المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

النساء كفريسة سهلة للخواريزميات

في اقتصاد الانتباه الذي تحكمه المشاهدات والتفاعلات والمشاركات، لا يكون المحتوى الأكثر انتشارا بالضرورة هو الأكثر عمقا أو معرفة. وغالبا ما تحظى الخطابات الاستفزازية بفرص أكبر للانتشار، خصوصا عندما تمس مواضيع حساسة وتستثير الغضب أو الخوف أو الشعور بالتهديد.

وفي هذا السياق، تصبح مهاجمة النساء وصفة سهلة لصناعة المحتوى: عنوان صادم عن المرأة الحديثة، أو خطاب عن فساد العلاقات، أو محاضرة حول أخطاء الزوجات، أو قائمة بالشروط التي يجب أن تتوفر في المرأة «المناسبة». ويمكن لصانع المحتوى أن يعيد إنتاج الرسالة ذاتها بأشكال مختلفة، مستندا إلى جمهور يجد فيها تأكيدا لأفكاره المسبقة أو تفسيرا جاهزا لإخفاقاته العاطفية.

المشكلة ليست في أن يناقش الرجال تجاربهم الشخصية أو ينتقدوا علاقات فاشلة أو يتحدثوا عن حقوقهم ومشكلاتهم. فمن حق أي إنسان أن يعبر عن ألمه، وأن يناقش الظلم الذي يعتقد أنه تعرض له. لكن الفارق كبير بين سرد تجربة شخصية وتحويلها إلى حكم عام على النساء، وبين نقد سلوك محدد وتقديم المرأة باعتبارها مشكلة اجتماعية في حد ذاتها.

وهكذا تتحول بعض البودكاستات والمنابر الرقمية إلى محاكم افتراضية، تُناقَش فيها النساء وكأنهن  فئة واحدة، وتُختزل تجاربهن في قوالب جاهزة، وتصبح كراهية النساء، أو التقليل من شأنهن، مادة قابلة للتداول.

من أندرو تيت إلى تونس: كيف أصبحت الذكورية نموذجا اقتصاديا؟

أندرو تيت، الملاكم السابق وصانع المحتوى البريطاني الأميركي، من أبرز الأسماء المرتبطة بالخطاب الذكوري المتشدد على الانترنت. وقد ساهم حضوره المثير للجدل في انتشار خطاب يربط الرجولة بالقوة والثراء والاستقلال المادي والقدرة على فرض السيطرة، ويقدم النساء في كثير من تصريحاته ضمن تصورات تقوم على التراتبية والهيمنة. وبذلك أصبح من الممكن أن يتحول الجدل نفسه إلى وسيلة لبناء العلامة الشخصية (personal branding) وتحقيق الشهرة والأرباح.

غاتوزو أو صناعة الرجل المثالي

في المشهد التونسي، لا يقتصر هذا الخطاب على شخصيات إعلامية أو ضيوف بودكاستات يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء في العلاقات، بل يمتد أيضا إلى بعض صناع المحتوى الذين يستثمرون في صورتهم الشخصية وفي حضورهم على المنصات الرقمية لتسويق تصورات معينة عن الرجولة.

ومن الأسماء التي يمكن التوقّف عندها في هذا السياق ”غاتوزو“، وهو اسم يُتداول لشخصية تونسية معروفة في مجال صناعة المحتوى الإباحي.

 هذا التصور الذي يروَّج له هذا النوع من الخطاب، تُستثنى الأم من دائرة النساء اللواتي يُنظر إليهن بسلبية، بينما تُعمَّم أحكام مهينة على بقية النساء، وتُختزل صورتهن في نماذج توصف بأنها «سيئة السمعة» أو «منحلة أخلاقيا ً».

وتبرز في هذه الصورة مفارقة تستحق التأمل: فالشخصية التي ترتبط شهرتها بمجال المحتوى الإباحي يمكنها، في الوقت نفسه، أن تسوق خطابا محافظا أو متشددا في ما يتعلق بعلاقة الرجل بالنساء، وأن تقدم الابتعاد عنهن باعتباره شرطا للتركيز والانضباط وتحقيق التفوق الجسدي.

