democratie-participative

بقلم عصام الدين الراجحي، ناشط سياسي،

عندما طالب الشعب باسقاط النظام في تونس، لم يكن لديه تصوّر مُفصّل حول طبيعة نظام ما بعد الثورة تتعدّى كونه نظاماً ديمقراطياً يتميّز بالشفافية واحترام حقوق المواطن وانعدام الفساد والمسؤليّة امام الشعب. ولكن بروز نزاعات إستبدادية بين مختلف القوى السياسية وممارسات اقصائية وحالة من الاحتقان والشعور بالاحباط في البلاد التي شهدت سقوط النظام القديم، كلّها تنبع من تجاهل عام لاطروحة مبدئية وبسيطة، ألا وهي أن النظام الأكثر مناسبة لمرحلة ما بعد الثورة هو نظام يُجسّد روح الثورة. ولكن بدلاً من التفكير الخلاق حول ماهية روح الثورة وكيفية تجسيدها، اتجهنا فوراً إلى بناء أنظمة تعتمد أنماطاً مألوفة من التجربة الغربية، حيث تتمحور الحياة السياسية حول الأحزاب وصراعاتها وتحالفاتها والانتخابات التي تُنتج مجلساً يُمثّل جزءا من الشعب، ولكن لا يُمكّن الشعب من ممارسة السياسة والقرار بشكل مباشر.

إن الاستحقاق الأكبر للثورة التونسية هو الاستحقاق الاجتماعي الديمقراطي، وأن الغاية من الثورة ليست مجرد منح بضع عشرات الأحزاب تراخيص العمل السياسي القانوني وخوض لعبة الانتخابات بهدف التداول السلمي الديمقراطي على الحكم. إن كل المخاض السياسي الذي تلا الثورة قد تمحور حول الصراع على كراسي الحكم بين الإسلاميين والعلمانيين وتُركت مطالب الشعب الاجتماعية جانبا، وهي المطالب الدائرة أساسا حول إنهاء حالة التفاوت التنموي المجحف بين الجهات ومعالجة مشكل البطالة وتشغيل الشباب ومعالجة أزمة الإصلاح المدرسي وعدم تناسب الاختيارات التربوية مع مطامح الشباب الاجتماعية وتحسين ظروف عيش الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى التي اقتربت من حافة الفقر…الخ.

إن الديمقراطية على الشاكلة الحزبية النيابية الكلاسيكية الغربية نراها تمثل عبئا كبيرا على الثورة ومدخلا خطيرا للثورة المضادة والتدخل الخارجي في الشأن الوطني والاستغلال الفاحش لثروات البلاد إذا لم تستغل كمرحلة عابرة نحو الديمقراطية التشاركية التي هي من جنس الثورات الاجتماعية لكونها تجسد مشاركة قوى الثورة الشبابية والاجتماعية في الحكم وفي التوزيع العادل للثروة والتنمية.

ولكن التطبيق الفوري للديمقراطية التشاركية يستوجب تقوية المجتمع المدني وإصلاح المنظمات الوطنية التي كانت موالية للنظام السابق والقضاء على الروح الحزبية في العمل الجمعياتي وإلى ضرب الشعبوية المربكة ووضع الصراع السياسي والإيديولوجي جانبا لضمان نجاح مقاصد المشروع الديمقراطي التشاركي.

لذلك وبعد ضمان نجاح إمتحان الانتخابات التشريعية والرئاسية بإمتياز و قبيل الإستحقاق الإنتخابي المحلي والجهوي يستوجب على المشرع والسياسي التونسي التفكير في تجسيم فصول الباب السابع من الدستور والبدأ في تركيز أشكال من الديمقراطيات المحلية ذات البرامج الاجتماعية والتنموية والثقافية والتربوية المشركة للشباب ولقوى المجتمع المدني في تسيير البلاد في مختلف الجهات، إعتمادا على الديمقراطية التشاركية المحلية و سياسة القرب المنطلقة من الأطراف إلى المركز خيارا سياسيا اجتماعيا استراتيجيا.. ولكن لماذا هذا الحرص على تجسيم الديمقراطية التشاركية ؟

