقاطع الثورة والعنف والاقتلاع والمنفى والعودة، لا يبقى هذا السؤال تجريديا. لكنه يمر عند شعيب عبر الأشياء الصغيرة، عبر ورقة وحجر وجدار وماء وعفن، كأن التاريخ نفسه، بعدما عجز الإنسان عن الإحاطة به، راح يبحث له عن أوعية أخرى يسكنها.
«العودة» ليست استعادة
عودة شعيب إلى سوريا لم تكن مجرد عودة جغرافية. حين وجد العفن في مرسمه القديم، وجد مكانا قد تغيّر ومواد تغيرت وأثرا أنتجته فترة غياب لم تكن موجودة حين رحل. تكشف العودة مقدار ما جرى في الغياب، أكثر مما تعيد الشيء إلى نقطة الصفر.
من هنا يمكن فهم تشككه في فكرة ”العودة“ نفسها، عودة إلى ماذا؟ إلى المكان الذي كان، أم إلى الذاكرة التي كانت، أم إلى صورة الوطن قبل أن يتغير؟ تقترح تجربة شعيب أن المكان لا يعود إلينا محفوظا كما تركناه، وأن ما نعود إليه يكون قد عاش زمنا آخر بمعزل عنا. تبدو المادة الحية أكثر ملاءمة لمشروعه من الصورة الثابتة، فالصورة تقول هذا ما كان، والعفن يقول هذا ما حدث بعد ذلك.
حين لا يكفي أن تمثل الطقس
في ”في تكريم تمّام“ انتقل هذا البحث كله من المادة إلى الطقس. توفي تمّام قبل أسبوع واحد من موعد المعرض، فتحول العمل من فكرة عن الطقس إلى حاجة فعلية إلى العزاء. اختار شعيب فضاء صوفيا داخل مقبرة، وانشغل بما يمكن أن يحدث إذا أصبح العمل نفسه طقسا يُؤدّى لا يُشاهَد فقط.
تبدو هذه النقلة منطقية ضمن مسار تجربته. وسّع التركيب حدود العمل ليشمل المكان والوقت والحركة والجسد معا، وذهب الطقس أبعد من العفن حين جعل المشاهد والفنان والزمن جزءا واحدا منه. صار إشعال الشموع يوميا والعناية بالمكان وحراسته أداء متكررا يحافظ على استمرار العمل حيا، لا خدمة لوجستية عابرة.
يعيدنا هذا إلى السؤال الأول عن متى ينتهي العمل. تنتهي اللوحة بتوقيع صاحبها، لكن الطقس ينتهي حين ينتهي أداؤه فقط، دون أن ينتهي أثره في اللحظة نفسها. تلتقي جربة مع العفن هنا بصورة غير مباشرة، إذ يرتبط العمل عند كليهما بالزمن الذي يحدث فيه، لا بما يبقى منه وحده.
حين ينظم الفنان الشكّ
لا تكفي المصادفة وحدها لتصنع منهجا. ما يفعله شعيب هو تنظيم عدم اليقين نفسه، يضع نظاما ثم يسمح له بالانحراف، ويختار مادة ثم يصغي إلى مقاومتها، ويترك العمل للزمن ثم يعود إليه، ويقبل تدخل العفن من دون أن يتخلى عن حقه في اختيار ما يستحق المتابعة. يحوّل الحادثة إلى بحث، والبحث إلى ممارسة، والممارسة إلى سؤال جديد يفتح على سؤال آخر.
فكرة ”التراجع خطوة“ عنده تتطلب قدرا كبيرا من الانتباه، لكي تسمح لشيء آخر بأن يعمل، عليك أولا أن تعرف متى تتدخل ومتى تكفّ عن التدخل. هذا ربما أكثر ما يميز تجربة سعد شعيب، أنه يرى في فقدان السيطرة مادة للعمل نفسه.
العفن ذاكرة
في النهاية، العفن ليس الموضوع الحقيقي في أعمال سعد شعيب، حتى لو صار من أكثر عناصر تجربته ظهورا. إنه النتيجة المرئية لسؤال أقدم منه، ماذا يحدث حين لا يعود الفنان قادرا، أو راغبا أصلا، في أن يكون المؤلف الوحيد لعمله؟ يمكن أن نقرأ التمزيق والتكرار والنظام اللوني والماء والفطريات والحجارة والطقس بوصفها أشكالا مختلفة لهذا السؤال الواحد، السؤال عمّا يمكن أن يحدث للصورة إذا لم يقرر الفنان كل شيء فيها.
تتغير وظيفة الفنان في هذا السؤال، يصبح وسيطا بين أنظمة متعددة تتقاطع فيه، الجسد والمادة والزمن والذاكرة والمكان، وكائنات لا إنسانية تشاركه صناعة عمله. الخراب موجود أصلا داخل طريقة عمله، في التمزق وفي التحلل وفي فقدان الشكل ثباته، لكنه لا يقود بالضرورة إلى نهاية. قد تصبح الورقة التي أكلها العفن أرشيفا، وقد تصبح اللوحة التي أراد الفنان التخلص منها بداية بحث طويل، وقد يتحول نظام صار سجنا إلى وسيلة لاكتشاف المجهول، وقد يتحول الحزن نفسه إلى طقس نمارسه ولا نرويه.
حين يعود سؤال ”مين عم يتذكر؟“ في نهاية هذا المسار، ربما تتذكر المادة أيضا بطريقتها الخاصة. وربما لا تكون الذاكرة في نهاية المطاف ما ننجح في الحفاظ عليه سليما، بل ما يواصل التغيّر أمام أعيننا، حاملا أثر ما جرى، عاجزا عن العودة إلى ما كان عليه من قبل. في أعمال سعد شعيب، لا يصبح العفن قط علامة على أن الذاكرة قد ماتت، بل أصدق دَلِيلًا على أنها ما زالت حية.




iThere are no comments
Add yours