افتتاحية
مؤتمر يعقد في ظروف استثنائية، بإعلان النقابة الوطنية يوم 8 سبتمبر الماضي حالة الطوارئ الصحفية، بعد الزج بالصحفي محمد اليوسفي في السجن، ليلتحق بزملائه منخرطي النقابة خلف القضبان زياد الهاني ومراد الزغيدي إضافة إلى الإعلامي برهان بسيس. مؤتمر يعقد وعدد آخر من الصحفيين بين السرّية والمنفى حتى لا تُخرسهم السجون والملاحقات البوليسية. مؤتمر برهانات كبرى تدافع فيه النقابة عن كرامتها واسمها الذي لطّخه بعض حملة المصادح ممن دفعتهم الضحالة الفكرية والتملّق للسلطة إلى ترديد تخاريف المؤامرات والدفاع علنا دون حياء عن نظريات فاشية عنصرية تكاد تخنق البلاد وتفصلها عن ثقافتها وتاريخها وحضارتها.
سياق صعب قاس تمرّ به البلاد والقطاع الصحفي، يتطلّب من المترشحات والمترشحين لتحمل مسؤولية بحجم نقابة الصحفيين شجاعة وتمرّسا، والأهم حدا أدنى من الإنسانية والصدق، ودراية بكيفية الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للصحفيين ووضوحا للرؤيا في الدفاع عما تبقى من حقوق وفي استرجاع مناخ الحريات للصحفيين وللمجتمع بأسره، فنضالاتنا لم ولن تكون أبدا بمعزل عن نضالات القوى الحية للشعب في فرض حرية الرأي والتعبير التي صار جليا وبالوقائع عمل السلطة على خنقها، لتُقفر الساحة وتغيب منابر الحوار، فلا تجد صوتا عقلانيا يفسر أسباب أزمات الماء والكهرباء مثلا و يفتح الباب للمشاركة بالرأي في التوصل إلى قرارات سليمة ينسحب أثرها على كل البلاد ومواطنيها، ولا تستأثر بها أقلية بحجة القوة لا بقوة الحجة.
وهنا يتطلّع مجتمع بأسره لانتخابات المكتب التنفيذي المنتظرة ولمنخرطات ومنخرطي نقابة الصحفيين في حسن الاختيار والأهم دقة الرسائل التي سيوجهها هذا المؤتمر. هي إذا مسؤولية تاريخية تفرض على الصحفيات والصحفيين ترك منطق الشلة والصحبة في الاقتراع، فقد تكون زميلتك أو صديقك مترشحا وقد بدأ فعلا في هرسلتك لضمان صوتك، لكنك لحظة التصويت ستكون في خلوة مع ضميرك في لحظة إدراك تميز فيها جيدا بين النقابي الحق وبين من لم يتحرك يوما إلا على مصلحته الخاصة، بين من يقدر على المواجهة وحسن إدارة النزاعات مع الأعراف زمن الصعوبات وبين من لا يقدر إلا على التشويه والدسائس والأحاديث الجانبية ليضمن فقط مصلحته الخاصة.
كان الود لو تقدمت قائمة واحدة موحدة تمثل كل القطاع الصحفي، لأنه من العبث اعتبار السياق انتخابيا عاديا، بل يتنزل ضمن ظرفية الدفاع عن البقاء في وجه الرداءة الزاحفة التي تكاد تأتي على البلاد بمن وما فيها، قائمة توجه رسالة لرفع الغشاوة بأن أسوار نقابتنا عالية، شيدناها أوج استبداد بن علي وهزمنا وقتها ماكينة حزب الادارة الحاكم ومن تحالف وانقلب معها طمعا أو سذاجة. لكن لا بأس حتى بوجود 15 ترشحا..تخيلوا للحظة الرسالة التي سيوجهها القطاع متحدا إن حصدت قائمة، بقطع النظر عن الأسماء التي تضمها، الأغلبية الساحقة من الأصوات..