نشأة وتطور الديمقراطية التشاركية

البحوث والدراسات التي تناولت إشكالية الديمقراطية التشاركية تشير إلى أن الفضل في بروزها يرجع إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الستينيات من القرن الفائت، حيت أن مواجهة الفقر والتهميش كانتا من بين العناصر الأساسية في الكشف عن أهمية الديمقراطية التشاركية، فمن خلال أسلوب الحوار والتشاور مع المواطنين بشأن كيفية تدبير الشأن العام وصنع القرار الكفيل لمواجهة التحديات المطروحة محليا، أسفرت الحصيلة بأن خلق نخبة محلية من المواطنين العاديين كان لها القدرة والقوة لطرح الحلول الملائمة للمشاكل المطروحة ولمواجهة النخبة المهيمنة محليا والمتكونة من القوى الضاغطة والفاعلين في الحقل المحلي. 

وفي اروبا الغربية، تناثرت الدعوات هنا وهناك، ومن أبرزها دعوة مؤتمر للاتحاد الأوربي حول الديمقراطية التشاركية المنعقد بالعاصمة البلجيكية بتاريخ 8 و 9 من مارس 2004، حيت تم التأكيد على أن الديمقراطية الأوربية في أزمة حصيلة يتقاسمها الكل و”أن الديمقراطية التشاركية هي الحل للازمة وقيمة مضافة لدول الاتحاد الأوربي” و “يجب على الديمقراطية التشاركية ان تضخ دما جديدا للديمقراطية لتكمل الديمقراطية التمثيلية وتنمية التعاون مع باقي الشركاء الاجتماعين”.

وفي فرنسا أثبتت التجارب المطروحة أن النجاح و التنفيذ تم عبر مراحل، وان التشاور/الحوار بشأن المشاريع الكبرى كان له الاثر الايجابي لحل النزاعات، على سبيل المثال الأزمة التي اندلعت حول خطوط القطار الفائق السرعة(TGV) بفرنسا في سنة 1992، ومن ثم تم اقرار تجسيد مبادئ الديمقراطية التشاركية من خلال إصدار قانون 27 فبراير 2002 المتعلق بديمقراطية القرب الذي اشترط في فصله الأول من الباب المتعلق بمشاركة السكان في الشؤون المحلية إحداث مجالس الأحياء بالمدن التي يتجاوز ساكنيها 80000 نسمة. وقد اسفرت الحصيلة بفرنسا عن ايجاد الحلول للمشاريع الكبرى والتي تواجه معارضة قوية عند تنفيذها واستخلاص الملاحظات الايجابية والسلبية حول المشروع و التي تكون كفيلة بتطويره في نهاية الأمر. 

وخلص تقرير ل”سيدريك بولير” حول الديمقراطية التشاركية، ان مرد تضمين التشريعات للديمقراطية التشاركية يرجع الى عدم تمكن المواطنين من التعبير عن اهتماماتهم وطموحاتهم نظرا لتعدد المؤسسات وتنوعها واعتبر كل من “جوركن هابرماس” الالماني الاصل و”جون روول” (من جهابذة المفكرين للديمقراطية التشاركية) ان القرار السياسي يأخذ مشروعيته من خلال الاقناع والحوار وان القرار الجيد يتم من خلال التداول بشأنه. 

تحديد مفهوم الديمقراطية التشاركية 

الدراسات التي تناولت الديمقراطية التشاركية تعرفها بانها نظام يمكن من مشاركة المواطنين في صنع القرارات السياسية ذات الاولويات بالنسبة إليهم عن طريق التفاعل المباشر مع السلطات القائمة والمشكلات المطروحة. كما تتفق على ان الديمقراطية التشاركية تتبنى مفهوما جوهريا يأخذ بعين الاعتبار دور المواطنين في المشاركة في صنع القرار السياسي وتدبير الشأن العام، كما انها تتسم بالتفاعل بين المواطنين والحكومات أو المستشارين المحليين، وانها مكملة للديمقراطية التمثيلية، هذا التصور الاخير ليس هناك اتفاق بشأنه، فحسب “انطوني جيدنر” عالم الاجتماع البريطاني “ليست –الديمقراطية التشاركية- امتدادا للديمقراطية التمثيلية أو الديمقراطية الليبرالية ولا حتى مكملة لها ولكنها من خلال التطبيق تخلق صيغا للتبادل الاجتماعي (المقصود هو الادوار الاجتماعية)” والذي وفق تصوره “تساهم موضوعيا وربما بشكل حاسم في إعادة بناء التضامن الاجتماعي”.