في نفس السياق، يُروَّج هذا النوع من المحتوى صورة الرجل الذي يمتلك ما يسمّونه «الطاقة الذكورية العالية». رجل يمارس الرياضة بانتظام، ويفضل البعض أن تكون رياضة قتالية أو تمارين كمال الأجسام ورفع الأثقال، ويتبع نظاما غذائيا صحيا، ويهتم بمظهره ولياقته البدنية، ويبتعد عن الاحتكاك بالنساء بوصفهن مصدر تشتيت للتركيز والوقت والمال وصولا إلى اتهامهن بأنهن السبب في الابتعاد عن الأخلاق والدين.

ليست ممارسة الرياضة أو العناية بالجسد أو الاهتمام بالصحة النفسية أمورا تستحق النقد، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الممارسات إلى مؤشرات ”حصرية“ على الرجولة، وعندما يُختزل الرجل في عضلاته ومستويات هرمون التستوستيرون لديه وقدرته على فرض الحدود والسيطرة، ومدى التزامه بنموذج جاهز للذكورة ليكون بذلك الرجل المثالي.

الذكورية السامّة والذكورية الهشّة: ما الذي يخفيه الخطاب؟

لفهم هذه الظاهرة، لا بد من التوقف عند مفهومين أساسيين في النقاشات المعاصرة حول النوع الاجتماعي: «الذكورية السامّة» (Toxic Masculinity) و«الذكورية الهشّة» (Fragile Masculinity).

لا تعني الذكورية السامّة أن الرجال سامون بطبيعتهم، ولا ان كل سلوك يُنسب إلى الرجولة هو سلوك سلبي. يشير المصطلح إلى مجموعة من المعايير والتوقعات الاجتماعية المرتبطة بالرجولة، والتي تصبح مؤذية عندما تمجد الهيمنة والعنف والسيطرة، وتعتبر كبت المشاعر علامة على القوة، وتربط قيمة الرجل بقدرته على إخضاع الآخرين أو إثبات تفوقه عليهم.

وفي العلاقات العاطفية، قد يظهر ذلك في اعتبار الغيرة المفرطة دليلا على الحب، أو التعامل مع المرأة باعتبارها ملكية، أو اعتبار استقلالها ونجاحها تهديدا لمكانة الرجل. أما الذكورية الهشة، فتشير إلى الحالة التي تصبح فيها صورة الرجل عن رجولته شديدة الحساسية تجاه أي تصرف يراه تهديدا لها. فبدلا من أن تكون الرجولة شعورا مستقرا بالذات، تتحول إلى هوية تحتاج باستمرار إلى الإثبات والدفاع عنها. وقد يظهر ذلك في السخرية من الرجال الذين يعبرون عن مشاعرهم، أو مهاجمة النساء المستقلات، أو رفض أي نقاش حول الامتيازات الذكورية، أو اعتبار النقد الموجه إلى هذه الامتيازات إهانة شخصية.

النسوية في تونس: خصم جاهز لخطاب ذكوري صاعد

في المقابل، يكتسب هذا الخطاب الذكوري بعدا إضافيا عندما يتوجه إلى النساء اللواتي يدافعن عن حقوقهن، وخصوصا النسويات والناشطات في مجال المساواة. فقد أصبحت كلمة «نسوية» في بعض النقاشات تُستخدم باعتبارها تهمة، وتُقدم النسوية على أنها عداوة للرجل أو مشروع لتفكيك الأسرة أو دعوة إلى التمرد على المجتمع.

وتُختزل بذلك حركة فكرية واجتماعية متنوعة في صورة كاريكاتورية يسهل مهاجمتها. فالنسوية، في جوهرها، ليست مطالبة بمنح النساء سلطة مطلقة على الرجال، ولا إعلان حرب على الأسرة، بل هي مساءلة للعلاقات غير المتكافئة، والدفاع عن حق النساء في الكرامة والأمان والاستقلال والمساواة أمام القانون وفي الحياة اليومية.

ولا يعني ذلك أن كل طرح نسوي فوق النقد، أو أن الاختلاف في الآراء حول قضايا النساء ينبغي أن يكون ممنوعا. بل ان النقاش الحر ضروري، بما في ذلك نقد بعض المواقف النسوية. لكن النقد شيء، والتحريض على النساء أو التشهير بهن أو إهانتهن بسبب آرائهن شيء آخر تماما.