لن نعود هنا إلى ذكريات نضالات سنوات التأسيس، لكن وعدا سنعود إليها بالتفاصيل حفظا للتاريخ والذاكرة من التزييف والتلف، ما يهمني اليوم أن زميلنا سجين الكلمة الحرة الشجاعة زياد الهاني العضو المؤسس للنقابة يقبع خلف القضبان عقابا على جرأته ورأيه، ماذا لو يمنحه المؤتمر الرئاسة الشرفية، رئاسة شرفية للنقابة لا للمؤتمر فقط، سينزل الخبر بردا وسلاما على عزيزنا زياد وعائلته التي تكابد عذابات المحاكم و”القفة“ والشوق والفراق كل يوم وكل أسبوع، وستكون رسالة شديدة اللهجة لمن يريد أن يُخفت صوته المزلزل خلف ظلام القضبان.
وتواصلا مع ما يمكن أن نقدمه عبر هذا المؤتمر الموعود، أن يوصي في لائحته بتأسيس لجنة جديدة، لجنة الصحفيين المساجين والملاحقين، تتولى متابعة الأوضاع والاقتراب من العائلات والتواصل الدائم مع فرق الدفاع محليا ودوليا حتى لا يُنسى فرسان الكلمة الحرة في السجون ولا يشعر من دُفع إلى المهجر أو السرية أنهم بمفردهم دون سند، قد يكونون بعيدين عن أعيننا لكنهم لا يفارقون قلوبنا وعقولنا.
إن ما حصل منذ أيام لفريق نواة الصحفي الشاب، من استدراج واختطاف بوليسي بشاحنة توصيل، والهرسلة التي تترك أثرا نفسيا مدمرا يدركه جيدا من خبر الهرسلة البوليسية زمن بورقيبة وبن علي، كان رسالة لكل القطاع الصحفي علينا أن نحسن فهمها والتعامل معها،لا خوفا وجبنا وانكفاء على الذات وغرقا في سماع الهذيان الانهزامي المدمر لمستقبل القطاع، وإنما لنترك الانتظار ورد الفعل ونمر إلى المبادرة وتحريك المياه الراكدة لإعادة الحياة والحركة إلى قطاع صار يُنعت ”بإعلام الطناجر“ رغم مربعات المقاومة الصحفية التي تمثل نبراسا ينير الدرب ويطرد العتمة رغم ظلام الليل. انظروا غير بعيد عنا حال الزملاء في مصر وما حصل قبل أيام لفريق تحرير منصة ”ما تصدقش“ الذين نتضامن معهم تضامنا مطلقا ونساندهم قولا وفعلا، سيكون مصيرنا في تونس مماثلا لو واصل القطاع هذا التطبيع المذل مع الرداءة والهرب من المواجهة وتحمل المسؤوليات.
لكل ما سبق وغيره كثير، لن يكون هذا المؤتمر عاديا ينتهي بانتهاء التصويت وصعود قائمة وتوزيع المسؤوليات بعد أسبوع، سيكون مؤتمرا حاسما لمستقبل القطاع برمته لا أراه في رهاناته يختلف كثيرا عن مؤتمر التأسيس، والذي للمفارقة كنت الصحفي الوحيد المنخرط الذي منعه البوليس السياسي لبن علي بالقوة ثم بالمطاردة طوال اليوم من دخول قاعته يوم الأحد 13 جانفي 2008، فبين تاريخ التأسيس النقابي، الذي لا يعني البتة تنكرا لما سبقه زمن جمعية الصحفيين، وبين مؤتمر أكتوبر 2026 تعاقبت مكاتب ونساء ورجال نعتز بذكراهم أيما اعتزاز ناضلوا معنا وفارقونا كالعزيزة على قلوبنا الرئيسة نجيبة الحمروني والرفاق الأعزاء الذين خلّد التاريخ ذكراهم يوسف الوسلاتي وخميّس العرفاوي ومحمود العروسي.. والعشرات من الزميلات والزملاء رحمة الله عليهم جميعا، كلهم وكلهن يحملوننا اليوم مسؤولية تاريخية في الحفاظ على هذا الصرح الأبي عالي الأسوار.
عاشت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين
الكلمة الحرة قوام الوطن الحر




iThere are no comments
Add yours