التمييز بين الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية

بالرجوع الى الباحث السوسيولوجي البريطاني انطوني جيدنر، فالديمقراطية التمثيلية “صيغة لنظام حكم يتسم بانتخابات منتظمة وبالاقتراع العام وبحرية الفكر والحق العام في الترشح للمناصب العامة وتشكيل روابط سياسية”، كما خلص إلى أن الديمقراطية التمثيلية يعنى بها الحكم بواسطة جماعات تفصل بينها وبين الناخب العادي ويخضع غالبا لهيمنة -اهتمامات -سياسية حزبية، فالديمقراطية التمثيلية وفق تصوره هي وليدة الديمقراطية الليبرالية التي ارتبطت بنشأة دولة الرفاه والدولة الأمة فيما بعد الحرب الثانية وان الهدف هو تقاسم المخاطر بين الحاكمين والمحكومين الناجمة عن الحربين العالميتين. والجدير ذكره فإن المدافعين عن الليبرالية الديمقراطية وجدوا ضالتهم في الترويج لها عند انهيار الأنظمة الاستبدادية والشمولية في اروبا الشرقية. ويقدم الباحث السالف الذكر في كتابه “بعيدا عن اليسار واليمين، مستقبل السياسات الراديكالية” تفسيره الخاص به حول بزوغ الديمقراطية التمثيلية كحكم ارتبط بنشأة الدولة الامة وبدولة الرفاه للإجابة عن مخاطر الحروب وكيفية إدارة ذلك من خلال التضامن بين فئات المجتمع، وان الديمقراطية التشاركية /او التداولية / او الحوار، هي جوابا بديلأ ورد عن مخاطر الليبرالية الجديدة المتطرفة التي تنادي بتقليص دولة الرعاية الاجتماعية وان الدولة هي العدو ويجب عليها أن لا تتدخل، و أن من نتائج الديمقراطية التشاركية درء المخاطر و الإشراك الفعلي للمواطنين في تدبير الشأن العام لمواجهة التحديات التي تطرحها العولمة المتوحشة.

تونس.. في انتظار التجسيم

تماشيا مع روح الثورة ونجاح تجارب تطبيق الديمقراطية التشاركية في عديد الدول، إستلهم المشرع التونسي هذا المبدأ فنصّ الفصل 131 من الدستور على أنّ السلطة المحلّيّة تقوم “على أساس اللاّمركزيّة” التي “تتجسّد في جماعات محلّيّة تتكوّن من بلديات وجهات وأقاليم، يغطّي كلّ صنف منها كامل تراب الجمهورية”. وتتمتع هذه الجماعات “بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والماليّة وتدير المصالح المحليّة وفقا لمبدأ التّدبير الحرّ” (الفصل 132) ولكنّ الإقرار بهيئات الحكم المحلّي على الصورة التي ذكرنا على أهميّته، يمكن أن يظلّ حبرا على ورق ما لم يُعهد لهذه الهيئات بصلاحيات تصرّف حقيقية لتجسّم سلطتها. من هذه الناحية أقرّ الفصل 134 ما يلي “تتمتع الجماعات المحلية بصلاحيّات ذاتية وصلاحيّات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها” و”توزّع الصّلاحيات المشتركة والصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع“ مضيفا ”تتمتع الجماعات المحلية بسلطة ترتيبية في مجال ممارسة صلاحياتها، وتُنشر قراراتها الترتيبية في جريدة رسمية للجماعات المحلية”.