والمفارقة أن بعض النساء اللواتي يخضن هذه النقاشات في الفضاء العام يجدن أنفسهن أمام موجات من السبّ والقذف والتعليقات المهينة، وقد تتجاوز الهجمات افكارهن ومواقفهن لتطال أجسادهن وأشكالهن وأعمارهن وصفاتهن الشخصية. ويُعرف هذا النوع من الإهانة المرتبطة بالمظهر الجسدي بمصطلح «التشهير بالجسد» (Body Shaming).

أمّا الرجل الذي يقدم خطابا معاديا للنسوية، فقد يجد في المقابل منبرا وجمهورا يحتفيان به، بل قد تتحول حدّة هجومه إلى عنصر من عناصر شعبيته. وهنا لا نتحدث عن حق الرجال في التعبير عن آرائهم، وهو حق لا ينبغي النقاش فيه، بل عن تفاوت في طبيعة الاستقبال الاجتماعي: امرأة تدافع عن حقوق النساء فتُستهدف شخصيا، ورجل يهاجم النساء أو النسويات فيُكافأ أحيانا بالمشاهدات والتصفيق.

المطلّقات ومعركة استعادة السيطرة

ومن بين الفضاءات التي يجد فيها الخطاب الذكوري المتشدد صدىً واضحا، النقاشات المرتبطة بالطلاق والمرأة المطلّقة. ففي مجتمع ما زالت فيه بعض التصورات التقليدية تربط قيمة المرأة بوضعها العائلي، قد تتحول تجربة الطلاق إلى وصمة اجتماعية، وقد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى الدفاع عن اختياراتها وكرامتها وحياتها الخاصة.

وتصبح بعض النقاشات حول الطلاق منصة لتعميم التجارب الشخصية، خصوصا عندما يستند الخطاب إلى قصص رجال عاشوا علاقات فاشلة أو نزاعات مع طليقاتهم وخاصة في صورة ما وجد نزاع حول موضوع النفقة. فبدلا من مناقشة كل حالة في سياقها، تُقدَّم المرأة المطلّقة أحيانا باعتبارها نموذجا للمرأة التي لا يمكن الوثوق بها، أو أنها السبب الرئيسي في فشل العلاقة، ما يجعلها موصومة.

لا يمكن إنكار أن الطلاق قد يكون تجربة مؤلمة لجميع الأطراف، وأن بعض الرجال قد يتعرضون بدورهم للظلم أو الإيذاء أو النزاعات غير العادلة. لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يبرر تحويل الألم الشخصي إلى عداء جماعي تجاه النساء، ولا ينبغي أن يتحول حق الرجل في الحديث عن معاناته إلى امتياز يسمح له بتجريد امرأة أخرى من حقها في الخصوصية والكرامة، خصوصا حين تُستعمل المنصات الرقمية لتصفية الحسابات الشخصية أمام جمهور واسع.

مجلة الأحوال الشخصية: من مكسب تاريخي إلى متّهم

ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن النقاشات التي تتجدد في تونس حول مجلة الأحوال الشخصية، بما في ذلك الدعوات إلى مراجعة بعض أحكامها أو تغييرها، وأحيانا التشكيك في منطلقاتها ومكتسباتها برمتها.

مثلت المجلة تحولا جذريا في تنظيم الأسرة التونسية بعد الاستقلال، ومن أبرز ما كرّسته منع تعدد الزوجات وإقرار الطلاق القضائي، في سياق تاريخي كانت فيه هذه الخيارات القانونية متقدمة مقارنة بكثير من التشريعات السائدة في المنطقة. وقد أسهمت، إلى جانب إصلاحات أخرى، في إعادة رسم موقع المرأة داخل الأسرة والمجتمع.

