ما يجري اليوم لم يعد مجرد تقلب عابر في الأسواق أو موجة مؤقتة من الارتفاع في الأسعار، بل تحول إلى اختبار فعلي لقدرة الدولة على حماية توازناتها المالية والاقتصادية في لحظة دولية شديدة الاضطراب، فخام برنت قفز وفق معطيات الجمعة 28 مارس إلى حدود 112.57 دولارا للبرميل، في حين بني قانون المالية لسنة 2026 على فرضية لا تتجاوز 63.3 دولارا، وهذا يعني أننا أمام فارق يناهز 49.27 دولارا، أي زيادة تقارب 77.8 % مقارنة بالسعر المرجعي المعتمد في الميزانية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد فرق حسابي بين رقمين، بل باتساع خطير بين الفرضيات التي تأسست عليها الميزانية وبين واقع جيوسياسي واقتصادي جديد يضغط بقوة على الاقتصاد العالمي وينعكس بصورة مباشرة على اقتصاد هش ومفتوح مثل الاقتصاد التونسي.
تزداد خطورة هذا المعطى حين نربطه بالكلفة المباشرة التي يمكن أن يخلّفها على المالية العمومية، فبحسب التقديرات المتداولة في تونس فإن كل دولار إضافي فوق السعر المعتمد في قانون المالية يكلف الميزانية ما بين 160 و164 مليون دينار، وعلى هذا الأساس فإن بقاء البرميل عند مستوى 112.57 دولارا يعني أعباء إضافية تقديرية تتراوح بين 7.88 و8.08 مليارات دينار، وحتى إذا اعتمدنا فرضية أقل حدة أي في حدود 110 دولارات للبرميل فإن الكلفة الإضافية تبقى مرتفعة جدا بين 7.47 و7.66 مليارات دينار. هذه الأرقام حتى وإن بقيت تقديرية ومرتبطة بتطورات السوق ومدة استمرار الأزمة تكفي وحدها لإظهار حجم الصدمة المحتملة إذا تواصل هذا المستوى للأسعار ولم تتخذ إجراءات عاجلة وفعالة لتخفيف أثره.
وإذا أضيفت هذه الكلفة إلى العجز المقدر أصلا في حدود 11 مليار دينار ضمن ميزانية 2026 فإن العجز المنتظر (النظري) قد يرتفع إلى ما بين 18.88 و19.08 مليار دينار في حال استقرار السعر عند 112.57 دولارا أو إلى ما بين 18.47 و18.66 مليار دينار حتى في فرضية 110 دولارات فقط. والمعنى هنا لا يقتصر على تسجيل أرقام أعلى في وثيقة مالية، بل يشير إلى احتمال انزلاق خطير في توازنات الميزانية في وقت تبدو فيه الموارد العمومية أصلا محدودة وهوامش التدخل المالي والنقدي ضيقة وقدرة الدولة على امتصاص الصدمات أقل بكثير مما تتطلبه مثل هذه المرحلة.
غير أن النفط ليس سوى العنوان الأول للأزمة، لأن الارتدادات لا تقف عند حدود المحروقات وحدها، فالتوترات الجارية دفعت كذلك إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا وسط تحذيرات متزايدة من أثر طاقي وتضخمي واسع، وبالنسبة إلى تونس بوصفها بلدا مستوردا للطاقة فإن أي ارتفاع في أسعار الغاز لا ينعكس فقط على فاتورة التوريد بل يمتد إلى كلفة إنتاج الكهرباء وإلى كلفة الإنتاج بالنسبة إلى المؤسسات وإلى مجمل التوازنات الخارجية، وهو ما يعني أن الصدمة لا تبقى محصورة في بند واحد من بنود الإنفاق بل تتوزع على مستويات متعددة من الطاقة إلى الصناعة، ومن المالية العمومية إلى أسعار الخدمات والمواد الاستهلاكية.
ثم تأتي الحلقة الأخرى من هذه الأزمة، وهي حلقة النقل والشحن والمواد الأولية، فحين يرتفع النفط ترتفع معه كلفة الشحن البحري والبري وكلفة التأمين والنقل اللوجستي، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار المواد الموردة للإنتاج الصناعي والفلاحي، وفي اقتصاد مثل الاقتصاد التونسي الذي يعتمد في جزء كبير من حاجياته على الخارج، فإن هذا الارتفاع لا يعني فقط ضغطا إضافيا على المؤسسات، بل يعني أيضا مزيدا من التضخم ومزيدا من التآكل في القدرة الشرائية ومزيدا من الصعوبات التي تواجهها المؤسسات للحفاظ على توازنها واستمرارية نشاطها.
ولا يبدو أن المسألة ستتوقف عند حدود الميزانية والطاقة فقط لأن ارتفاع كلفة النفط والغاز والشحن والمواد الوسيطة في الوقت نفسه يمكن أن يمدّ أثر الأزمة إلى كامل الدورة الاقتصادية: من كلفة النقل الداخلي إلى أسعار السلع الاستهلاكية إلى كلفة الإنتاج الصناعي، إلى مستوى التضخم، إلى الضغط على احتياطي العملة الصعبة، وهنا السؤال ليس تقنيا فقط بل يصبح سياسيا بامتياز: هل تم تشكيل خلية أزمة فعلية تشتغل على السيناريوهات المحتملة وتتابع أثر هذه التطورات قطاعا بقطاع وتستعد لإدارة الانعكاسات قبل أن تتحول إلى أزمة مركبة؟ أم أن الدولة ما زالت تتعامل مع الخطر بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستعداد؟
صحيح أن هناك عنصرا واحدا قد يوفّر متنفسا نسبيا، ويتمثل في الغاز الجزائري العابر نحو إيطاليا عبر الأنبوب المار من تونس، فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن تونس تستفيد من إتاوة تقدّر بـ5.25 % على هذا الأنبوب وأن هذه المداخيل يمكن أن تتحسن مع زيادة الضخ، غير أن هذا العامل مهما كانت أهميته يظل في أفضل الأحوال عامل تخفيف جزئي لا تعويضا فعليا عن صدمة نفطية وغازية وتجارية بهذا الحجم، فما قد تكسبه تونس من عبور الغاز يظل محدودا مقارنة بما يمكن أن تخسره من انفلات أسعار الطاقة وارتفاع كلفة الواردات وتفاقم أعباء النقل والشحن والمواد المستوردة.
ومن هنا يتضح أن الإشكال لم يعد اقتصاديا صرفا، بل أصبح سياسيا أيضا، فهناك انطباع يتعزز يوميا بأن النظام الحاكم في تونس يبدو في حالة بهتة أمام التحولات الجارية، فلا خطة طوارئ معلنة بالوضوح المطلوب ولا خطاب رسمي يشرح للرأي العام حجم المخاطر ولا مؤشرات كافية على تعبئة دولة بكل أدواتها للاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وقد سبق أن ظهر في أكثر من مناسبة أن المعضلة لا تكمن فقط في محدودية الإمكانيات بل أيضا في غياب المشروع وغياب البرنامج، وها هي الأزمة الراهنة تعيد طرح هذه المسألة من جديد، ولكن هذه المرة على أرض أكثر صلابة وقسوة: أرض الأرقام والأسعار، والعجز، والقدرة الفعلية على الحكم.
فالأزمات الكبرى لا ترحم الأنظمة التي تعيش على إدارة الانطباع ولا تمنح وقتا إضافيا للسلطات التي تؤجل القرار وتراهن على أن تهدأ العاصفة من تلقاء نفسها.




iThere are no comments
Add yours