يبقى الآن أن تلقى هذه اﻷحكام طريقها إلى التجسيم في القوانين التطبيقية (مجلة البلديات الخ..) وفي الممارسة. والمهم أن تكون الإدارة التنفيذية المحلية في المستوى المحلي والجهوي والإقليمي في متناول السكان فعلا وأن تمنحهم فرصا حقيقية لتوسيع مجالات اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻓﻲ صنع اﻟﻘرار اﻟﻤﺤلّي في إطار الديمقراطية التشاركية وﺘﺸﺠﻴﻊ اﻟﺘﻌددﻴﺔ وﺘﺤﻘﻴق اﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ وﺘوﻓﻴر ﻤﺠﺎﻻت اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ وأن تكون هذه اﻟﺴﻠطﺎت اﻟﻤﺤﻠﻴﺔ أﻛﺜر ﺘﺠﺎوﺒﺎ وﺘﻛﻴّﻔﺎ ﻤﻊ اﻷوﻀﺎع اﻟﻤﺤﻠّﻴّﺔ اﻷﻤر اﻟذي سيعطيها ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ أﻛﺒر في تنمية الجهات وانتشالها من التهميش.

الخلاصة
أسفرت التجارب حول الديمقراطية التشاركية، بأنها نظام للحكم الجيد وإعادة الثقة في السياسات الحكومية، وان من نتائجها التحاور وإيجاد الحلول للمشاريع التي تلقى معارضة قوية من طرف المجتمع، وأنها طريقة للتقويم والتتبع والمراقبة الشعبية، وأنها كذلك عملية لترميم الديمقراطية التمثيلية، فالديمقراطية التشاركية تجعل من المواطن العادي في قلب اهتماماتها بإعتبارها شكلا من أشكال التدبير المشترك للشأن العام المحلي يتأسس على تقوية مشاركة السكان في اتخاذ القرار السياسي وهي تشير إلى نموذج سياسي “بديل” يستهدف زيادة انخراط ومشاركة المواطنين في النقاش العمومي وفي اتخاذ القرار السياسي، أي عندما يتم استدعاء الأفراد للقيام باستشارات كبرى تهم مشاريع محلية أو قرارات عمومية تعنيهم بشكل مباشر، وذلك لإشراكهم في اتخاذ القرارات مع التحمل الجماعي للمسؤوليات المترتبة عن ذلك، وتستهدف الديموقراطية التشاركية دمقرطة الديموقراطية التمثيلية التي أظهرت جليا بعض عيوبها وتعزيز دور المواطن الذي لا ينبغي أن يبقى منحصرا فحسب في الحق في التصويت أوالترشح والولوج إلى المجالس المنتجة محليا ووطنيا، بل يمتد ليشمل الحق في الإخبار والاستشارة وفي التتبع والتقييم، أي أن تتحول حقوق المواطن من حقوق موسمية تبدأ مع كل استحقاق انتخابي وتنتهي بانتهائه الى حقوق دائمة ومستمرة ومباشرة تمارس بشكل يومي وعن قرب، وهي بهذا المعنى تتميز عن الديمقراطية التمثيلية التي تمارس عبر واسطة المنتخبين اللذين قد يتخلون عن دور الاقتراب من المواطن وإشراكه في صنع وإنتاج القرارات وبذلك يصبح دور المواطن هو تتبع وتدبير الشأن المحلي دون وساطة.

المراجع


- « LA DEMOCRATIEPARTICIPATIVE » état des lieux et premiers éléments de bilan, synthèse réalisée par Cédric Polère. Voir www.millenaire.com , document en PDF

.

– Voir circulaire du 15 décembre 1992 relative à la conduite des grands projets nationaux d’infrastructure ,in (ligifranec,gouv.fr) 



- انطوني غيدنز، بعيد عن اليسار واليمين، مستقبل السياسات الراديكالية، (ترجمة شوقي جلال)،عالم المعرفة، عدد 286، اكتوبر 2002.


- اليفر شيفر،انهيار الرأسمالية، اسباب اخفاق السوق المحررة من القيود، (ترجمة د.عدنان عباس علي )،عالم المعرفة، عدد 371، يناير 2010.