لكن الاعتراف بأهمية هذا الإرث لا يعني التعامل معه باعتباره نصا مقدسا لا يقبل النقاش أو المراجعة لكن المشكلة تبدأ حين تُقدَّم المجلة باعتبارها السبب الرئيسي في تفكّك الأسرة التونسية أو تراجع مكانة الرجل. إن تحميل مجلة الأحوال الشخصية بصفة عامة وحقوق المرأة المكتسبة بصفة خاصة مسؤولية أزمات الأسرة، من دون تقديم أدلة جدية أو تحليل اجتماعي وقانوني، يحول النقاش من تقييم السياسات والتشريعات إلى البحث عن متهم جاهز. والأخطر أن يصبح استهداف المجلة والمرأة جزءً من خطاب أوسع يحن إلى نموذج أسري تكون فيه سلطة الرجل غير قابلة للمساءلة، وتُختزل فيه استقامة الأسرة في طاعة المرأة.

بين النصّ القانوني والواقع: أيّ حماية للنساء في تونس؟

رغم تقدمية التشريعات في تونس، من بينها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، ما زالت النساء يواجهن أشكالا متعددة من العنف، بما في ذلك العنف الأسري والعنف الاقتصادي والتحرش والعنف الرقمي، فضلا عن جرائم قتل النساء على أساس النوع الاجتماعي. وتظل المسافة بين النصوص القانونية وتطبيقها الفعلي، وبين الاعتراف بالحقوق والقدرة على ممارستها، من أبرز التحديات التي تستوجب المعالجة.

ومن هنا، فإن المفارقة ليست في أن تونس منحت النساء حقوقا أكثر مما ينبغي، بل في أن الاعتراف القانوني بحقوقهن لم يمنع استمرار انتهاكها، وفي أن بعض الخطابات العامة والفكر الذكوري يتعامل مع المطالبة بالمساواة باعتبارها تهديدا، بينما لا تحظى قضايا العنف والتقتيل والتمييز بالاهتمام نفسه الذي تحظى به المعارك الأيديولوجية حول المرأة في حد ذاتها.

من التضامن إلى محاكمة الضحية: قضية الطفلة يقين واختبار الخطاب الذكوري

إذا كان الخطاب الذكوري المتصاعد في تونس يجد فضاء رحبا على منصات التواصل الاجتماعي والبودكاستات، فإن بعض ردود الأفعال التي رافقت قضية الطفلة يقين تكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول هذا الخطاب من مجرد آراء حول الرجولة والعلاقات بين الجنسين إلى منظومة متكاملة من الأحكام الأخلاقية التي تنتهي، في نهاية المطاف، إلى تحميل النساء والفتيات مسؤولية العنف الذي يتعرّضن له.

لقد هزّت قضية الطفلة يقين الرأي العام التونسي، وأثارت موجة من التعاطف والغضب إزاء ما تعرضت له، وفق ما تم تداوله بشأن القضية، من اعتداء جنسي منسوب إلى مجموعة من الشباب. وفي البداية، بدا أن هناك إجماعا واسعا على إدانة الاعتداء والتضامن مع الضحية. غير أن هذا التعاطف لم يصمد طويلا لدى بعض الأصوات التي سرعان ما انتقلت من إدانة العنف إلى البحث في الظروف الاجتماعية للطفلة وحياتها الخاصة ونشاطها على منصات التواصل الاجتماعي في خطاب لم يقتصر هذه المرة على الرجال، بل لاحظنا كذلك انخراطا للنساء في موجة المحاكم الأخلاقية الافتراضية. 

الرضا ليس تفصيلا: حين يتجاهل النقاش هذا المفهوم

ومن بين الجوانب المثيرة للقلق في قضية الطفلة يقين ان كثيرا من التعليقات انشغلت بتفاصيل سلوك الطفلة وظروف الواقعة، من دون أن يظهر في النقاش العام اهتمام مماثل بمفهوم أساسي في العلاقات الجنسية: الرضا أو الموافقة (Consentement).

فالرضا ليس مجرد غياب المقاومة، ولا يمكن استنتاجه من الملابس أو الرقص أو الحضور في مكان معين أو من طبيعة العلاقة السابقة بين الأشخاص. كما أن الصمت أو الخوف أو عدم القدرة على المقاومة لا يعني الموافقة. ولا تمنح اي تصرفات سابقة شخصا آخر حقا دائما في جسد الإنسان.

ففي حالة القاصرين، لا يمكن إسقاط القواعد الخاصة بحماية الأطفال والتعامل مع الواقعة بمنطق العلاقة الرضائية بين بالغين.

إن تجاهل هذه المبادئ كشف من خلال واقعة الطفلة يقين بالإضافة إلى النظرة الذكورية الفوقية، خللا جسيما في الثقافة الجنسية والقانونية لدى الكثير من المتفاعلين، حيث يُنظر إلى مسؤولية الفتاة عن سلوكها باعتبارها أمرا بديهيا، بينما لا تحظى مسؤولية الشخص الذي يعتدي على جسدها بالوضوح نفسه.

أيّ رجولة نريد؟

ربما لا تكمن المشكلة الأساسية في أن الذكورية أصبحت موضة، بل في أنها تُقدَّم أحيانا بوصفها إجابة جاهزة عن أزمات حقيقية يعيشها بعض الشباب: القلق بشأن المستقبل، والبطالة، والهشاشة الاقتصادية، والشعور بفقدان المكانة الاجتماعية، وصعوبة بناء علاقات عاطفية مستقرة في عالم يتغير بسرعة.

في مواجهة هذه المخاوف، يقدم خطاب الذكورية المتشددة وعدا بسيطا: اتبع هذه القواعد، ابنِ جسدك، اجمع المال، ابتعد عن النساء اللواتي لا يخدمن أهدافك، ولا تُظهر ضعفك، وستصبح رجلا لا يمكن المساس به. إنه وعد جذّاب لأنه يحول مشاكل معقدة إلى وصفة سهلة، ويمنح متابعيه شعورا بالسيطرة في عالم لا يستطيعون التحكم في كثير من تفاصيله.

لكن بناء الذات لا يتطلب احتقار الآخر، والاستقلال لا يعني العداء للنساء، والاهتمام بالصحة لا يستوجب تحويل الجسد إلى معيار وحيد للقيمة الإنسانية. كما أن الرجولة لا تُقاس بقدرة الرجل على إخضاع المرأة أو تجنبها، بل بقدرته على بناء علاقة متوازنة، وتحمل المسؤولية، واحترام الحدود، والتعامل مع الاختلاف من دون اللجوء إلى الإهانة أو العنف.

ولا يعني ذلك أن على الرجال التخلي عن اهتماماتهم أو طموحاتهم أو تصوراتهم الشخصية للعلاقات. بل يعني ان هذه الخيارات لا تصبح أكثر قيمة عندما تُبنى على الانتقاص من النساء أو حرمانهن من حقهن في الاختيار والاستقلال.

وفي تونس، كما في بقية العالم، لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بمنع النقاش أو الوصم بالعداء لكل من يتحدث عن مشاكل الرجال. المطلوب هو فتح نقاش جاد حول الذكورة والصحة النفسية والعلاقات والتربية، وإتاحة المجال لرجال ونساء قادرين على تقديم تصورات أكثر توازنا، بعيدا عن الاستقطاب وعن تحويل الخلاف بين الجنسين إلى معركة دائمة.

كما أن على المنابر الإعلامية والبودكاستات التي تستضيف هذه الشخصيات أن تتحمّل مسؤوليتها التحريرية. فاستضافة صاحب خطاب مثير للجدل ليست في حد ذاتها مشكلة، لكن تقديم ادعاءاته من دون مساءلة، أو التعامل معه باعتباره مرجعا في علم النفس والعلاقات لمجرد امتلاكه جمهورا، يحول الإعلام من فضاء للنقاش إلى أداة لتكريس الصور النمطية.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال كيف نصنع رجلا أكثر ذكورية، أو امرأة أكثر طاعة، بل كيف نبني مجتمعا يستطيع فيه الرجال والنساء أن يعيشوا علاقاتهم من دون خوف أو إذلال أو حاجة دائمة إلى إثبات التفوّق.

فالرجولة التي تحتاج باستمرار إلى عدو كي تثبت وجودها ليست بالضرورة رجولة قوية. والمحتوى الذي لا يستطيع بناء جمهوره إلا من خلال مهاجمة النساء لا يقدم حلولا لأزمات الرجال، بل قد يعيد إنتاجها في صورة أكثر رواجا وربحية.